ارشيف من :أخبار لبنانية

البطريرك الراعي من بعلبك: لا نريد لأحد أن يتلاعب بنا بعد اليوم وآن الأوان لأن نجلس الى مائدة الحوار

البطريرك الراعي من بعلبك: لا نريد لأحد أن يتلاعب بنا بعد اليوم وآن الأوان لأن نجلس الى مائدة الحوار
البطريرك الراعي : نخشى من أن نتحول إلى الشرق الأوسط الجديد ومن تفتيت العالم العربي إلى دويلات طائفية

إستهل البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي كلمته التي ألقاها في العشاء التكريمي الذي أقامه على شرفه رئيس الهيئة الشرعية في حزب الله سماحة الشيح محمد يزبك في مدينة بعلبك، بالقول "بفرح كبير أنهي اليوم الأول من الزيارة الرعوية إلى بعلبك - دير الأحمر وبعلبك - الهرمل، وأختمها معكم في مائدة المحبة التي جمعت كل الأطياف اللبنانية الدينية والسياسية والحزبية والإجتماعية، ما أجمل أن نجلس معاً، وما أحوجنا لأن نجلس معاً، إنني سعيد بأن أقوم بهذه الزيارة الرعوية، وقد آليت على نفسي عندما إخترت هذا الشعار، شعار الشركة والمحبة، أن أقوم بزيارة أبرشياتنا المارونية، فإذا بي أجد نفسي في زيارة رعوية للإخوان المسلمين قبل الموارنة، فعندما زرت صيدا والشوف، إذا بي أجد من يستقبلني قبل الموارنة والمسيحيين، الإخوة السنة والدروز، واليوم في هذه المنطقة أجدني بنوع خاص مع الأخوة الشيعة الأحباء".

وأضاف البطريرك الراعي "أنا لا أستطيع أن أصف ما رأينا اليوم من حب منكم جميعاً وفرح من القلب، وسخاء كبير، لكن كنت في كل هذا، أخلد إلى صلاة في أعماق قلبي مع أخي المطران سمعان عطا الله ونحن في سيارة واحدة، كنا نرفع الشكر لله على هذا الشعب اللبناني العظيم، المحب، الغيور والسخي، ومن هنا أوجه تحيتي إلى جميع الذين رأيناهم اليوم، والذين أقول لهم من خلالكم شكراً على كل التعب والسهر الذي بذلوه في التحضير لهذه الزيارة من لافتات وأقواس نصر وصور وزينة وورود وأرز، إلى جانب حب كبير وبسمات ما كنت أتصورها، هذه من عطايا الله، وقلت إن هذا الشعب اللبناني بالحقيقة حامل رسالة ينبغي أن يؤديها للعالم، للشرق كما للغرب".

وفي سياق كلمته، تابع الراعي "إنني وبإعتزاز، أقوم بهذه الزيارة وأواصلها غداً (اليوم) لهذه المنطقة بروح الشركة والمحبة للدلالة على أننا لسنا في مجرد زيارة إجتماعية بروتوكولية، لكن أن أقوم بزيارة من أجل الشركة، فإننا نهدف الى أن نبني معاً شركة روحية، إجتماعية، إنمائية ووطنية"، وأعتبر أن "الشركة الروحية هي أن نعود جميعاً الى هذه العلاقة العمودية الصافية مع الله، لأن المبدأ معروف، سلام مع الله سلام مع الخليقة كلها"، مضيفاً "إسمحوا لي أن أقول إذا كنا نتعثر في شؤوننا اللبنانية عثرات متنوعة، فينبغي أن نصحح جميعاً العلاقة مع الله، لأنه عندما تسلم علاقتي مع الله أكون حتماً في سلام مع أخي أياً كان".

وفي الإطار نفسه، أردف البطريرك الماروني قائلاً "رأيت أنه من الواجب في هذه الزيارة الرعوية أن نعود كلنا الى مصدرنا الواحد، الى الله، لنستمد كل القيم الروحية والإجتماعية والخلقية، لكي نبني الشركة على المستوى الإجتماعي، المقصود في أن نبني شركة إجتماعية، أي أن يصنع كل منّا ما عنده من ثروة، فالإسلام له ثروته العظمى والمتنوعة في كل طوائفه ومذاهبه، والمسيحية عندها ثروتها الكبيرة بكل طوائفها ومذاهبها، والتيارات السياسية والأحزاب لها كلها ثروتها وتطلعاتها وإيجابياتها، أن نعيش الشركة الإجتماعية، يعني أن يضع كل ما عنده لكي نبني شركة واحدة".

