ارشيف من :أخبار لبنانية

هل الإعتراف بالإحتلال اجدى من الإعتراف بالإستقلال ؟

هل الإعتراف بالإحتلال اجدى من الإعتراف بالإستقلال ؟
د. عصام نعمان ـ " الوطن" و"البناء"

قالها محمود عباس جازماً الى التلفزيون المصري: "التوجّه الى الامم المتحدة للمطالبة بفلسطين دولة كاملة العضوية في المنظمة الدولية، هو امر مفروغ منه ولا رجعة عنه".
ما جدوى اعتراف الامم المتحدة بالدولة الفلسطينية؟
يجيب عباس: "إنه يثبت ان الارض المحتلة العام 1967 هي ارض دولة، وليس مختلفاً عليها كما تدعي اسرائيل".
ماذا لو مارست الولايات المتحدة حق النقض(الفيتو) في مجلس الامن للحؤول دون حصول فلسطين على صفة دولة كاملة العضوية؟
يجيب عباس: "الدولة غير العضو هي دولة تشارك بكل مؤسسات العالم، بما فيها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وهذا ما لا تريده اسرائيل واميركا".
هل يتحصّل من كلام عباس ان عدم اعتراف الامم المتحدة (واسرائيل) بإستقلال الدولة الفلسطينية على "حدود" 1967 يعني الإعتراف بأن اراضي الدولة، اي الضفة الغربية، واقعة تحت الإحتلال الاسرائيلي ؟
الواقع ان الإعتراف بالإحتلال ربما اصعب على اسرائيل (واميركا واوروبا) من الإعتراف بالإستقلال!
لماذا ؟
لأن الإعتراف بالإحتلال يعني امرين لا تقبل اسرائيل بهما بتاتاً: أن فلسطين ليست تاريخياً "ارتز اسرائيل" ، وان دولة اسرائيل باتت مسؤولة عن تحمّل اعباء احتلالها ارض الغير.
الواقع ان ما فعلته اسرائيل منذ احتلالها فلسطين العام 1948 هو الحرص على الحؤول دون اقامة دولة للفلسطينيين على ما تبقّى من ارضهم لكونها، في عرف الصهاينة، "ارتز اسرائيل" ويجب ان تبقى مفتوحة للإستيطان الصهيوني. وعندما احتلت اسرائيل الضفة الغربية العام 1967 حرصت على انكار صفتها كأرض محتلة بأن اعتبرتها "ارضا متنازعا عليها"، واستطاعت تكريس هذا التوصيف الإعتباطي لها في اتفاقات اوسلو للعام 1993.
إن اعتراف الجمعية العامة للامم المتحدة بالدولة الفلسطينية على "حدود" العام 1967 من شأنه إنهاء وصفها كأرضٍ متنازع عليها. ولكن، هل تراه يستتبع اعتبارها ارضاً محتلة اذا ما رفضت اسرائيل قرار الجمعية العامة؟
دول الغرب الاطلسي ادركت خطورة المأزق الذي سينجم عن قرار الامم المتحدة بالإعتراف بالدولة الفلسطينية من دون موافقة اسرائيل، فأوفدت اكفأ مسؤوليها وخبرائها الديبلوماسيين الى اسرائيل بغية ايجاد مخرج من المأزق الماثل. ففي القدس المحتلة إلتقى الموفدان الاميركيان دنيس روس وديفيد هيل، ومبعوث اللجنة الرباعية الدولية طوني بلير، ووزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي كاترين اشتون، رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في مسعى اخير لتفادي حدوث المواجهة الديبلوماسية في الامم المتحدة خلال الاسبوع الاخير من الشهر الحالي. طرحت اشتون عدداً من الإقتراحات من بينها الإقتراح الفرنسي ـ الاسباني برفع مستوى تمثيل فلسطين في الامم المتحدة الى رتبة دولة غير كاملة العضوية بما يشبه وضع حاضرة الفاتيكان، وذلك لقاء تعهدات فلسطينية بعدم ملاحقة اسرائيل امام المحكمة الجنائية الدولية.
رفض نتنياهو الإقتراح مشدداً، بحسب صحيفة "هآرتس" (15/9/2011)، على ان منح دولة للفلسطينيين هو بمثابة "خط احمر" بالنسبة الى اسرائيل. وقال لأشتون إنه يقبل النقاش بشأن قرار لا يمنح الفلسطينيين مكانة دولة. فوق ذلك، اعلن انه سيذهب الى نيويورك مع وزير خارجيته افيغدور ليبرمان ليرد في الامم المتحدة على المسعى الفلسطيني للحصول على عضويتها.
هل هذا كل ما ستفعله اسرائيل ؟

ليبرمان هدد الفلسطينيين بـِ "عواقب وخيمة". نائبه داني ايالون تولّى توضيح تهديد معلّمه بقوله إن تقديم الفلسطينيين طلب عضوية دولتهم الى الامم المتحدة سيؤدي "الى إلغاء كل الإتفاقات المبرمة معهم، وسيعفي اسرائيل من كل إلتزاماتها، وسيتحمّل الفلسطينيون المسؤولية كاملة".

