ارشيف من :أخبار لبنانية
لماذا غادر سليمان «وسطيته».. وانحاز إلى الراعي؟
نبيل هيثم -السفير
ما معنى ان يغطي رئيس الجمهورية ميشال سليمان المواقف الاخيرة للبطريرك الماروني بشارة الراعي؟
منذ ان جلس على كرسي الرئاسة الاولى، قدم ميشال سليمان نموذجا للحيادية التوافقية التي يحلو للبعض ان يعطيها تسمية «الوسطية»، وبالتالي جعل نفسه أسير جدرانها واختار أن يتنقل بحذر بين نقاطها وفواصلها، الى حد انه لو اراد ان يخطو اية خطوة، كان يتأنى، ويسأل، ويستشير، ويزين، ويكيل، ويعيّر، ويضرب اخماسا بأسداس لكي لا تأتي دعسته ناقصة وتزعج هذا او ذاك ممن لا يجب ازعاجهم، وهناك كثيرون كما هو معلوم اتهموه بالتردد وعدم القدرة على المبادرة واتخاذ القرار.
فجأة وبلا أية مقدمات، جاهر سليمان بتبنيه مواقف البطريرك الراعي، في خضم الاحتراب الداخلي بين من هو معها أو ضدها خاصة ازاء مقاربة الراعي للملف السوري من زاوية القلق على مستقبل المسيحيين في الشرق بشكل عام وفي لبنان بشكل خاص، وتفضيله «النظام الشديد» على «النظام الاشد» او «النظام الاكثر تشددا»، ودعوته لاعطاء فرصة للرئيس بشار الأسد، بالاضافة ايضا الى الليونة التي تـُبدى للمرة الاولى من قبل المرجعية الروحية المارونية حيال سلاح «حزب الله» وربطه بالاحتلال الاسرائيلي، واعتباره سلاحا مانعا للتوطين.
وإذا كان هناك من يضع «التغطية الرئاسيّة» التي وفـّرها سليمان لموقف البطريرك الماروني، في السياق الطبيعي الذي يوجب، ولو الحد الأدنى من تفهـُّم المرجعيات المارونية تحديدا، للهواجس التي عبر عنها الراعي انطلاقا من ادراكه لحجم الاخطار التي تتهدد المسيحيين، وهو السياق الذي سبقه اليه ميشال عون وسليمان فرنجية بمشاركتهما البطريرك هواجسه، الا ان هناك في المقابل من يقرأ في موقف سليمان تحديدا، ما يسمونه «جرأة استثنائية» في مقاربة امر شديد الحساسية، لم تكن معهودة برئيس الجمهورية من قبل. لا بل انها «جرأة» غير متوقعة، خاصة أنّ سليمان عايش البطريرك الماروني السابق نصر الله صفير، ولم يحصل ان تبنى يوما اي موقف لصفير لا في السرّ ولا في العلن.
ولعلها المرة الاولى التي يخرج فيها سليمان من «حياديته»، بانحيازه الى منطق الراعي، خاصة بعد اعلان السفير الفرنسي دوني بييتون خيبة امل بلاده من البطريرك في تعبير شديد الوضوح عن حجم استياء نيكولا ساركوزي من موقف الراعي، ويعني ذلك عمليا ان سليمان بموقفه هذا، خالف «14 آذار» وسعد الحريري، وخالف الفرنسيين، وخالف الاميركيين، وبالتالي تموضع عن قصد او عن غير قصد، في الموقع المقابل لكل هؤلاء، وأعلن نفسه هدفا للتصويب عليه الى جانب البطريرك، إن لم يكن الآن فربما لاحقا. خاصة أن ما صدر عن سليمان ينطوي على اشارة بالغة الدلالة والتعبير اطلقها في اتجاه «حزب الله» والقيادة السورية.
هل أعاد سليمان تموضعه، واصبح اكثر وضوحا في اتخاذ مواقفه السياسية؟
منذ تأجيل الاستشارات النيابية بعد اسقاط سعد الحريري من رئاسة الحكومة، تشن حرب سياسية على سليمان في السر والعلن، يقودها سعد الحريري وكان أول ثمن يدفعه احباط جهوده لاستئناف عقد طاولة الحوار.
ويقول المتابعون للحركة الرئاسية ان رئيس الجمهورية ومن اللحظة الاولى التي وصل فيها الى سدة رئاسة الجمهورية، وضع نصب عينيه هدف خلق حالة سياسية يستند اليها ويستثمر عليها كمشروع سياسي خلال ولايته الرئاسية وما بعدها، ولعل تلك الحالة تتأمن من خلال رسم طريق مسيحي ثالث، اي خلق قوة ثالثة لا عونية ولا قواتية بل حالة استقطابية ترسخ نفسها ما بين الضفتين وتكون متكاملة على وجه الخصوص مع المرجعية الدينية المسيحية ومع ما ترمز اليه المؤسسة العسكرية في الوجدان المسيحي..
وبحسب هؤلاء المتابعين، فإن ميشال سليمان وعلى رغم حماسته للقوة الثالثة، حاذر ان يسير نحو ايجادها، ربما لخشيته من ردة فعل القوتين المسيحيتين الأخريين ومن ان يتحوّل هدفا لكلتيهما، وربما لادراكه استحالة اختراق تلك القوتين بما قد يحقق له ما يصبو اليه، ولذلك انكفأ الى الخلف ووضع القوة الثالثة على الرف حتى يحين الظرف المناسب، الا انه ابقى هذا الهدف حاضرا ضمن المربع الجبيلي وما تخلله من اشتباكات محلية متفرقة لا تغني ولا تسمن من جوع.
غير أن ميشال سليمان وجد في المواقف الاخيرة للبطريرك الماروني «التوقيت المناسب»، ظنا منه ان تلك المواقف توفـّر له التربة الخصبة لكي يزرع فيها بذرة مشروعه لذي لم يستطع تسويقه في ما مضى من سنوات حكمه، وخاصة بعدما لاحت له ملامح «القوة الثالثة» في التموضع الاخير للبطريرك الماروني، وذلك تمهيدا للاستثمار الحقيقي عليه في الانتخابات النيابية المقبلة.
لكن السؤال المطروح، هل تقبل البطريركية المارونية بأن تدخل في اصطفاف سياسي يجعل بكركي مجددا طرفا سياسيا ضد آخر؟
قد تكون لكل الآخرين، تقول مصادر كنسية، حساباتهم، ولكن حركة البطريرك التي انطلق فيها منذ توليه السدة البطريركية تسير على ايقاع واحد وثابت، فهو استطاع وفي فترة قياسية ان يوسع حضن بكركي مسيحيا ووطنيا من خلال عنوان «الشركة والمحبة» الذي يرفعه او من خلال المواقف العابرة للطوائف التي يبديها في جولاته الراعوية، كما انه على المستوى المسيحي الماروني، استطاع ان يزاوج بين الروحي والسياسي، ويظهر قدرة استقطابية استيعابية فائقة جذب من خلالها اقطاب الموارنة الى الالتقاء حول عنوان وحيد وجودي مسيحي لا سياسي اي عنوان حماية المسيحيين وإحباط المحاولات الجارية للتضحية بهم في لبنان وسوريا وسائر المشرق، فهنا يكمن الهاجس الاكبر والاخطر بالنسبة الى الراعي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018