ارشيف من :أخبار لبنانية
هذا ما أبلغه الراعي إلى جعجع؟
طارق ترشيشي ـ صحيفة "الجمهورية"
لم ينقطع بعد حبل التفسيرات والتأويلات للمواقف التي يطلقها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي منذ زيارته الأخيرة لباريس التي عبّر فيها عن مخاوف على مصير المسيحيّين في لبنان وسوريا في حال سقوط النظام السوريّ، وذلك من أجل الوقوف على حقيقة أبعادها والخلفيّات.
واللافت حتى الآن أنّ هذه المواقف البطريركية قوبلت بترحيب لدى الاكثرية بكلّ مكوّناتها السياسية من جهة، وباستغراب أو معارضة لدى فريق 14 آذار بكلّ مكوّناته من جهة ثانية، الى درجة أنّ بعض أطراف هذا الفريق بدأوا يجاهرون بمعارضتهم تلك المواقف، فيما بعض آخر يردّ عليها بتورية من خلال التأكيد أنّ لا خوف على الأقلّيات في حال سقوط النظام السوريّ، من مثل ما قال رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة.
غير أنّ فريقا آخر من السياسيّين يقول إنّ مواقف الراعي تشكّل حدَثا كبيرا في اتّجاهين:
ـ الأول، تعميق المشكلة المسيحيّة ـ المسيحيّة، بحيث إنّ الكنيسة ستشهد مشكلة داخليّة، ويمكن ان تظهر بوادرها في الاجتماع الشهري لمجلس المطارنة الموارنة الأسبوع المقبل.
ـ الثاني، أنّ مواقف الراعي شكّلت "إضافة نوعيّة" لرئيس تكتّل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون وحلفائه في الأكثرية، بحيث إنّ البطريرك بدا من خلالها أقرب الى هذا الفريق من الفريق الآخر.
والواقع أنّ سيّد بكركي لم ينطلق في مواقفه من فراغ وإنّما استند إلى توجيهات فاتيكانيّة، وقيل إنّه أوفد أحد المقرّبين منه في الآونة الأخيرة الى رئيس حزب "القوّات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع ناقلا إليه رسالة شفويّة يشرح فيها الظروف والحيثيات التي املَت عليه اتّخاذ المواقف الاخيرة التي لم يرتَح لها جعجع وقيادات مسيحيّة منتمية الى فريق 14 آذار.
وقد أبلغ الراعي الى جعجع بواسطة هذا الموفد أنّ مواقفه هذه إنّما انطلقت من توجيهات فاتيكانيّة مبنيّة على قراءة أجرتها دولة الفاتيكان للمتغيّرات التي تشهدها المنطقة العربيّة، وخرجت من خلالها باستنتاج مفاده أنّ هذه المتغيّرات ستؤول الى تقسيم جديد للمنطقة لن يكون فيه للمسيحيّين دولة، بخلاف اتّفاقية سايكس ـ بيكو التي كانت أمّنت لهم مثل هذه الدولة، ولذلك لا يمكن المسيحيّين أن يقفوا مكتوفين إزاء ما يجري في سوريا والمنطقة، وإنّ عليهم أن يرفعوا الصوت لكي يحافظوا على وجودهم الى جانب بقيّة الأقلّيات، لأنّ رياح المتغيّرات الجارية قد تأتي على حسابهم، وهذا ما عليهم ان يتداركوه بعدم الانسياق وراءها.
وتفيد المعلومات أنّ جعجع أبلغ الى الموفد البطريركي أنّه يتفهّم توجّهات البطريرك الراعي الجديدة، بل إنّ لديه معطيات مماثلة، ولكنّه لا يستطيع أن يجري استدارة سياسيّة سريعة لأنّ الفريق الآخر لا يمكن أن يقبله بسهولة، وإنّ الأمر يستلزم وقتا لديه حتى يتمكّن من إجراء التموضع السياسيّ الذي ينسجم مع مواقف البطريركية المارونيّة المستجدّة، وأكثر من ذلك، اعترف جعجع للموفد البطريركي بأنّه لا يثق ببعض الضمانات التي يعبّر عنها البعض من حلفاء وغير حلفاء حول مستقبل المسيحيّين في لبنان وسوريا في حال حصول أيّ متغيّرات دراماتيكية في سوريا، وإنّه في النهاية سيتّخذ المواقف والخيارات التي تمليها عليه التوجّهات البطريركية ومصلحة المسيحيّين.
