ارشيف من :خاص
العقيدة الأمنية الإسرائيلية في مهب العلاقة مع مصر وتركيا
علي شهاب
تمر اسرائيل بتحول استراتيجي على صعيد بيئتها الأمنية على خلفية التبدل الحاصل في مصر والأزمة المستجدة مع تركيا. تحولٌ قد يكون معه "انقاذ السلام مع مصر مهمة مستحيلة"، بحسب المدير التنفيذي لمعهد واشنطن روبرت ساتلوف في بحث مطول نشرته "جيروزاليم ريبورت"، في حال لم تسارع الولايات المتحدة والسعودية الى اتخاذ خطوات تحفظ معاهدة "كامب دايفيد". وفي السياق نفسه، يضغط الخلاف مع أنقرة باتجاه تشديد الطوق حول العقيدة الأمنية الاسرائيلية ليلامس للمرة الأولى احتمالات فتح جبهات جديدة لم تكن يوما واردة في حسابات تل أبيب، بحسب الخبير في الشؤون التركية سونر جاغابتاي.
---------------------------
إن "السلام" بين اسرائيل ومصر يُعتبر "الإنجاز الأقدم والأكثر أهمية" من بين جميع الإنجازات الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط، إذ يمثل أحد أعظم الانتصارات الغربية في "الحرب الباردة". كما إنه قد منع الانجراف نحو مواجهة عسكرية عربية ـ إسرائيلية واسعة في جميع أنحاء المنطقة لأكثر من ثلاثين عاماً. إنه الأساس لكل من عقيدة الأمن الإسرائيلي وتحول الدولة اليهودية من بائس اقتصادي إلى قوة اقتصادية عالمية من الدرجة الأولى. كما قد جعل من الممكن اتخاذ كل خطوة مشجعة باتجاه سلام عربي ـ إسرائيلي خلال الجيل الماضي. غير أنه، أي اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، معلق بخيط رفيع.
ولو لم تكن جرأة الهجوم "الإرهابي" الفلسطيني ـ المصري المشترك من غزة إلى إيلات في منتصف آب/أغسطس مخيفة بما فيه الكفاية، لكانت قدرتها على الانفجار إلى أزمة مصرية ـ إسرائيلية كاملة مرعبة حقاً.
وفي لحظة كان الخبر العاجل والحقيقي، زحف فريق "فلسطيني ـ مصري" مشترك مكون من إرهابيين جهاديين لمسافة 200 كم عبر سيناء، ثم عبر الحدود لشن العديد من الهجمات ضد أهداف مدنية، وعودته إلى الأراضي المصرية وهربه إلى الصحراء البرية المذكورة في الكتاب المقدس، وبدلاً من ذلك مُلئت موجات الراديو بالإدانات العربية للغدر الإسرائيلي بسبب التهور من محاولة الإسرائيليين تتبع أو قتل أو أسر الإرهابيين.
ونزلت الحشود إلى الشوارع تندد بـ "اتفاقيات كامب ديفيد"، وتناوبَ السياسيون الأدوار لإلهاب الهياج الشعبي بالدعوة إلى سحب السفير المصري وطرد نظيره الإسرائيلي بل وتعليق معاهدة السلام نفسها.
لكن العقول الأهدأ هي التي سادت في نهاية المطاف. فقد لانت بفضل شبه الاعتذار الذي قدمه وزير الدفاع الإسرائيلي وقيام مسؤول دفاع إسرائيلي رفيع المستوى بزيارة سرية إلى مصر، ولذلك قرر وزير الدفاع ورئيس الدولة الفعلي المشير محمد حسين طنطاوي تهدئة الموقف في النهاية.
أما وزير الخارجية المصري في الفترة الانتقالية فقد ذكَّر مواطنيه على نحو مفيد بأن مصالح مصر الوطنية إنما تكون في أفضل وضع لها بوجود سفير في تل أبيب، كما إن قيادة "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، العصبة الحاكمة للبلاد منذ الإطاحة بحسني مبارك، فقد أطلقت عملية لضبط قدر من السيطرة في سيناء التي ينعدم فيها القانون إلى حد كبير.
وربما أن ما يعكس المزاج العسكري هو أن الدعوة للقيام بـ "المسيرة المليونية" ضد إسرائيل قد جذبت فقط بضع مئات من المحتجين.
ومع ذلك، كان الضرر قد حدث بالفعل؛ أو كي نكون دقيقين فإن ما تلا الهجوم على سيناء قد أكد كيف أن ظاهرة الكراهية تجاه إسرائيل متأصلة بشدة في الثقافة السياسية المصرية. واليوم ليست هناك شخصية سياسية كبيرة باقية في المشهد الوطني المصري على استعداد للدفاع عن السلام مع إسرائيل. ولا يشكل ذلك مفاجأة بين الإسلاميين، الذين خفّت حدة كراهيتهم السامة للسامية في الآونة الأخيرة كتكتيك لكسب مدح انتشائي من وسائل الإعلام الدولية ومن الناشطين في مجال الديمقراطية العالمية.
