ارشيف من :ترجمات ودراسات

السلام حلّ دائم مؤقّت، أم حل مؤقّت محدّد؟

السلام حلّ دائم مؤقّت، أم حل مؤقّت محدّد؟
المصدر: "موقع NFC ـ كوربي ليرز"
"الولايات المتحدة هي دولة عظمى جبّارة. نحن (دولة) ضعيفة. يمكن إبادتنا، لكن لا يمكن جرّنا إلى الإنتحار بمحض إرادتنا". هذا ما قاله ديفيد بن غوريون 29 أيار 1949، في ردّه على محاولة أمريكية للضغط على إسرائيل للموافقة على تنازلات.
كما برهنت في مقال سابق، "حل الدولتين" قبل أي شيء لم يكن حلاً صائباً لأيّ أمر، إلا إذا وافقنا أن نرى به مدخلاً لتصفية دولة إسرائيل. إنّ امتناع أبو مازن عن الإعتراف بدولة من الدولتين في هذا "الحلّ" حوّله عمليّاً إلى مهزلة. كذلك فإنّ الرفض المستمرّ للعودة إلى طاولة المفاوضات، وسياسة أبو مازن (المعروف في الغرب بمحمود عباس) أحادية الجانب، جعلا "حلّ الدولتين" غير قابل للتطبيق.
بذل أربع رؤساء حكومات إسرائيلية جهوداً حقيقية للتوصل إلى تسوية دولتين لشعبين، دون جدوى. جاء الوقت لنتوصل إلى قرار مع بقية المؤيدين حول هذه التسوية. من يطلب منا رغم هذه الإخفاقات أن نسمح لدولة عربية أخرى القيام على حسابنا، دون أن يؤدّي الأمر إلى السلام، كهبة أحادية الجانب للطرف الثاني، التي ستساعده بالاستمرار بخطة المراحل للقضاء على إسرائيل، ليتوجّه إلى الاقتباس الذي على رأس مقالتي.
كما رأينا في المقالات السابقة بهذه السلسلة، أن العملية أحادية الجانب التي بدأها ممثلو السلطة، هي غير مفيدة لأبناء شعبهم، وبالإضافة إلى ذلك أدركنا أنها توشك على خلق وضع لا مخرج له. مؤخّراً، رفضت سلطة أبو مازن أن تشجب مطلقاً العملية الإرهابية التي جاءت من سيناء وأصابت منطقة إيلات. من الصعب أن نندهش من ذلك مع الأخذ بالحسبان أن حماس المسؤولة عن العمليات الإرهابية موجودة على الأقلّ بصورة شكلية في التحالف مع فتح في رئاسة السلطة. حماس كما هو معروف، لا تخفِ أيديولوجيتها النازية.
ربّما كان أبو مازن مستعدّاً للاعتراف بحق اليهود بدولة، لكنه أعلن أن علينا الإكتفاء فقط بغوش دان، كنّا قادرين على عدم الموافقة، لكن كان هناك من بدأ المفاوضات. إلا إذا كان أبو مازن، غير مستعد لإعطائنا أيضاً غوش دان، فهو لن يكون مستعدّاً للاعتراف عموماً بحقنا بدولة، ولإبقاء الأمن هو يرفض أيضاً بأن اليهود هم شعب. الأمر يظهر بالتأكيد في مسار واحد مع رفض محرقته النازية.
كل ذلك، وإشارات كثيرة أخرى تشهد على انفصال السلطة عن طريق الحلّ بالإتفاق وطرق السلام. انعدام هذا الأمل يبقينا بالوضع الحالي الذي يجب مواصلته وإدارته لمنع التدهور الذي سيصيب الطرفين.
بالإضافة إلى ذلك، فإن وضع "كسر قواعد اللعبة، وليس اللعب"، يفتح أمامنا احتمال إعادة التفكير ملياً بالحل المرغوب، وطريقة الوصول إليه. 
