ارشيف من :أخبار لبنانية
أين ذهبت أموال الهبات والقروض؟
غازي عبد الله وزني ـ صحيفة "السفير"
حصلت الحكومة اللبنانية بعد عدوان تموز وباريس 3 على مساعدات من قروض وهبات من دول صديقة وشقيقة لاعادة إعمار وبناء ما دمّره العدوان الاسرائيلي ودعم خزينة الدولة وماليتها وإقامة مشاريع إنمائية وتربوية وإصلاحات مالية وإجتماعية.
بلغت الاموال المحصّلة في سنوات 2006 ـ 2009 نحو 2543,1 مليون دولار منها 933,8 مليون دولار كمساعدات لحرب تموز وحوالي 1609,3 مليون دولار كمساهمـات من مؤتمر باريس 3، ذهبت غالبيتها الى حسابات خاصة في المصرف المركزي لاعلاقة لها بحسابات الخزينة العامة ولا تخضع للهيئات الرقابية البرلمانية والقضائية كما انها أنفقت في غالبيتها مباشرة عن طريق هيئات ومجالس تابعة للحكومة (مجلس الإنماء والاعمار ـ الهيئة العليا للإغاثة).
تشير المعطيات المالية في هذا الاطار الى ان الاموال المحصّـلة من قروض وهبات من باريس 3 وحرب تموز في فترة 2006ـ 2009 البالغة نحو 2543,1 مليون دولار قد أودعت وأنفقت على الشكل التالي:
1ـ هبات أودعت في حساب الخزينة العامة: قاربت حسب بيانات وزارة المال 419,3 مليون دولار ناجمة عن العمليات المالية التالية:
ـ هبات حرب تموز: بلغت حوالي 112 مليون دولار منها 104 مليون دولار في عامي 2006ـ2007 للاغاثة العاجلة واعادة اعمار بعض البناء المهدّم و8 ملايين دولار لنهر البارد عام 2009. دفعت غالبيتها السعودية وحوّلت إلى الهيئة العليا للاغاثة.
ـ هبات باريس 3: بلغت 307,3 مليون دولار. قدمت السعودية مبلغ 100 مليون دولار لدعم الموازنة العامة وتسديد جزء من فوائد الدين العام، الولايات المتحدة 175 مليون دولار لدعم الموازنة العامة وتسديد إستحقاقات للبنك الدولي، الاتحاد الأوروبي 21 مليون دولار لدعم الموازنة، عُمان 10 ملايين دولار.
قيــدّت اموال الهبات في واردات الخزينة العامة بدل ان تقيّـد في واردات الموازنة العامة مما يشكل شذوذا لقاعدة شمولية الموازنة ومخالفة قانونية للمادة 51 من قانون المحاسبة العمومية التي تنص على انه: تقيـّد الواردات المقبوضة برمتها في قسم الواردات في الموازنة.
2ـ قرض ماليزي بقيمة 500 مليون دولار أودع في مصرف لبنان: انها عملية استبدال دين قائم بدين آخر جديد اي انها عملية تجديد اجال الوديعة الماليزية القائمة لدى مصرف لبنان البالغة 500 مليون دولار والتي وصلت الى استحقاقها ويتوجب تجديد اجالها.
تشكل هذه العملية مخالفة دستورية لان الحكومة تحتاج الى الاجازة المسبقة من المجلس النيابي لتجديد قرض عمومي يرتب اعباء على الدولة اذ تنص المادة 88 من الدستور اللبناني على انه: لا يجوز عقد قرض عمومي ولا تعهد يترتب عليه انفاق من مال الخزانة الا بموجب قانون.
3ـ أموال لم تدخل في حساب الخزينة العامة بل أودعت في حسابات خاصة لدى مصرف لبنان أو حوّلت مباشرة الى مجلس الانماء والاعمار أو الهيئة العليا للاغاثة: بلغت نحو 1623,8 مليون دولار ناجمة عن العمليات التالية:
أ ـ أموال حرب تموز: بلغت 821,8 مليون دولار موزعة على الشكل التالي:
ـ هبات: 708,4 مليون دولار. قدمت من الدول التالية:
÷ السعودية: حوالي 534 مليون دولار من اصل اجمالي المساهمة البالغة 570 مليون دولار. تمّ تحويل جميع هذه المبالغ بالكامل الى حسابات خاصة مفتوحة لدى مصرف لبنان وليس الى حساب وزارة المال او الخزينة العامة وحوّلت الى الهيئة العليا للاغاثة وصرفت حسب بيانات حكومة هذه الفترة لاعادة اعمار الابنية والقرى المهدّمة والبنية التحتية المتضررة ودعم قطاع التعليم (84 مليون دولار) ودعم الجيش وقوى الامن (100 مليون دولار) والقيام بمشاريع إنمائية.