لكن هذا هو الحال حتى بين من يزعمون أنهم ليبراليون. فكل من أيمن نور؛ زعيم "حزب الغد" الذي يدين بتحريره من سجن مبارك إلى إلحاح كبار السياسيين والناشطين الأمريكيين (وكثير منهم يهود) وعمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية الذي كسب سمعة بين الدبلوماسيين كعقلية براغماتية مُهندِسة للاتفاقيات عندما كان وزيراً للخارجية، قد صرح أن عهد "كامب ديفيد" قد انتهى. وربما كان الإثنان الأفضل بين كثيرين.
ولكي نكون دقيقين، ففي حين أن المصريين لم يبدوا أي حماسة للسلام مع إسرائيل إلا أنهم لم يُظهروا أيضاً أية رغبة في الحرب. فليس ثمة ميليشيات تتشكل لتحرير فلسطين. ونفس «الإخوان المسلمين» الذين أرسلوا نشطاء للمساعدة على منع النكبة أثناء "حرب استقلال إسرائيل" منذ 63 عاماً معنيون اليوم وبصورة أكثر بكثير بإحداث التوازن بين ثلاثة أهداف داخلية متصارعة وهي تحقيق النجاح في الانتخابات، وتحاشي محاصرتهم من قبل السلفيين الأكثر تشدداً، وإدارة شراكتهم المتقطعة مع القيادة العسكرية للبلاد.
وكما يقول المثل، يلتزم المصريون بالقضية الفلسطينية ولكن ليس فقط من أجل الشعب الفلسطيني. والنتيجة هي أن الكثيرين يؤمنون بأن بوسعهم العيش في حالة وسطية بلا حرب ولا سلام.
وبعد سنوات من تخفيض العلاقات مع إسرائيل إلى أدنى مستوياتها، ليس من الصعب رؤية الكيفية التي يمكن بموجبها للعديد من المصريين الوصول إلى هذا الاستنتاج. فعشية انتفاضة "ميدان التحرير" كانت العلاقة بين هذين الجارين مقصورة على بيع الغاز وتشغيل مناطق اقتصادية قليلة التأثير وتعاون أمني محدود لتقييد أنشطة الجهاديين المتطرفين (خاصة أولئك الذين يستهدفون مصر) وإدارة علاقة ثلاثية سياسية غير مستقرة مع الولايات المتحدة.
فالقادة الإسرائيليون الذين يزورون القاهرة كانوا يتجهون مباشرة إلى القصر الرئاسي لتناول الشاي مع مبارك والحديث مع رئيس استخباراته وربما وزير دفاعه ثم يعودون إلى بلادهم وهم قانعون بأنهم قد اطلعوا على الموقف المصري. ولسنوات كان ذلك كافياً إلى أن أصبح غير كاف. وفي غياب الاستثمار السياسي الشعبي؛ وهو ما لم يرغب القادة المصريون قط العمل من أجله كما لم يعتبره قادة إسرائيل ضرورياً أبدا، فإن أياً من هذه العوامل ليس قوياً بما فيه الكفاية، فردياً أو جماعياً، للحفاظ على علاقة طويلة الأمد. وفي الحقيقة فإن القليل من هذا هو المرجح نجاته من الحماسة الثورية في مصر.
لا يزال هناك فارق ضخم بين مصر التي تعيش في سلام مع إسرائيل، وتكون مقيدة بسلسلة من الالتزامات التعاقدية، ومحافظة على الأقل على هيكل العلاقة الأمنية والاستخباراتية، والراغبة في الحصول على تقدم دبلوماسي على الصعيد الإسرائيلي ـ الفلسطيني، فقط لإثبات الصحة القانونية لتحركها الأصلي المنفرد غير القائم على أي مساعدة ، وبين مصر غير المقيدة بأية علاقة رسمية بإسرائيل وتتمايل على هذا النحو، نحو هذه الجهة أو تلك حسب توجهات المزاج الشعبي وتنزلق (ربما إلى الوراء) لا محالة من السلام إلى حالة عدم العداء أو حتى إلى ما هو أسوأ من ذلك.