الأفريقي_ الأمريكي الذي أنقذ الوضع
لنتعلّم كيف يمكن التوصّل إلى تعايش سلمي مع العرب، من الجدير أن نتعلّم من تجارب الوسيط رالف بنتش. رالف بنتش هو دبلوماسي أفريقي_ أمريكي، جاء إلى منطقتنا في بعثة الأمم المتحدة كنائب الأمير "فولك برنادوت" الذي كان من المفترض أن يتوصل الى تسوية سياسية في إسرائيل خلال اندلاع حرب الإستقلال. وكان بنتش كما يبدو ذكياً كفاية ليتعلم من أخطاء "برندوت"، الذي لم يكتف بعدم النجاح للتوصل إلى تسوية، على الرغم من إقتراحات مفصّلة جداً اقترحها، وعلى الرغم من المحاولة للزم الأطراف بها، بل نجح أيضاً بالتعالي عن كل الأطراف دون أن يخرج عن القانون، حتى قتل في نهاية الأمر على أيدي (هلخي) منظمة المقاتلون في سبيل حرية إسرائيل.
كانت طريقة عمل "بنتش" مختلفة تماماً. فهو عقد لقاءات مباشرة بين إسرائيل وكل دولة من الدول الأربعة التي تقع على الحدود معها. وجرى كل لقاء مع كل دولة على حدة، سواء من ناحية المكان أو الزمان. هكذا نجح باستغلال الخصومة بين الدول العربية، والسياسات الداخلية لكل دولة من هذه الدول. ستتفاجأون بسماع أنه حينها أيضاً عانت هذه الدول من عدم الاستقرار إثر الإنقلابات. لم يكن ثمّة حوار مع عرب إسرائيل، وأيضاً، لم يسمح لهم بالتأثير. كان من الواضح لـ "بنتش" بأنهم سيشكلون مصدراً متطرّفاً يمنع وجود حلّ.
بخلاف "برنادوت" الذي ارتكزت اقتراحاته للتهدئة على أسس نظرية، والتي ارتبطت بشكل خاصّ بخطّة التقسيم تلك في تشرين الثاني، أظهر "بنتش" اقتراحات التهدئة التي كانت ترتكز على الوضع الفعلي في المنطقة، ومن خلال الاهتمام بالتفوّق العسكري الذي خلقته إسرائيل لنفسها في نهاية المعارك.
وكانت النتيجة، أنه خلال فترة من الزمن التي اعتبرت هنيهة بمفاهيم الشرق الأوسط_ حوالي ستة أشهر، فهو قد نجح في التوصل إلى توقيع أربع إتفاقيات لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ومصر، لبنان، الأردن وسوريا.
وكان هناك حيلة أخرى في جعبة "بنتش" وهي الإتفاقية بين الأطراف التي تتعلق بتسوية مؤقّتة. حيث لم يُطلب من أيّ طرف من الأطراف تنازل نهائي. هذه التسوية المؤقّتة عزّزت الموقف بصورة كاملة خلال 19 سنة. جيّد إلى حدّ ما إزاء تسوية مؤقّتة. خصوصاً على ضوء حقيقة أنه منذ ذلك الحين وحتى الآن، لم تطلب أي دولة من الدولة العربية ولم يُطلب منها أي أمر مما تخلّت عنه في هذه الإتفاقيات. وعلى هذا الإنجاز، حظي "رالف بنتش" ليس فقط بتقدير كل الأطراف، بل أيضاً بجائزة نوبل في العام 1950.