وأكد الراعي أن "جمال لبنان وثروته في أطيافه ومكوناته، واللبنانيون المسلمون والمسيحيون عندما إستنبطوا من فكرهم اللبناني المميز الأمر الذي لم يصل إليه أحد، لا في العالم المشرقي ولا في العالم الغربي، إبتكروا ما يسمى بالميثاق الوطني، ميثاق العيش معاً"، لافتاً الى أن "هذا يعني أن الشركة هي من صميم الثقافة اللبنانية، ولهذا أنا أدعو إخوتي أبناء الكنيسة المارونية وإخوتي المسيحيين، وأدعو إخواني المسلمين، لأن نضع كلنا ما عندنا من ثروة في سبيل بناء هذا المجتمع اللبناني الواحد".

وتابع الراعي "المطران عطاالله أراد أن يضع شعاراً للزيارة الرعوية التي بدأناها في منتصف آب لمنطقة دير الأحمر، واليوم هنا في بعلبك - الهرمل، فوضع لها عنوان "تعال وانظر"، تعال أيها البطريرك وانظر حالنا الإنمائية، وإنظر حالتنا في هذه المنطقة، أتيت ورأيت وسمعت، وجدت أن هذه المنطقة تعيش أزمة من الإهمال ومن غياب للدولة على المستوى الانمائي، وقد أردت أن تكون هذه الزيارة من بلدة الى أخرى لنستمع ونأخذ معنا الكلمات لكي نعمل مع الدولة ومعكم ومع المؤسسات الإجتماعية والخيرية والانمائية لإحياء وتنمية هذه المنطقة، لكي يستطيع أهلها ان يعيشوا بكرامة، وأن يحافظوا على وجودهم وعلى أرضهم".

ودعا الراعي "اللبنانيين في هذه المنطقة وغيرها، الى عدم بيع أرضهم، لأن من يبيع أرضه، إنما يبيع هويته وتاريخه، يبيع أمه، يبيع مستقبله ويخون ربه"، وأضاف" نعم، سنعمل معاً من أجل أن يستثمر كل شخص أرضه، أنا لست مع بيع الأرض، حتى من الجار الى جاره، لأن القول المأثور يقول "هني الشاري وعزي البائع"، لذلك يجب أن يحافظ كل واحد على أرضه، وليستثمر كل واحد منا أرضه، لكي يحافظ على مواصلة كتابة التاريخ، فتاريخنا في لبنان لم يكتب على ورق، بل كتب على الأرض اللبنانية"، مردفاً "نطالب الدولة، ونحن بجانبها، ونعرف ما تعاني، ولكن نسأل الرب أن يبارك عملها، بأن تدعم المزارعين في كل مجالات الدعم لكي يستطيع اللبناني أن يعيش بكرامة يتعلمها من أرضه".

ولفت الراعي إلى أن الهدف الرابع من هذه الزيارة الرعوية هو على المستوى الوطني، وقال في هذا السياق "آن الأوان لأن يجلس اللبنانيون على مائدة الحوار، ينبغي أن نكون على مستوى الذين جلسوا قبلنا وإستنبطوا الميثاق الوطني الإسلامي المسيحي، هل نحن رجالات لهذا الزمن؟، نحن مدعوون لنكون كذلك، نحن لا نستطيع بعد الآن، والعالم العربي يعيش هذا المخاض، لا أحد منا يدري، تصل هذه المطاردات التي أصبح فيها عنف، وفيها قتل وفيها حرب، ونحن نعرف في لبنان ويلات القتل وويلات الحروب، ولا نرغب لأحد أن يختبر ما إختبر اللبنانيون".

وكرر الراعي ما كان قد أعلنه من فرنسا من مخاوف وخشية مما يجري هنا وهناك في البلدان العربية، وخصوصاً في العراق ومصر، فقال" نحن أبدينا خشية من أن تؤدي هذه المطالبات وهذه الأحداث الدامية هنا وهناك، إلى حروب أهلية، ونحن نعرف ما معنى الحرب الأهلية في لبنان، وفي هذا الشرق الحرب الأهلية هي حرب بين الطوائف والمذاهب، لأن أساس العائلة عندنا هو الطائفية، وأبدينا الخشية ثانياً من ألا نبلغ ويقال إنه الى جانب ما يريده الشعب، ونحن أولهم اللبنانيون، نعم كل إنسان له الحق في أن ينال كل حقوقه الأساسية، نعم لكل إنسان الحق في أن يعيش الحريات العامة، نعم كل إنسان له كرامته التي ينبغي أن تحترم، نعم ينبغي أن تقام هنا وهنالك، عندنا وعند غيرنا، إصلاحات سياسية ودستورية، لكن نحن نخشى من أن يكون هناك إنتقال من أنظمة شديدة إلى أنظمة أكثر تشدداً، فنعود الى الوراء، ونخشى ثالثاً من أن تقود كل هذه الأحداث، لا سمح الله، الى حروب طائفية ومذهبية، وقد يصل الأمر بنا الى تحقيق المخطط بالشرق الأوسط الجديد وهو تفتيت العالم العربي الى دويلات طائفية ومذهبية، هذا ما أكدناه في فرنسا".