لننسَ المناورة الفلسطينية في الأمم المتحدة. ودعونا لا نقلق من إطلاق صواريخ "غراد" من قبل «حماس»، وكذلك لا نخشى تهديدات الرئيس السوري الأسد أو الأمين العام لـ«حزب الله» نصر الله أو زعيم تنظيم «القاعدة» الظواهري. فبالمقارنة مع الزوال المحتمل للسلام بين مصر وإسرائيل، والازدهار الهائل للمتطرفين من مختلف المشارب والكارثة الاستراتيجية التي ترقى تقريباً إلى مستوى اكتساب ملالي إيران لأسلحة نووية، تكون تلك مجرد أشياء مزعجة.
وفي النهاية فإن الحفاظ على السلام بين مصر وإسرائيل على الأقل لمنع الانزلاق البطيء (وربما ليس بطيئاً جداً) إلى حالة الحرب سيكون عملاً تعاونياً. فكل من لديه مصلحة في الحفاظ على السلام لديه دور يلعبه في هذا المجال.
وبالنسبة للجيش المصري فهذا يعني مواصلة "عملية النسر" لاستعادة السيطرة على شبه جزيرة سيناء على أكمل وجه، وإرسال التتمة الكلية لـ 2000 من الجنود المسموح لهم بالدخول إلى شبه الجزيرة (وليس فقط 750) ورفض فكرة هدنة ضعيفة مع التحالف "البدوي ـ الإسلامي" الذي يمتلك الكثير من تلك المساحة الفارغة. وعلى الصعيد السياسي فإن ذلك سيشهد أيضاً لعب الجيش المصري دور الجيش التركي قبل فترة أردوغان فيما يخص منع الخطاب السياسي الثوري الهائج في مصر من اختراق ميادين تسبب خطراً على الأمن القومي.
وبالنسبة لإسرائيل فإن هذا سيتطلب عملاً شاقاً من الحنكة وضبط النفس والإبداع الدبلوماسي. فعلى سبيل المثال، في حين أن لإسرائيل أسباباً مشروعة تجعلها لا تعتذر لأنقرة على موقفها الفظيع في حادثة أسطول " مافي مرمرة"، لم تكن تصرفات الحكومة المصرية في هجوم سيناء مشابهة لتصرفات تركيا في البحر؛ لذا فإن الأنسب والأجدى إن كان قد صدر بيان أكثر سخاءً حول القتل المؤسف لأفراد من قوات الأمن المصرية.
ينبغي على دول عربية أخرى أن تلعب دوراً أيضاً. فالسعودية ربما لا تكون مُحبة للصهاينة لكن ليس لدى السعوديين مصلحة في أن تكون هناك علاقة عدائية بين مصر وإسرائيل تصرف الانتباه عن سعي إيران لتحقيق نفوذ إقليمي. ومن هنا تستطيع الرياض المساعدة بوقف تدفق الأموال إلى السلفيين والمتطرفين الآخرين حيث لديها القدرة على تشويه السياسات وإبراز التصور المتطرف.
وفي النهاية، لن ينجح هذا الجهد من دون مشاركة واشنطن. فلن يكون التاريخ رحيماً بالرئيس الأمريكي باراك أوباما لو قرر أن بوسعه المتاجرة بنجاح صغير في ليبيا عوضاً عن كارثة استراتيجية في مصر. فنفوذ أمريكا في الشرق الأوسط يعتمد على علاقاتها مع إسرائيل ومصر والسعودية. فالعلاقات مع إسرائيل والسعودية مرتبطة بركائز أخرى (فمع الأولى هي تاريخية وشعبية وثقافية واستراتيجية ومع الثانية هي روابط النفط).
أما مع مصر فالرابط هو "كامب ديفيد". ولو تضررت هذه الصلة فإن مكانة أمريكا في المنطقة ستتعرض هي الأخرى للضرر. وسيتطلب ذلك انخراطاً أمريكياً عالي المستوى سواء قبل موسم الانتخابات في مصر أو بعده، وذلك لتذكير المصريين بما هو على المحك في اختيارهم للزعماء السياسيين ولتذكير أولئك القادة أن خياراتهم لها عواقب.
وفي النهاية، فإن عقدين من التَرْك والإهمال ربما قد جعلا إنقاذ السلام بين مصر وإسرائيل في فترة ما بعد مبارك مهمة مستحيلة، لكن المجازفات عالية جداً من عدم المحاولة.
بدوره، يبحث الخبير في الشؤون التركية في واشنطن سونر جاغابتاي في احتمال "انزلاق تركيا واسرائيل الى الحرب" في مقال نشره "سي ان ان غلوبال بابليك سكوير"؛ المنتدى السياسي الحديث لشبكة "سي ان ان"، اعتبر فيه أن "الربيع العربي" والتدهور المثير الأخير في العلاقات التركية ـ الإسرائيلية يشكلان بيئة فريدة تهدد أمن إسرائيل. فمنذ عام 1949، كانت إسرائيل تنعم دوماً بصداقة تركيا، إحدى أكبر قوتين من بين دول المشرق. لكن الأمر لم يعد كذلك، فالواقع أن هناك صراعا يلوح في الأفق بين تركيا وإسرائيل.