لسوء الحظّ، انتهت مهمّة "رافل بنتش"، على الرغم من أهميته في عمليّة تسوية الهدنة التي ثبتت عندما كان يدعو إلى العودة إليها مراراً وتكراراً في عمليته. الذين أكملوا بعد "بنتش" لم يتعلموا من تجاربه، وعقدوا "لجنة سلام" في لوزان. ودعوا لهذا الاجتماع بعثة عربية مشتركة، الأمر الذي أدى بالعرب إلى تكييف أنفسهم مع المواقف الأكثر تطرّفاً. كخطوة أولى، رفضوا إجراء لقاءات مع إسرائيل وجهاً لوجه، لكي لا يفسّر منها اعتراف بوجودها. وقد أدّت هذه الخطوة إلى إنهاء العلاقات المباشرة التي كانت بمعظمها سريّة والتي جرت في ذلك الحين بين إسرائيل والأردن ومصر، التي ظهرت في إطارها حلول إبداعية، مثل حل مشكلة اللاجئين في قطاع غزّة، على سبيل المثال، أو مسلكاً إسرائيلياً لكل الأماكن المقدسة في يهودا والسامرة لقاء ممر إلى البحر المتوسّط عبر المملكة الأردنية.
بالإضافة إلى ذلك، اختار ممثلو الأمم المتحدة تفعيل ضغط سياسي فقط على إسرائيل، للحصول على تنازلات فقط من جانبها، هذا الضغط أثمر الاقتباس الذي في افتتاحية المقال. من غير الضروري الإشارة إلى أن هذا الإجتماع أخفق إخفاقاً تاماً. حيث حصلنا في آن واحد على مخطط دقيق حول كيفية دفع عملية المصالحة، وكيفية نسفها.
كيف نطبق ذلك في أيامنا؟
رأينا إذاً أن أحد المفاتيح لإنجاح عمليّة كهذه هو اعتراف الأطراف، أو على الأقلّ الوسطاء، في الوضع كما هو في الواقع، ومنع الحلول التي ترتكز على أسس غير عمليّة.
يبدو أن الجمهور الواسع لدى الطرفين فهم الحاجة إلى حلّ التسوية الذي لا يسمح لكل الأطراف بتحقيق كل أحلامها. لكن في الوقت الذي تقوم فيه القيادة الإسرائيلية بما يناسب ولم ترفع عموماً طلباً لسيادة إسرائيلية في كل يهودا والسامرة، فإن القيادة التي تتظاهر بتمثيل الطرف الثاني لم تخف ما هو واضح لمعظم جمهورها، واستمرت بالتصرف كما لو أنه يمكن العودة إلى الوضع الذي كان في العام 1947.
حتى لو كان فيها عناصر براغماتية، هم يتكيفون من خلال الخوف مع الأكثر تطرّفاً، ويتوقّعون أن تقبل إسرائيل طلباتهم، حتى الآونة الأخيرة، والتي لا يوجد فيها أي استعداد للتسوية، خصوصاً ليس في كل ما يتعلّق بدعوى العودة، المخصّصة للقضاء على قيام الدولة اليهودية.
في المقابل، وبواسطة دعايتهم، يحاولون بث روح الأمل بجمهور داعميهم.
بشروط كهذه، حتى لو كتبت قوة عليا خارجية، أي كانت، للطرفين أي حل لتسوية الأمر غير الممكن في الشروط التي وضعت، لكن لو حصل ذلك بأعجوبة أو بكارثة ما، فإن الوضع سيكون مؤقّتاً، لأنه على الأقل أحد الأطراف، إذا لم نقل الإثنان معاً، سيقومان ضده، ويطمحان إلى تغييره بالقوّة.
تعلّمنا من التجربة التي ذكرت أعلاه، أن إحدى الطرق للتسهيل على الزعامة لملاءمة نفسها مع الواقع، هي الإيهام بأن الأمر لا يتعلّق بالتنازل النهائي، وذلك ضمن الشروط التي عملياً خلقناها في المنطقة، الشروط التي تؤدّي إلى استقرار وتسليم بالواقع.