÷ الكويت: 62 مليون دولار (15+47). تمّ تحويل الاموال مباشرة للهيئة العليا للاغاثة.
÷ الامارات: 13 مليون دولار مخصصة لتغطية كلفة الكتب المدرسية.
÷ سلطنة عمان: 50 مليون دولار. تمّ تحويل المبلغ بالكامل الى مجلس الانماء والاعمار.
÷ العراق: 35 مليون دولار. تمّ تحويله نقدا لاعادة إعمار القرى المتضررة.
÷ الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية: 10,4 مليون دولار.
÷ البحرين: 2 مليون دولار.
÷ الشيخ ناصر الخرافي: 2 مليون دولار.
ـ قروض: بلغت 104 مليون دولار وقدمت من الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لاعادة تأهيل وإعمار أضرار حرب تموز.
ـ المساعدات النقدية: بلغت حوالي 9,5 مليون دولار وأودعت في حسابي الهيئة العليا للاغاثة ووزارة المال في مصرف لبنان.
ب ـ أموال باريس 3: بلغت 802 مليون دولار وهي على شكل قروض لدعم الموازنة العامة وقدمت من الدول التالية:
÷ فرنسا: 222 مليون دولار. وهو أول جزء من ثلاثة أجزاء قيمتها الاجمالية 650 مليون دولار.
÷ البنك الدولي: 100 مليون دولار. لتنفيذ مشاريع للبنية التحتية مع مجلس الانماء والاعمار.
÷ المجموعة الاوروبية: 34 مليون دولار. اتفاقيات موقعة مع مجلس الانماء والاعمار.
÷ الامارات: 300 مليون دولار (تنفيذ مشاريع إستثمارية وإنمائية).
÷ صندوق النقد الدولي: 114 مليون دولار (77+ 37): EPCA برنامج طوارئ لما بعد الازمات. قرض لدعم البنك المركزي.
÷ صندوق النقد العربي: 32 مليون دولار. لمشاريع بناء وطرقات مع مجلس الاعمار.
إن قيد الاموال من قروض وهبات في حسابات خاصة في مصرف لبنان او تحويلها مباشرة الى المجالس والهيئات والمؤسسات تتضّمن مخالفات قانونية فادحة ولا يمكن التذرع او الاستناد الى القاعدة الذهبية «حسب مشيئة الواهب» إذ تنص المادة 52 من قانون المحاسبة العمومية على ان: «تقبل بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء الاموال التي يقدمها للدولة الاشخاص المعنويون والحقيقيون وتقيـّد في قسم الواردات في الموازنة. وإذا كانت لهذه الاموال وجهة إنفاق معينة فتحت لها بالطريقة نفسها إعتمادات بقيمتها في قسم النفقات».
كما تنص المادة 242 من قانون المحاسبة العمومية على انه يجب إيداع جميع الاموال العمومية في الحساب المفتوح لدى مصرف لبنان باسم الخزينة العامة.
لذلك، فإن عدم إيداع الحكومة الاموال المحصّلة من قروض وهبات في الخزينة العامة والبالغة حوالي 1623,8 مليون دولار، يشكل مخالفة دستورية وقانونية واضحة ويطرح تساؤلات وشكوكا حول صحة الارقام ودقة العمليات المالية ويبعث على القلق حول مصير الاموال وجدوى عمليات الصرف بفعل غياب الوضوح والشفافية والقدرة على التدقيق من قبل الهيئات المختصة.
ان هذه العمليات الملتبسة تتيح للحكومة أن تتصرف بالمساعدات على هواها وفي غير الغاية التي خصصت لها ولغير الجهة التي منحت لها وذلك من خلال مؤسسات تابعة لها دون ان تخضع للرقابة البرلمانية والقضائية (ديوان المحاسبة) ودون المرور بمراقبة عقد النفقات ودون الحاجة الى الحصول على الاجازة القانونية أو إطلاع السلطات التشريعية عليها. كذلك انها تؤدي الى سهولة التبذير والاهدار وتبديد الاموال العامة فضلا عن انها تحول دون المعرفة تفصيليا وحقيقيا لحجم الاموال المقبوضة وطرق إنفاقها.
لقد أحسن رئيس الحكومة الحالية نجيب ميقاتي بإصدار تعميم للادارة المالية العامة بضرورة التقـيّد بالنصوص القانونية في طريقة احتساب القروض والهبات وإدراجها في الحسابات العامة وذلك احتراما للقانون وحفاظا على المال العام وتجنبا للاهدار وخضوعا للرقابة البرلمانية والقضائية وتقيدا بمبدأ الشفافية والوضوح.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018