ففي أعقاب حادث أسطول غزة في عام 2010، حاولت أنقرة تخويف إسرائيل من خلال التصريح بأن سفنها الحربية سوف ترافق البعثات إلى غزة. والآن تقف تركيا وإسرائيل على طرفي نقيض بخصوص السياسات في منطقة دول المشرق. فالأمر لا يقتصر على أن أنقرة لم تعد صديقاً محل ثقة لإسرائيل، وإنما يتعداه إلى بدء ظهور تركيا بوصفها اللاعب الإقليمي الرئيسي المعارض لإسرائيل.
عندما أصبحت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل في عام 1949، ارتاحت إسرائيل إلى حقيقة حصولها على دعم أحد اللاعبين الأكثر نفوذاً في منطقة الشرق الأوسط. وقد سمحت قوة الجيش التركي بأن يصبح صديقاً لإسرائيل بل ويبقى كذلك رغم المعارضة الإسلامية له.
وبعد "معاهدة كامب ديفيد" في عام 1978، أقامت إسرائيل سلاماً بارداً مع مصر، وقربت إلى جانبها ثاني أكبر قوة في منطقة المشرق. وفي حين كانت مصر في عهد ناصر في ستينيات القرن الماضي تمثل مركز المعارضة لإسرائيل في المنطقة، لم تعد القاهرة تمثل تهديداً لإسرائيل في أعقاب "كامب ديفيد". وقد اختفت هذه البيئة الأمنية كلية.
وكبداية، أصبحت تركيا مثل مصر القديمة في عهد عبد الناصر، حيث وضعت نفسها باعتبارها المركز الإقليمي لمعارضة إسرائيل. وفي غضون ذلك، أصبحت مصر كتركيا القديمة. إن نتيجة الانتخابات المصرية القادمة بعيدة من أن تكون مؤكدة. بيد، من المرجح جداً أن تظهر جماعة «الإخوان المسلمين» كقوة يُحسب لها حساب في الانتخابات المصرية هذا الخريف. وحتى إذا وقف الجيش المصري إلى جانب الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل، فسوف تضغط جماعة «الإخوان المسلمين» من أجل الحد من تلك الروابط. وبناءً على ذلك، سوف يزداد برود وضعف العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية يوماً بعد يوم.
ولأول مرة تتحد الدولتان الرئيسيتان في شرق البحر المتوسط ضد إسرائيل. وهذا هو التحول الأكثر أهمية في سياسات منطقة المشرق منذ "اتفاقية كامب ديفيد" أو حتى منذ عام 1949 عندما اعترفت تركيا بدولة إسرائيل. إن التوازن الجديد يشكل تهديداً خطيراً على إسرائيل، التي يتعين عليها الآن دراسة زيادة العداء من جانب تركيا؛ جنباً إلى جنب مع زيادة الفتور والعداء من جانب مصر أكثر من أي وقت مضى، عند تقويم بيئتها الأمنية.
ومع ذلك، فإن التوازن الجديد يحمل في طياته مخاطر لتركيا كذلك. فإعلان أنقرة في 8 أيلول/سبتمبر بأن سفنها الحربية سوف ترافق الأساطيل الصغيرة الجديدة المتجهة إلى غزة ينطوي على احتمالات نشوب صراع مسلح بين تركيا وإسرائيل. فماذا لو قرر الإسرائيليون إيقاف السفن التالية التي ترافقها البحرية التركية مثلما أوقفوا الأسطول الصغير الذي كان مدعوماً من تركيا في عام 2010؟ هل ستختار السفن البحرية التركية الرد على ذلك؟ ورغم أن هذا السيناريو يبدو مروعاً، إلا أنه غير مستبعد. وإذا عجزت الدولتان عن إبطاء الوضع المتصاعد حالياً، فقد تجدان نفسيهما داخل صراع حقيقي.
كما إن شبح الصراع يخيم كذلك على عمليات التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط. إذ تعترض تركيا على رغبة إسرائيل في التنقيب في منطقتها الاقتصادية الحصرية في البحر المتوسط، ويرجع ذلك بصفة رئيسية إلى أملها في إعاقة القبارصة اليونان من الاستمتاع بسابقة الحصول على منطقة اقتصادية حصرية يستطيعون فيها التنقيب عن الغاز بما يضر القبارصة الأتراك. وقد يعمل التصعيد الأخير بين تركيا وإسرائيل على صب الزيت على النار السياسية المتعلقة بالتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط.