الفلسطينيون يتوقعون، على ما يبدو، ردة فعل اسرائيلية شديدة على قرار الإعتراف بدولتهم . فقد كشف عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" محمد اشتيه ، ان واشنطن وتل ابيب تحاولان ابتزاز السلطة الفلسطينية مالياً، مشككاً في الوقت نفسه في امكان تنفيذ اميركا واسرائيل تهديداتهما المالية لأنه "ليس من مصلحتهما الفوضى في الاراضي الفلسطينية، وليس من المصلحة الدولية ان تصبح الاراضي الفلسطينية منطقة مشتعلة".

وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، كزميله اشتيه، ابقى الباب موارباً تجاه المفاوضات بتأكيده أن الفلسطينيين "منفتحون على اي اقتراحات وافكار يمكن ان تَرِد من جميع الجهات لإستئناف المفاوضات على اسس متينة وبمرجعيات واضحة ووفق جدول زمني واضح وضمانات واضحة". ولكن، ماذا لو قامت اسرائيل فعلاً بإلغاء اتفاقات اوسلو؟

ثمة بين الفلسطينيين (صائب عريقات مثلاً) من هدد بأن تقوم السلطة الفلسطينية بإلغاء نفسها اذا ما اقدمت الولايات المتحدة على إستخدام الفيتو في مجلس الامن للحؤول دون إعطاء دولة فلسطين العضوية الكاملة في الامم المتحدة. حلّ السلطة لنفسها يؤدي، عملياً، الى تعطيل اتفاقـات اوسلو، حتى لو لم تقم اسرائيل بإلغائها، ذلك انه يضفي على وجودها في الضفة الغربية صفة الدولة المحتلة.

هكذا يتضح ان "اعتراف" اسرائيل غير المباشر بالإحتلال أهون عليها من الإعتراف المباشر بالإستقلال، فهل "الإعتراف" بالاحتلال اجدى للفلسطينيين في الظروف الراهنة ؟

إن دمغ اسرائيل، واقعاً وقانوناً ، بالإحتلال ينقل قضية فلسطين داخلياً وخارجياً الى مستوى اعلى من الخطورة ويدشن مرحلة جديدة من التداعيات والتطورات، ابرزها :
اولاً ، انفجار سخط شعبي فلسطيني وعربي جارف ضد دول اميركا واوروبا (واسرائيل بطبيعة الحال) لثبوت تواطئها على تدويم الإحتلال الصهيوني لفلسطين وترك شعبها نهباً للتشرد والفوضى والجوع والمرض، الامر الذي سيتفاعل عربياً واسلامياً وينعكس سلباً على مصالح دول الغرب الاطلسي في العالم العربي والإسلامي.

ثانياً  تخلّي الفصائل الفلسطينية، ولا سيما "فتح" و"حماس"، عن تحفظاتها تجاه المصالحة الوطنية وبالتالي تسريع تنفيذ احكامها ومتطلباتها.
ثالثاً، انتقال ادارة شؤون الشعب الفلسطيني من السلطة الفلسطينية الى منظمة التحرير الامر الذي سيؤدي بالضرورة الى تسريع عملية اعادة تنظيمها وتثويرها لتمكينها من النهوض بمسوؤلياتها.

رابعاً، إحياء خيار المقاومة، المدنية والميدانية، وبالتالي إلتزامه نهجاً معتمداً من قبل جميع الفصائل داخل منظمة التحرير وخارجها.
خامساً، المباشرة ، في حال قبول فلسطين دولة كاملة او غير كاملة العضوية في الامم المتحدة، في مقاضاة اسرائيل امام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، والدخول في  تحالفات سياسية وعسكرية مع دول صديقة، عربية او غير عربية، من اجل دعم دولة فلسطين وشعبها في الكفاح ضد الإحتلال الصهيوني.

لن يكون الفلسطينيون، في حومة التداعيات والتطورات سالفة الذكر، أسوأ حالاً على الاطلاق من حالهم الراهنة مع الإحتلال، والإذلال، والإستيطان، والاعتقالات اليومية، والتعذيب، وتجريف المزروعات، وتهجير السكان، وتركهم مشردين تحت كل كوكب. بالعكس، ستفجّر التطورات والتحديات الجديدة داخل الوطن المحتل والكيان الصهيوني والشتات، الجماهيرَ والنخب والطاقات الفلسطينية في انتفاضات جديدة تتكامل مع نظيراتها في شتى الاقطار العربية وتسهم في صنع مستقبل اكثر ديمقراطية وعدالة وازدهاراً لدول المنطقة.  
 
2011-09-21