وأضاف الراعي في الإطار نفسه "ما نريد أن نعيشه في لبنان هو أن نتضامن مع عالمنا العربي، وأن نتفهم عالمنا العربي، فلنساعد عالمنا العربي لئلا يستمر في العنف وفي الحرب، وعلينا أن نساعده بكل الطرق لأننا جزء من العالم العربي، هذه الشراكة على المستوى الوطني تدعونا إلى ألا نقف مكتوفي الأيدي، لأن لبنان جزء لا يتجزأ من العالم العربي ومرتبط به إرتباطاً عضوياً، لكي لا يصل لبنان ويدخل في عمق هذه النزاعات ونعود الى حالة أسوأ بكثير مما عشنا من عام 1975 إلى اليوم، لذا يجب أن نسرع الى مائدة الحوار لكي نتدبر الأمر، ولكي نتجنب أي تداعيات بسببب ترابطنا العميق مع كل العالم العربي".
وطالب الراعي الأسرة الدولية والدول الصديقة بـ"أن تعمل بكل قواها لتنفيذ القرارات الدولية، وأولها خروج "اسرائيل" من أي شبر من أرض لبنان، وأن تحترم الأسرة الدولية قراراتها، وأن تعمل جاهدة على تنفيذ القرار 194 الذي صدر في العام 1948 لعودة إخواننا الفلسطينيين الى أرضهم قبل إنشاء دولة فلسطين، لأن ما يضمن عودتهم هو القرار 194"، لافتاً الى أن "هذه أسباب في لبنان، كلنا يعرف أنها من أسباب خلافاتنا الداخلية".

وقال الراعي "نحن لا نريد بعد اليوم أن يتلاعب بنا أحد، وأن يقول "اللبنانيون عجيب أمرهم لا يتفاهمون"، كلا نحن قلنا أنتم ترموننا في النار وتقولون لا تحترقوا، نحن نعرف أنه عندما تنفذ الأسرة الدولية مسؤولياتها على أرضنا، نحن نستطيع أن نتفاهم"، مضيفاً "ينبغي علينا أن نجلس معاً، لأن في ما بيننا خلافات كبيرة، وكلنا يعرف أن واحدنا يتهم الآخر، وكل واحد يحاول أن يلبس الآخر ثوباً ليس له، ولا نجرؤ على أن نسأل بعضنا بعضا سؤالاً واحداً، نحن نعيش بالأوهام، ولا نجرؤ على أن نجلس على مائدة الحوار، نحن نكتفي بأن نتكلم عبر الوسائل الإعلامية، وكأنها متاريس، وكأنها تسمح لكل واحد بأن يسيء إلى الآخر ويوجه الإتهام الى الآخر، فمن أعطاك الحق بأن تستخدم هذه الوسائل لكي تشتم الآخر وتسيء الى الآخر، هذا لا يمكن أن يستمر، إذا كنا فعلاً رجالات، تعالوا نجلس وتنظر العين بالعين، فالإتهامات المتبادلة لا تبني وطناً".

وتابع الراعي بالقول "ما أجمل هذا الشعب المحب المخلص، لماذا لا يكون هذا بين السياسيين وبين كل الفئات المتناحرة على الأرض، لماذا هذا الشعب الطيب ينبغي عليه أن يعيش في مرارة وفي نوع من التوتر، يكفي هذا الشعب أنه صائع ومهجر ومهاجر وأنه فقير وبحاجة إلى كل شيء وأن الدولة غريبة عنه، وهو محروم من أساسات أموره الأساسية".

وتوجه البطريرك إلى السياسيين بالقول "آن الآوان للجلوس معاً بشجاعة، ونفتح قلوبنا لبعضنا البعض، فإن 95 في المئة من خلافات الناس هي بسبب سوء التفاهم"، وإعتبر أن "الثقة لا تولد من الإتهامات"، مردفاً "عندما إستعمل الإعلام كلاما مجتزأ لي، علقت الدنيا ببعضها، أيكفي أن أرى كلمة ما في صحيفة مباعة؟ كل شيء مباع في لبنان، وكل شيء ويا للأسف اصبح بيعاً وشراء في لبنان، ونعرف شرقاً وغرباً تدخلاتهم في لبنان، ونعرف كم هنالك من أشخاص مباعين، وان وسائل الاعلام في معظمها مباعة، نحن نصدق كلمة هكذا على جريدة لنبدأ حرباً طويلة عريضة، لا يجوز ان نستمر بهذا الشكل في لبنان".
وختم الراعي بالقول "لا يجوز لنا، نحن أبناء هذا الزمن، الا نجلس على مائدة محبة الحوار بشركة ومحبة".


كالات

2011-09-18