وربما تمارس أنقرة فقط حيلاً لحمل إسرائيل على الركوع على ركبتيها، وربما سيفضل الإسرائيليون السماح للسفن التي ترافقها البحرية التركية بالإبحار إلى غزة بدلاً من المخاطرة باندلاع حرب إقليمية. لكن هناك شيء واحد واضح: أن "الربيع العربي" و"الشتاء التركي ـ الإسرائيلي" يشعلان البحر الأبيض المتوسط.
---------------------------
إن "السلام" بين اسرائيل ومصر يُعتبر "الإنجاز الأقدم والأكثر أهمية" من بين جميع الإنجازات الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط، إذ يمثل أحد أعظم الانتصارات الغربية في "الحرب الباردة". كما إنه قد منع الانجراف نحو مواجهة عسكرية عربية ـ إسرائيلية واسعة في جميع أنحاء المنطقة لأكثر من ثلاثين عاماً. إنه الأساس لكل من عقيدة الأمن الإسرائيلي وتحول الدولة اليهودية من بائس اقتصادي إلى قوة اقتصادية عالمية من الدرجة الأولى. كما قد جعل من الممكن اتخاذ كل خطوة مشجعة باتجاه سلام عربي ـ إسرائيلي خلال الجيل الماضي. غير أنه، أي اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، معلق بخيط رفيع.
ولو لم تكن جرأة الهجوم "الإرهابي" الفلسطيني ـ المصري المشترك من غزة إلى إيلات في منتصف آب/أغسطس مخيفة بما فيه الكفاية، لكانت قدرتها على الانفجار إلى أزمة مصرية ـ إسرائيلية كاملة مرعبة حقاً.
وفي لحظة كان الخبر العاجل والحقيقي، زحف فريق "فلسطيني ـ مصري" مشترك مكون من إرهابيين جهاديين لمسافة 200 كم عبر سيناء، ثم عبر الحدود لشن العديد من الهجمات ضد أهداف مدنية، وعودته إلى الأراضي المصرية وهربه إلى الصحراء البرية المذكورة في الكتاب المقدس، وبدلاً من ذلك مُلئت موجات الراديو بالإدانات العربية للغدر الإسرائيلي بسبب التهور من محاولة الإسرائيليين تتبع أو قتل أو أسر الإرهابيين.
ونزلت الحشود إلى الشوارع تندد بـ "اتفاقيات كامب ديفيد"، وتناوبَ السياسيون الأدوار لإلهاب الهياج الشعبي بالدعوة إلى سحب السفير المصري وطرد نظيره الإسرائيلي بل وتعليق معاهدة السلام نفسها.
لكن العقول الأهدأ هي التي سادت في نهاية المطاف. فقد لانت بفضل شبه الاعتذار الذي قدمه وزير الدفاع الإسرائيلي وقيام مسؤول دفاع إسرائيلي رفيع المستوى بزيارة سرية إلى مصر، ولذلك قرر وزير الدفاع ورئيس الدولة الفعلي المشير محمد حسين طنطاوي تهدئة الموقف في النهاية.
أما وزير الخارجية المصري في الفترة الانتقالية فقد ذكَّر مواطنيه على نحو مفيد بأن مصالح مصر الوطنية إنما تكون في أفضل وضع لها بوجود سفير في تل أبيب، كما إن قيادة "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، العصبة الحاكمة للبلاد منذ الإطاحة بحسني مبارك، فقد أطلقت عملية لضبط قدر من السيطرة في سيناء التي ينعدم فيها القانون إلى حد كبير.
وربما أن ما يعكس المزاج العسكري هو أن الدعوة للقيام بـ "المسيرة المليونية" ضد إسرائيل قد جذبت فقط بضع مئات من المحتجين.
ومع ذلك، كان الضرر قد حدث بالفعل؛ أو كي نكون دقيقين فإن ما تلا الهجوم على سيناء قد أكد كيف أن ظاهرة الكراهية تجاه إسرائيل متأصلة بشدة في الثقافة السياسية المصرية. واليوم ليست هناك شخصية سياسية كبيرة باقية في المشهد الوطني المصري على استعداد للدفاع عن السلام مع إسرائيل. ولا يشكل ذلك مفاجأة بين الإسلاميين، الذين خفّت حدة كراهيتهم السامة للسامية في الآونة الأخيرة كتكتيك لكسب مدح انتشائي من وسائل الإعلام الدولية ومن الناشطين في مجال الديمقراطية العالمية.
