ارشيف من :أخبار لبنانية

حيث لا يجرؤ الآخرون

حيث لا يجرؤ الآخرون
المحامية مي خريش- موقع التيار الوطني الحر

فيما كان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي يجول على المناطق اللبنانية كافة، كاسراً بإنفتاحه حواجز الخوف من الآخر، داعياً للحوار وللتلاقي، للمسامحة وللغفران، لبناء لبنان العيش المشترك، شارحاً للمزارع في المناطق النائية أن ما قاله في باريس هو نفسه ما يقوله في أصغر ضيعة في لبنان، لأنه نابع من قناعات وخوف ليس فقط على مصير مسيحيي لبنان بل على مسلميه أكثر.

بالتزامن مع إنفتاح البطريرك ومده للجسور، وبينما كان في قانا يزرو ضريح الشهداء الذين سقطوا على أيدي العدو الإسرائيلي، في الجنوب الأرض المقدسة، في الجنوب أرض المقاومة، كان في المقلب الآخر من المشهد اللبناني والمسيحي تحديداً فئة مجتمعة في ملعبٍ رياضيٍ تستمع لخطابٍ مذهبيٍ فئويٍ لا بل تحريضيٍ من ذاك الذي فرض يوماً نفسه بالقوة والدم والإنتفاضات قائداً على المسيحيين بخديعة شعار "حماية المجتمع المسيحي" فما كان أمامه وحفاظاً على بقائه قائداً أوحداً رغماً عن المسيحيين إلا أن ألغى كل من عارضه من رفاق السلاح وسياسيين ومفكرين ورجال دين، فكان يجرؤ حيث لا يجرؤ ولا يمكن أن يجرؤ أحد على إرتكاب الويلات بحق أهله ورفاقه وأبناء دينه ومجتمعه.

"حيث لا يجرؤ الآخرون"، أعادنا مُطلق هذا الشعار إلى زمن حسبنا أنه نسيه أو إتعظ منه، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود.

لم يتوجه هذا المُنظر وداعية كانتون "من كفرشيما للمدفون" بخطابه إلى مسيحيي لبنان بل تعداه إلى مسيحيي الشرق ليحثهم على التثبت بمسيحيتهم وعدم التخلي عنها تحت أي ضغط من الضغوط، أن لا يكونوا أهل ذمة، وأن لا يتقوقعوا في قمقم الخوف من خلال هواجس ليست محصورة بالمسيحيين فقط، لكنه غاب عن بال هذا المُبشر أن مخطط "الشرق الأوسط الجديد" يقوم على تفتيت هذه المنطقة إلى دويلات مذهبية لا مكان للمسيحيين فيها وقد تجلى هذا الأمر بهجرة مسيحيي العراق والتضييق على أقباط مصر والأهم في قضم دولة فلسطين ليس فقط لمنع الفلسطنيين من العودة بل لإلغاء كل معالم المسيحية عن هذه الأرض المقدسة.

تجرأ هذا العسكري المخضرم على دعوة حزب الله على تسليم سلاحه كما فعل هو في يوم من الأيام، متجاهلاً عن قصد أن الفرق بينه وبين حزب الله بُعد السماء والأرض، فسلاحه كان موجهاً للداخل للترهيب ولفرض الخوات وإلغاء الآخر، بينما سلاح حزب الله حرر الجنوب في العام 2000 وهزم الجيش الذي لا يُقهر في تموز 2006، هذا السلاح الذي أصبح يُشكل قوة ردع لعدو غاصب إسمه إسرائيل، كيف يتجرأ على هذه الدعوة التي لا تأتي بالنفع إلا على العدو الإسرائيلي؟ كيف لنا أن نتخلى عن المقاومة وأراضينا ما تزال محتلة؟ كيف نتخلى عن المقاومة والفلسطنيين ما زالوا في المخيمات في لبنان، كيف نتخلى عن المقاومة ولا يوجد سلام شامل وعادل في المنطقة؟ كيف نتخلى عن المقاومة ولغاية تاريخه لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ أي قرار من القرارات الدولية؟
حاولتُ جاهدةً أن أحلل لماذا تفوه هذا الرجل بما تفوه به، فلم أجد له أي مبرر غير أنه ما زال يحن إلى ماضيه الأسود، إلى حيث كان يجرؤ حيث لا يجرؤ الآخرون.
2011-09-25