ارشيف من :أخبار لبنانية

المعادلة المسيحية المستجدة: بطريرك يحكم.. وآخر يعارض!

المعادلة المسيحية المستجدة: بطريرك يحكم.. وآخر يعارض!
الضغوط الأميركية والفرنسية لن تجعل الراعي يتراجع عن خياراته

عماد مرمل ـ صحيفة "السفير"


لم يكن المشهد عادياً او طبيعياً. البطريرك الماروني الحالي بشارة الراعي يتنقل بين بلدات وقرى الجنوب على خط المواجهة مع إسرائيل، موجهاً التحية الى من قاوموا وصمدوا في سبيل لبنان، بينما البطريرك السابق نصرالله صفير يرعى احتفال «القوات اللبنانية» بذكرى شهدائها حيث لقي استقبالاً حاراً ومميزاً، لم يكن صعباً الاستنتاج انه صُمّم على هذا النحو «نكاية» بالراعي.

وأبعد من الشكل، كانت لافتة للانتباه تلك العبارة المختصرة التي أطلقها صفير امام القواتيين وأصدقائهم، متحسراً على هذه «الايام البائسة»، في رسالة لم يجد الكثيرون صعوبة في فك شيفرتها وتحديد وجهتها، فصفق لها الحاضرون في احتفال جونية بحرارة وتلقاها سمير جعجع بسرور كبير لم يستطع أن يخفيه، بعدما أدرك ان «لطشة» صفير هي أبلغ ردّ على خيارات الراعي وانتفاضته غير المتوقعة.

والمفارقة الأخرى، ان البطريرك الماروني الذي دخل الى الجنوب وقبله البقاع مبشراً بالشراكة والمحبة، وجد في حركة «أمل» و«حزب الله».. «رعية جديدة» فتحت له ذراعيها واحتضنته بحفاوة غير مسبوقة، بينما كان جعجع الذي يصنف نفسه «ابن الكنيسة» يخصص جزءاً كبيراً من خطابه الأخير لانتقاد طروحات الراعي وتشريحها في الهواء الطلق.

ماذا يعني هذا التمايز غير المألوف داخل الكنيسة المارونية بين بطريرك حالي وبطريرك سابق.. وهل علاقة بكركي بمسيحيي 14 آذار وعلى رأسهم «القوات اللبنانية» تتجه نحو المزيد من التعقيد بعدما أفضت توضيحات الراعي لمواقفه الباريسية الى تأكيدها، وليس نفيها، كما كان يتمنى الذين يشعرون بالحنين الى «زمن صفير»؟

يؤكد العارفون بأحوال البطريركية المارونية ان الراعي نجح خلال وقت قصير في انتزاع المبادرة ودفن «حقبة» صفير التي اشتهرت بالسمات الآتية:
- انزواء بكركي وتقوقعها على الذات من كفرشيما الى المدفون، «حتى أصبح صفير بطريرك متصرفية جبل لبنان، وكاد يكون فقط بطريرك كسروان، على حساب التواصل مع الرعية في البقاع والجنوب والشمال، خلافاً لما درجت عليه البطريركية المارونية تاريخياً من انفتاح في كل الاتجاهات».

- تخلي بكركي عن دورها العابر للحدود والذي يفترض ان يغطي أنطاكيا وسائر المشرق، مكتفية بحضور محلي ضيق، على الرغم من ان المسيحيين في المحيط العربي كانوا يشكون من ضعف التفاعل معهم وسحب الغطاء عنهم. ويروي أحد الذين كانوا يناقشون صفير في هذه المسألة ان ما عُرض عليه لتطوير العلاقة المسيحية - السورية لا يُصدق، ولكنه أصرّ على تضييع كل الفرص.

- تموضع بكركي في الخيارات الكبرى، على يمين 14 آذار، من دون أي مداراة لخصوصية موقعها، الى حد أنها تولّت صناعة «لقاء قرنة شهوان» وانتدبت مطراناً لهذه الغاية، الأمر الذي حوّلها رأس حربة في المعارك السياسية والانتخابية على الساحة اللبنانية عموماً والمسيحية خصوصاً، في حين درجت العادة أن تكون البطريركية المارونية أكثر توازناً واتزاناً في خطواتها، فتتقاطع مع هذا الاتجاه او ذاك ولكنها لا تنحاز ولا تنزلق نحو اصطفافات حادة... وخير دليل الموقف الشهير لصفير، عشية انتخابات 2009، والذي صرف في الصناديق الانتخابية لمصلحة فريق 14 آذار.

وبرغم ان الراعي نجح سريعاً في تظهير شخصيته المتمايزة وقيادة رعيته وفق رؤية مغايرة لتلك التي سادت في السابق، إلا أن ما يجدر التوقف عنده ان هذه هي واحدة من المرات النادرة التي تجمع فيها «المعادلة الكنسية» بطريرك «يحكم» وآخر «يعارض»، كما اتضح حتى الآن من «ثنائية» الراعي - صفير.

ومع ذلك، يعتبر «العارفون» أن من المبالغة الافتراض ان صفير قد يشكل او يمثل «تياراً» داخل بكركي، لافتين الانتباه الى ان معظم المطارنة يقفون الى جانب الراعي في سلوكه وخياراته، علماً انه يستند أساساً- ومنذ ان كان مطراناً- الى قاعدة قوية في صفوف الرهبان وبالتالي فهو «الرجل الأقوى» في الكنيسة، وما يمكن ان يفعله او يقوله صفير لا يتعدى حدود «العمليات التذكيرية»، بدليل ما تشهده اجتماعات بكركي من تفاعل كنسي كبير مع خطاب الراعي ومواقفه.
أما الضغوط الدولية- وتحديداً الفرنسية والاميركية - التي يتعرض لها الراعي في أعقاب تمسكه بمواقفه الباريسية فلن تستطيع، مهما اشتدت وطأتها، أن تدفعه الى التراجع عن خياراته، كما يؤكد الخبراء في شخصيته، مشددين على ان البطريرك هو من النوع الذي يزداد تشبثاً بقناعاته كلما ارتفع منسوب الضغط عليه، وليس مستبعداً ان يكرر هواجسه ذاتها من أي منبر غربي قد يطل منه لاحقاً، سواء في الولايات المتحدة ام غيرها، وذلك على قاعدة ان المسيحيين في الشرق هم أدرى من الغرب بأمورهم ومصالحهم.

وإذا كان بعض اللبنانيين قد فوجئ بشجاعة الراعي في البوح بأفكار جريئة ومغايرة لخطاب البطريرك الماروني السابق، إلا ان المواكبين لمسيرته يجزمون بأنهم سمعوا منه، عندما كان مطراناً، الكثير مما يشبه طروحاته الراهنة، ولكنه كان لا يفصح عما يفكر فيه سوى في غرف مغلقة وبصوت خافت، التزاماً منه بقيادة البطريرك صفير آنذاك وحرصاً منه على «التضامن الكنسي».

ويشير هؤلاء الى ان ما فاجأهم ليس مضمون أدبيات الراعي التي تنسجم مع تاريخه، وإنما سرعته في التحرك واستعادة المبادرة، ضمن حيز زمني قياسي، بحيث نجح خلال أسابيع في تعويض ما فات بكركي على مدى سنين.. والتخفف من أعباء الإرث الثقيل.

لننتظر ما سيقوله الراعي في زيارته الأميركية، في شهر تشرين المقبل، خاصة اذا استمر التعامل الأميركي بسلبية مع مواقفه ومع مقتضيات الحد الأدنى البروتوكولي...
 
 

2011-09-27