لكن هذا هو الحال حتى بين من يزعمون أنهم ليبراليون. فكل من أيمن نور؛ زعيم "حزب الغد" الذي يدين بتحريره من سجن مبارك إلى إلحاح كبار السياسيين والناشطين الأمريكيين (وكثير منهم يهود) وعمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية الذي كسب سمعة بين الدبلوماسيين كعقلية براغماتية مُهندِسة للاتفاقيات عندما كان وزيراً للخارجية، قد صرح أن عهد "كامب ديفيد" قد انتهى. وربما كان الإثنان الأفضل بين كثيرين.
ولكي نكون دقيقين، ففي حين أن المصريين لم يبدوا أي حماسة للسلام مع إسرائيل إلا أنهم لم يُظهروا أيضاً أية رغبة في الحرب. فليس ثمة ميليشيات تتشكل لتحرير فلسطين. ونفس «الإخوان المسلمين» الذين أرسلوا نشطاء للمساعدة على منع النكبة أثناء "حرب استقلال إسرائيل" منذ 63 عاماً معنيون اليوم وبصورة أكثر بكثير بإحداث التوازن بين ثلاثة أهداف داخلية متصارعة وهي تحقيق النجاح في الانتخابات، وتحاشي محاصرتهم من قبل السلفيين الأكثر تشدداً، وإدارة شراكتهم المتقطعة مع القيادة العسكرية للبلاد.
وكما يقول المثل، يلتزم المصريون بالقضية الفلسطينية ولكن ليس فقط من أجل الشعب الفلسطيني. والنتيجة هي أن الكثيرين يؤمنون بأن بوسعهم العيش في حالة وسطية بلا حرب ولا سلام.
وبعد سنوات من تخفيض العلاقات مع إسرائيل إلى أدنى مستوياتها، ليس من الصعب رؤية الكيفية التي يمكن بموجبها للعديد من المصريين الوصول إلى هذا الاستنتاج. فعشية انتفاضة "ميدان التحرير" كانت العلاقة بين هذين الجارين مقصورة على بيع الغاز وتشغيل مناطق اقتصادية قليلة التأثير وتعاون أمني محدود لتقييد أنشطة الجهاديين المتطرفين (خاصة أولئك الذين يستهدفون مصر) وإدارة علاقة ثلاثية سياسية غير مستقرة مع الولايات المتحدة.
فالقادة الإسرائيليون الذين يزورون القاهرة كانوا يتجهون مباشرة إلى القصر الرئاسي لتناول الشاي مع مبارك والحديث مع رئيس استخباراته وربما وزير دفاعه ثم يعودون إلى بلادهم وهم قانعون بأنهم قد اطلعوا على الموقف المصري. ولسنوات كان ذلك كافياً إلى أن أصبح غير كاف. وفي غياب الاستثمار السياسي الشعبي؛ وهو ما لم يرغب القادة المصريون قط العمل من أجله كما لم يعتبره قادة إسرائيل ضرورياً أبدا، فإن أياً من هذه العوامل ليس قوياً بما فيه الكفاية، فردياً أو جماعياً، للحفاظ على علاقة طويلة الأمد. وفي الحقيقة فإن القليل من هذا هو المرجح نجاته من الحماسة الثورية في مصر.
لا يزال هناك فارق ضخم بين مصر التي تعيش في سلام مع إسرائيل، وتكون مقيدة بسلسلة من الالتزامات التعاقدية، ومحافظة على الأقل على هيكل العلاقة الأمنية والاستخباراتية، والراغبة في الحصول على تقدم دبلوماسي على الصعيد الإسرائيلي ـ الفلسطيني، فقط لإثبات الصحة القانونية لتحركها الأصلي المنفرد غير القائم على أي مساعدة ، وبين مصر غير المقيدة بأية علاقة رسمية بإسرائيل وتتمايل على هذا النحو، نحو هذه الجهة أو تلك حسب توجهات المزاج الشعبي وتنزلق (ربما إلى الوراء) لا محالة من السلام إلى حالة عدم العداء أو حتى إلى ما هو أسوأ من ذلك.
لننسَ المناورة الفلسطينية في الأمم المتحدة. ودعونا لا نقلق من إطلاق صواريخ "غراد" من قبل «حماس»، وكذلك لا نخشى تهديدات الرئيس السوري الأسد أو الأمين العام لـ«حزب الله» نصر الله أو زعيم تنظيم «القاعدة» الظواهري. فبالمقارنة مع الزوال المحتمل للسلام بين مصر وإسرائيل، والازدهار الهائل للمتطرفين من مختلف المشارب والكارثة الاستراتيجية التي ترقى تقريباً إلى مستوى اكتساب ملالي إيران لأسلحة نووية، تكون تلك مجرد أشياء مزعجة.
