ارشيف من :أخبار لبنانية

الشارع العربي.. عامل يكبح "إسرائيل"

الشارع العربي.. عامل يكبح "إسرائيل"

يحيى دبوق ـ صحيفة "الاخبار"

السمة الرئيسة لحراك إسرائيل في مرحلة الثورات العربية هي الانكفاء والترقّب. الواضح أن هامش المناورة بات ضيقاً ومحدوداً، والمبادرة والقدرة على الردّ بلغتا حداً من الانكباح يدفع تل أبيب إلى التردد كثيراً قبل اتخاذ أي قرارات اعتدائية. وعلى نقيض من الماضي عندما كانت أحد أعمدة المشهد الاستراتيجي والسياسي في المنطقة، لا تصنع إسرائيل الأحداث، بل تتلقاها، وتدرك أن أي تدخل منها في ساحات المواجهة سيرتدّ سلباً عليها.
فقدان القدرة والبدائل العملية ضد الأعداء يدفع تل أبيب إلى الاكتفاء القسري بالرهان على حلفائها، من الغرب والعرب، الساعين إلى احتواء الثورات العربية، وتحريض بعضها وتوجيهه. لكن ما يثقل على إسرائيل أكثر أن واشنطن أيضاً تحرص بدورها على لجم تل أبيب ومنعها من التسبّب بما يربك مساعيها ومساعي حلفائها في المنطقة.

أسوأ ما في التداعيات السلبية من ناحية إسرائيل، في هذه المرحلة تحديداً، أن يفهم أعداؤها واقع انكباحها، وتقلّص ما لديها من قدرة على المبادرة في اتجاهين: ما يرتبط بعمل عدائي ابتدائي تُقدم عليه، أو الرد على عمل يبادر إليه الأعداء ضدها. من هنا، فإن إحدى أهم المصالح الإسرائيلية في هذه المرحلة هي الحفاظ على صورة الاقتدار وحرية الحركة والمبادرة والردّ القاسي والعنيف. وبحسب المفهوم الإسرائيلي، أن يدرك حزب الله والفصائل الفلسطينية المقاومة في قطاع غزة، وأيضاً سوريا في ظل أزمتها الداخلية، أن هامش المناورة قد تقلص أمام تل أبيب، وأنها باتت مكبوحة عن المبادرة والرد، قد «يفتح شهيّتهم» على تسخين أمني على إحدى الجبهات، أو حتى كلها، في «محاولة منهم لاحتواء أزماتهم الداخلية». وهذا التقدير يبدو قائماً وموجوداً بقوة في إسرائيل، وجرى التعبير عنه في أكثر من مناسبة أخيراً، وتحديداً مع بدء الأزمة السورية.

يستدعي الحؤول دون ذلك أداءً سياسياً وإعلامياً خاصاً من إسرائيل، تُفهِم من خلاله أعداءها أنها غير مقيّدة بالقدر الذي هي عليه. إنها «عدة شغل» إعادة الاعتبار إلى قدرة الردع الإسرائيلية في فترات القصور والانكباح عن العمل الفعلي. من هنا يمكن فهم ما يرد من تل أبيب، وما قد يرد، من تهديدات و«عرض عضلات» تصدر بين الحين والآخر تجاه لبنان وقطاع غزة وأيضاً سوريا، مع كثير من المقاربة الجديدة القديمة، كالكشف عن إجراء مناورات «غير مسبوقة»، ووسائل قتالية جديدة متطورة باتت في خدمة الجيش الإسرائيلي، والوعد بالانتصار في الحرب، وغيرها...

لكن إلى متى تستمر حالة الانكفاء الإسرائيلية؟ الإجابة أساساً، وما زالت، مرتبطة بقدرة المقاومين من ناحية عسكرية وفعلية على منع إخراج الخيارات الاعتدائية الإسرائيلية إلى حيّز التنفيذ. لكن المرحلة تشهد أيضاً على عامل إضافي زاد من مستوى كبح صانع القرار في تل أبيب، وهو استمرار حالة الغموض وعدم اليقين حيال الثورات العربية، والوجهة التي ستصل إليها، إذ تدرك إسرائيل جيداً أنها إن بادرت إلى فعل اعتدائي واسع النطاق، فستدفع، أو تعجّل، بوجهة الأمور إلى حيث لا تريد، سواء في مصر أو في الأردن أو حتى في سوريا. يستتبع منها ذلك، بالضرورة، مواصلة التمسك بحالة الانكفاء والامتناع عن تنفيذ اعتداءات، وتحديداً تلك الواسعة منها.

إلا أن البارز، من ناحية فعلية، ومهما كانت مآلات الثورات العربية وإمكان نجاح واشنطن في احتوائها، أنه يمكن التأكيد أن أهم تغيير قد تحقق حتى الآن، من ناحية إسرائيل، هو انتهاء عهد الاعتماد الإسرائيلي والأميركي على الحكام العرب وتجاهل الشارع العربي الذي بات عاملاً مؤثراً في أي قرارات قد تتخذها تل أبيب. شهدت ساحة المواجهة أخيراً في قطاع غزة دليلاً حسّياً وملموساً على مدى تأثير الشارع العربي الكبحي في دفع إسرائيل إلى الانكفاء عن شنّ اعتداء واسع النطاق على غزة، خلال وفي أعقاب العمليات النوعية الأخيرة في إيلات، رغم أنها جبت أثماناً باهظة من الإسرائيليين. كاد الهاجس الإسرائيلي أن يجبر الشارع المصري، الذي أثبت حضوره وفاعليته في الأيام القليلة الماضية، حكام القاهرة الجدد على الابتعاد أو تعجيل الابتعاد عن إسرائيل. في ذلك يؤكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، بني غانتس، (يديعوت أحرنوت 01/06/2011) أن «الشارع العربي برز لاعباً جديداً في المنطقة، ويفرض تحديدات جديدة على الجيش الإسرائيلي».

إذاً، تُمسك بالحراك العملي لتل أبيب ضرورتان: الحفاظ على صورة إسرائيل الرادعة والتوثّب الدائم حيال الأعداء، مقابل ضرورة الانكفاء منعاً من إثارة الشارع العربي وإمكانياته في التأثير على التغيرات في المنطقة. وكما يبدو ويتّضح، فإن الغلبة للضرورة الثانية، ضرورة الانكفاء، وخاصة أنها مقرونة بعامل آخر أكثر تأثيراً، وهو قدرة المقاومين من ناحية عسكرية، التي ثبت أنها منعت، لسنوات خلت، إسرائيل من شنّ اعتداءاتها







2011-09-19