ارشيف من :ترجمات ودراسات
لا شيء سيحدث... لا دولة فلسطينية ولا مفاوضات
معاريف ـ الون بنكاس
"الفلسطينيون دعوا الجميع الى السيرك، اسرائيل خلقت فزعا وهستيريا ـ موهومة او حقيقية ـ وحذرت المدعوين، الولايات المتحدة استيقظت متأخرة على الحدث ووصلت مقطوعة الانفاس، مشوشة، مكشرة ومنكوشة الشعر. وكل الباقين لا يفهمون كيف نشأت الجلبة على لا شيء.
الدراما التي لا داعي لها في الايام القريبة القادمة في نيويورك هي الجمعية العمومية على لا شيء. وعليه فان الجدية الذاتية الفلسطينية في غير مكانها، الفزع الاسرائيلي مبالغ فيه وعديم التفسير، "الخطوات الدبلوماسية الحثيثة" هي شغل مبادر اليه من موظفين سئمين، يائسين وعديمي الاقلاع، والاثار القانونية، السياسية وربما ايضا الامنية هي نتيجة أزمة لا داعي لها كان يمكن وينبغي منعها قبل أشهر.
دولة فلسطينية لن تقوم في نيويورك. الاقوال المخلولة والزائفة عن "استئناف المفاوضات" لن تخفي واقع السنتين الاخيرتين: لا توجد ولا يمكن أن توجد مفاوضات حقيقية لان مطالب الحد الادنى الفلسطينية لا تقترب من العروض القصوى التي يمكن للحكومة الحالية أن تقدمها. الفلسطينيون رفضوا المفاوضات وحكومة نتنياهو ردت صيغة اوباما. فما العجب في أنه لا يوجد في الطرف الاخر شريك للمفاوضات.
بشكل لا يقل عجبا فان الطرفين محقان. فقد اتفقا بينهما ضمنيا وببرودة أعصاب، مثلما هو متبع عمله في العشرين سنة الاخيرة على أن "الادارة لا تشارك والرئيس لا يفهم والأميركيين غير جديين". هنا ايضا يوجد توافق في الرأي غير أنه ليست الولايات المتحدة هي التي ينبغي أن تتعايش مع آثار انعدام الفعل، انعدام المسؤولية وانعدام المسيرة السياسية. فما هو أكثر مأساوية وغباءً من طرفين مكلومين، متهكمين، مستائين وعديمي الثقة الاساسية ممن يتهمان الدولة الوحيدة في العالم التي حاولت، وان كان بتلبث وعدم ذكاء احيانا، التوسط بينهما، واقترحت ان تضع تحت تصرفهما خدماتها وقوتها؟
الولايات المتحدة وجدت نفسها في الوضع الاقل راحة. استخدام الفيتو على الطلب الفلسطيني الى مجلس الامن على اساس عدم الجدوى من خطوة احادية الجانب والتملص من المفاوضات هو مفارقة هائلة. ادارة اوباما توشك على استخدام الفيتو على سياستها هي: الاعتراف بنموذج الدولتين حسب الصيغة التي عرضها الرئيس في ايار، والتي تقوم على اساس "مبادئ كلينتون" التي صيغت بعد كامب ديفيد في اواخر العام 2000.
كما ان الولايات المتحدة لا ترغب في أن تضيّع ثقة العالم العربي من خلال استخدام الفيتو. وعليه، فمن ناحية الأميركيين دفعتها اسرائيل والفلسطينيون الى العزلة. كي تخلص نفسها من العزلة، تحاول الولايات المتحدة بلورة اغلبية في مجلس الامن تجعل الفيتو لا داعي له. معارضة بريطانيا وربما ايضا البرتغال، المانيا، الغابون ونيجيريا كفيلة بأن تكون كافية. الفشل المتوقع في مجلس الامن سينقل الاقتراح الى الجمعية العمومية. صرخات النجدة من اسرائيل والتي تقضي بأن في الجمعية أغلبية متوقعة 140 ـ 150 دولة تأييدا لرفع مستوى السلطة الفلسطينية من مكانة "كيان مراقب" الى "دولة مراقبة ليست عضوا كاملا"، تخطىء الهدف.
اسرائيل كان يمكنها أن تؤيد الطلب الفلسطيني وتفرغه من محتواه أو ان تدحر أهميته الى الهوامش السياسية. الولايات المتحدة بالتالي تطلب تأجيل التصويت في الجمعية العمومية، وبالتأكيد يمكن أن ينشأ وضع ينتظر فيه الفلسطينيون لاشهر طويلة التصويت الذي يدفن في لجان الامم المتحدة.
رئيس الوزراء شخّص على نحو سليم هذا السيناريو، ومن هنا قراره السفر وإلقاء الكلمة في الجمعية العمومية. ليس لخطابه أي معنى سياسي واعلان "اليد ممدودة"، "تعالوا غدا للمفاوضات" و"أنا على علم بالحاجة الى دولتين تعيشان الواحدة الى جانب الاخرى بسلام وأمان" ستستقبل ككلمات عديمة الاهمية لا توجد خلفها خطة سياسية حقيقية. هكذا أيضا بالنسبة للعرض الذي سيقدمه ابو مازن عن مظالم الاحتلال، نحن نكتفي بـ 22 في المئة من فلسطين الانتدابية و"حق تقرير المصير للفلسطينيين مثل كل الدول هنا". الجميع سبق ان سمع وتأثر. ولكن الفشل الفلسطيني في الامم المتحدة سيعرضه نتنياهو كانجاز سياسي لامع، في الوقت الذي على الارض لا يتغير شيء والمسافة نحو الدولة الثنائية القومية تقصر. ليست قصيرة حقا بعد، بل تقصر.
ومع ذلك، على المدى البعيد يوجد في الخطوة الفلسطينية أمور نوعية تتعلق بـ "تغيير قواعد اللعب" بسبب عزلة اسرائيل. التسونامي الذي حذر منه وزير الدفاع ايهود باراك لا يرتبط بأيلول. فهو يرتبط بالسياقات الاقليمية، وبالنفور العام والعميق في العالم من الانشغال بالنزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني. هذه الميول يستغلها الفلسطينيون ويعظمونها فقط، ولهذا ان اسرائيل تنكشف هنا ليس فقط كمن وضع اسرائيل في زاوية العزلة، بل وايضا كمن بانعدام الفعل والذكاء السياسي تعزل نفسها أيضا".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018