وفي النهاية فإن الحفاظ على السلام بين مصر وإسرائيل على الأقل لمنع الانزلاق البطيء (وربما ليس بطيئاً جداً) إلى حالة الحرب سيكون عملاً تعاونياً. فكل من لديه مصلحة في الحفاظ على السلام لديه دور يلعبه في هذا المجال.
وبالنسبة للجيش المصري فهذا يعني مواصلة "عملية النسر" لاستعادة السيطرة على شبه جزيرة سيناء على أكمل وجه، وإرسال التتمة الكلية لـ 2000 من الجنود المسموح لهم بالدخول إلى شبه الجزيرة (وليس فقط 750) ورفض فكرة هدنة ضعيفة مع التحالف "البدوي ـ الإسلامي" الذي يمتلك الكثير من تلك المساحة الفارغة. وعلى الصعيد السياسي فإن ذلك سيشهد أيضاً لعب الجيش المصري دور الجيش التركي قبل فترة أردوغان فيما يخص منع الخطاب السياسي الثوري الهائج في مصر من اختراق ميادين تسبب خطراً على الأمن القومي.
وبالنسبة لإسرائيل فإن هذا سيتطلب عملاً شاقاً من الحنكة وضبط النفس والإبداع الدبلوماسي. فعلى سبيل المثال، في حين أن لإسرائيل أسباباً مشروعة تجعلها لا تعتذر لأنقرة على موقفها الفظيع في حادثة أسطول " مافي مرمرة"، لم تكن تصرفات الحكومة المصرية في هجوم سيناء مشابهة لتصرفات تركيا في البحر؛ لذا فإن الأنسب والأجدى إن كان قد صدر بيان أكثر سخاءً حول القتل المؤسف لأفراد من قوات الأمن المصرية.
ينبغي على دول عربية أخرى أن تلعب دوراً أيضاً. فالسعودية ربما لا تكون مُحبة للصهاينة لكن ليس لدى السعوديين مصلحة في أن تكون هناك علاقة عدائية بين مصر وإسرائيل تصرف الانتباه عن سعي إيران لتحقيق نفوذ إقليمي. ومن هنا تستطيع الرياض المساعدة بوقف تدفق الأموال إلى السلفيين والمتطرفين الآخرين حيث لديها القدرة على تشويه السياسات وإبراز التصور المتطرف.
وفي النهاية، لن ينجح هذا الجهد من دون مشاركة واشنطن. فلن يكون التاريخ رحيماً بالرئيس الأمريكي باراك أوباما لو قرر أن بوسعه المتاجرة بنجاح صغير في ليبيا عوضاً عن كارثة استراتيجية في مصر. فنفوذ أمريكا في الشرق الأوسط يعتمد على علاقاتها مع إسرائيل ومصر والسعودية. فالعلاقات مع إسرائيل والسعودية مرتبطة بركائز أخرى (فمع الأولى هي تاريخية وشعبية وثقافية واستراتيجية ومع الثانية هي روابط النفط).
أما مع مصر فالرابط هو "كامب ديفيد". ولو تضررت هذه الصلة فإن مكانة أمريكا في المنطقة ستتعرض هي الأخرى للضرر. وسيتطلب ذلك انخراطاً أمريكياً عالي المستوى سواء قبل موسم الانتخابات في مصر أو بعده، وذلك لتذكير المصريين بما هو على المحك في اختيارهم للزعماء السياسيين ولتذكير أولئك القادة أن خياراتهم لها عواقب.
وفي النهاية، فإن عقدين من التَرْك والإهمال ربما قد جعلا إنقاذ السلام بين مصر وإسرائيل في فترة ما بعد مبارك مهمة مستحيلة، لكن المجازفات عالية جداً من عدم المحاولة.
بدوره، يبحث الخبير في الشؤون التركية في واشنطن سونر جاغابتاي في احتمال "انزلاق تركيا واسرائيل الى الحرب" في مقال نشره "سي ان ان غلوبال بابليك سكوير"؛ المنتدى السياسي الحديث لشبكة "سي ان ان"، اعتبر فيه أن "الربيع العربي" والتدهور المثير الأخير في العلاقات التركية ـ الإسرائيلية يشكلان بيئة فريدة تهدد أمن إسرائيل. فمنذ عام 1949، كانت إسرائيل تنعم دوماً بصداقة تركيا، إحدى أكبر قوتين من بين دول المشرق. لكن الأمر لم يعد كذلك، فالواقع أن هناك صراعا يلوح في الأفق بين تركيا وإسرائيل.