على أنّ هذه المعطيات توافرت لدى أقطاب كبار في فريق الأكثريّة، واستغرب بعضهم توقّعات جعجع بعدم قبوله لدى هذا الفريق في حال التزامه خيارات بكركي التي بدأت تتناغم، وربّما تتوافق مع توجّهات فريق الأكثرية إزاء المتغيّرات العربية عموما والوضع في سوريا خصوصا، وعلّق أحدهم على توقّعات جعجع، مؤكّدا أنّها في غير محلّها، وقال: "إنّنا مستعدّون لقبوله".
وإلى ذلك، يقول قطب أكثريّ، إنّه وبغَضّ النظر عن الآراء القائلة بأنّ وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ"اتّفاق الطائف" أفقدت المسيحيّين دولتهم المشرقيّة، أو لم تفقدهم إيّاها، فإنّ هذا الاتّفاق لم يغيّر في ما أرسته اتّفاقية سايكس – بيكو التي تمّت بين فرنسا وبريطانيا في عشرينات القرن الماضي إثر هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى وخروجها من شبه الجزيرة العربية بعد حكم دام اكثر من أربعمئة عام. إذ أدّى "الطائف" الى قيام حكم المشاركة في لبنان بجعل السلطة التنفيذيّة في مجلس الوزراء المكوّن من كلّ القوى والأطياف السياسية والطائفية والمذهبية، بديلا من حكم كان حصريّا في يد رئيس الجمهورية فقط، حيث كانت السلطة التنفيذيّة مَنوطة به وحده، وهذه الصيغة من الحكم لم تلغِ الوجود المسيحيّ ودوره في لبنان، وما زال المسيحيّون فاعلين في المشاركة في القرار الوطني وفي حكم البلاد الى جانب الآخرين، وذلك على رغم وجود آراء تقول بعكس ذلك. ويرى سياسيّون أنّه تقع على عاتق القيادات المسيحيّة أدوار مهمّة يمكنهم ان يلعبوها بالتعاون مع الآخرين في الأيّام والاسابيع والاشهر المقبلة وفي غير اتّجاه محلّي وإقليمي ودولي من أجل تغيير اتّجاهات الريح، بما يضمن مصير كلّ الاقلّيات في المنطقة.
فالتغيير الذي حصل في العراق لم يحُل دون ما تعرّض له المسيحيّون ولا يزالون من اعتداءات وتهجير. والثورة المصريّة التي لم ترسُ على برّ نهائيّ بعد، لم تثبت حتى الآن أنّها ثورة تحفظ الأقلّية المسيحيّة في مصر، هذه الأقلّية التي عاشت ايّام حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك قلقا كبيرا، خصوصا في سنواته وأيّامه الأخيرة، ما تزال تعيش هذا القلق نتيجة تعرّضها على مستوى الاشخاص والمراكز الدينية لحوادث متعدّدة بعد سقوط مبارك، وهي تبحث في ظلّ الثورة عن الوسيلة التي يمكن أن تشكّل شبكة أمان لها مع النظام الذي ستنتجه هذه الثورة بعد الانتخابات المقرّرة في وقت لاحق من الخريف الجاري.
أمّا المسيحيّون في سوريا فإنّه يؤرقهم ما يتعرّضون له من مضايقات واعتداءات، ومن شعارات طائفيّة ومذهبية وتهديد بالتهجير يردّده المتظاهرون ضدّ النظام، خصوصا في المدن والبلدات السورية المتنوّعة الانتماءات الدينية.
ثمّة من يقول إنّ الوضع المسيحيّ في لبنان والشرق يحتاج الى "سينودوس سياسيّ" يبحث في مصيره، في ضوء المتغيّرات التي تشهدها المنطقة، ويبدو أنّ هناك أفكارا عدّة مطروحة في هذه الاتّجاه خلف الكواليس، وربّما تتبلور عمليّا في وقت ليس ببعيد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018