ففي أعقاب حادث أسطول غزة في عام 2010، حاولت أنقرة تخويف إسرائيل من خلال التصريح بأن سفنها الحربية سوف ترافق البعثات إلى غزة. والآن تقف تركيا وإسرائيل على طرفي نقيض بخصوص السياسات في منطقة دول المشرق. فالأمر لا يقتصر على أن أنقرة لم تعد صديقاً محل ثقة لإسرائيل، وإنما يتعداه إلى بدء ظهور تركيا بوصفها اللاعب الإقليمي الرئيسي المعارض لإسرائيل.
عندما أصبحت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل في عام 1949، ارتاحت إسرائيل إلى حقيقة حصولها على دعم أحد اللاعبين الأكثر نفوذاً في منطقة الشرق الأوسط. وقد سمحت قوة الجيش التركي بأن يصبح صديقاً لإسرائيل بل ويبقى كذلك رغم المعارضة الإسلامية له.
وبعد "معاهدة كامب ديفيد" في عام 1978، أقامت إسرائيل سلاماً بارداً مع مصر، وقربت إلى جانبها ثاني أكبر قوة في منطقة المشرق. وفي حين كانت مصر في عهد ناصر في ستينيات القرن الماضي تمثل مركز المعارضة لإسرائيل في المنطقة، لم تعد القاهرة تمثل تهديداً لإسرائيل في أعقاب "كامب ديفيد". وقد اختفت هذه البيئة الأمنية كلية.
وكبداية، أصبحت تركيا مثل مصر القديمة في عهد عبد الناصر، حيث وضعت نفسها باعتبارها المركز الإقليمي لمعارضة إسرائيل. وفي غضون ذلك، أصبحت مصر كتركيا القديمة. إن نتيجة الانتخابات المصرية القادمة بعيدة من أن تكون مؤكدة. بيد، من المرجح جداً أن تظهر جماعة «الإخوان المسلمين» كقوة يُحسب لها حساب في الانتخابات المصرية هذا الخريف. وحتى إذا وقف الجيش المصري إلى جانب الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل، فسوف تضغط جماعة «الإخوان المسلمين» من أجل الحد من تلك الروابط. وبناءً على ذلك، سوف يزداد برود وضعف العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية يوماً بعد يوم.
ولأول مرة تتحد الدولتان الرئيسيتان في شرق البحر المتوسط ضد إسرائيل. وهذا هو التحول الأكثر أهمية في سياسات منطقة المشرق منذ "اتفاقية كامب ديفيد" أو حتى منذ عام 1949 عندما اعترفت تركيا بدولة إسرائيل. إن التوازن الجديد يشكل تهديداً خطيراً على إسرائيل، التي يتعين عليها الآن دراسة زيادة العداء من جانب تركيا؛ جنباً إلى جنب مع زيادة الفتور والعداء من جانب مصر أكثر من أي وقت مضى، عند تقويم بيئتها الأمنية.
ومع ذلك، فإن التوازن الجديد يحمل في طياته مخاطر لتركيا كذلك. فإعلان أنقرة في 8 أيلول/سبتمبر بأن سفنها الحربية سوف ترافق الأساطيل الصغيرة الجديدة المتجهة إلى غزة ينطوي على احتمالات نشوب صراع مسلح بين تركيا وإسرائيل. فماذا لو قرر الإسرائيليون إيقاف السفن التالية التي ترافقها البحرية التركية مثلما أوقفوا الأسطول الصغير الذي كان مدعوماً من تركيا في عام 2010؟ هل ستختار السفن البحرية التركية الرد على ذلك؟ ورغم أن هذا السيناريو يبدو مروعاً، إلا أنه غير مستبعد. وإذا عجزت الدولتان عن إبطاء الوضع المتصاعد حالياً، فقد تجدان نفسيهما داخل صراع حقيقي.
كما إن شبح الصراع يخيم كذلك على عمليات التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط. إذ تعترض تركيا على رغبة إسرائيل في التنقيب في منطقتها الاقتصادية الحصرية في البحر المتوسط، ويرجع ذلك بصفة رئيسية إلى أملها في إعاقة القبارصة اليونان من الاستمتاع بسابقة الحصول على منطقة اقتصادية حصرية يستطيعون فيها التنقيب عن الغاز بما يضر القبارصة الأتراك. وقد يعمل التصعيد الأخير بين تركيا وإسرائيل على صب الزيت على النار السياسية المتعلقة بالتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط.
وربما تمارس أنقرة فقط حيلاً لحمل إسرائيل على الركوع على ركبتيها، وربما سيفضل الإسرائيليون السماح للسفن التي ترافقها البحرية التركية بالإبحار إلى غزة بدلاً من المخاطرة باندلاع حرب إقليمية. لكن هناك شيء واحد واضح: أن "الربيع العربي" و"الشتاء التركي ـ الإسرائيلي" يشعلان البحر الأبيض المتوسط.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018