على ضوء كل ذلك، يجب التكيّف مع الواقع الموجود في المنطقة، والاستعداد للتعايش معه طوال الوقت، من خلال اشتراط نظري بأنه ليس الحل الدائم، ومن خلال أن لا يطلب أي من الطرفين الإنسحاب من مطالبه ومن طموحاته بصورة شكلية. عملياً، نحن عالقون في هذا الوضع أكثر أو أقلّ منذ العام 1993، وقد فشلت كل تجربة لتغييره أو أدّت تفاقم الوضع لسوء حظّ الطرفين (على سبيل المثال: سيطرة حماس على قطاع غزّة بعد خطّة فك الإرتباط).
من الواضح، أن خيبة الأمل من العملية أحادية الجانب في الأمم المتّحدة ستؤدّي إلى تدهور النظام الحالي، وسيكون من الضروري إعادة بنائه وترسيخه من جديد. هذه المرّة، يجب بناء مؤسّسات حكم ذاتي على قاعدة اقتصادية واجتماعية، من خلال تطبيق قاعدة الحكم الذاتي، ومن خلال تحييد الجوانب العسكرية لهيئات فرض القانون فيها.
وهناك قاعدة أخرى تعلّمناها، وهي ضرورة إخراج العناصر المتطرّفة من دائرة التأثير. يمكن القيام بذلك من خلال مفاوضات سرّية بأساسها مع الدول العربية. من الأصل تطرح مباشرة الأسئلة_ ما هي علاقة القضية التي تواجهنا مع الدول المجاورة، وما مصلحتها للتدخّل؟
عملياً، أساس القضيّة موجود بالتأكيد في نطاق الدول العربية المجاورة وتماماً ليس بأيدي سلطة الحكم الذاتي. هم يدعونهم "لاجئين" يعيشون في بلادهم وفق شروط "أفارتهايد".
هذه السياسة، خصوصاً أنّه في هذه الأيام ثمّة مصلحة لتعزيز الاستقرار في المنطقة، هي لمنع إمكانية أن تزحف أعمال الشغب إلى أرضها، وتزعزع نظامها. بالإضافة إلى ذلك هي تحتاج خطّة متهاونة لإنقاذ إقتصادها. في المقابل، وكجزء من الروح الديمقراطية ستلغي كل الحدود التي تسري على سكانها المعروفين كـ "لاجئين"، بما في ذلك إعطاء الجنسية والحقوق كاملة.
وإزاء المصلحة المشتركة يمكن إيجاد تعاون كامل للسلطات العسكرية في مصر مع إسرائيل بمواصلة الحصار على قطاع غزّة. التعاون الذي ساعد جيداً أيضاً (وربما بسببه) محاولة أردوغان استئنافه.
التورّط الإسرائيلي السرّي والتحوّل بمساعدة المعارضة في سوريا، يمكن أن تزيد الوعي لدى الدول المجاورة حول أهميّة التعاون معنا. هذه المساعدة يمكن أن تترجم بمجيء اليوم لاتفاقية مماثلة مع الحكم السوري الجديد، حيث بالإضافة إلى ذلك، مساهمة في التأجيل لوقت غير محدود لتقسيم الجولان، نحن سنتحمّل المسؤولية لحلّ مسألة نقصان المياه في سوريا. لدينا تجربة بذلك.
تحوّل سوريا إلى دولة سنّية، ستساعد على عزل حزب الله في لبنان، الأمر الذي سيحثّ الاحتمال لخلق أنظمة مشابهة في مسار سرّي مع حكومة لبنانية.
يمكن التوصل إلى تعاون تدريجي للأردن بإدارة الحكم الذاتي، خصوصاً على ضوء حقيقة أن مواطني الحكم الذاتي سيستمرون بالاحتفاظ بجواز سفر أردني، وعلى ضوء رغبتهم في أن يشتركوا في إدارة الأماكن المقدّسة للإسلام. يمكن تدخّل السعودية كمستثمرة اقتصادية في المشاريع.
في المقابل ليس ثمّة مبرّر لتضليل قيادة الحكم الذاتي أو مواطنيه إزاء حقائق أنه لا يمكن التغيير ثانية، ولذلك ليس ثمّة سبب لإيقاف البناء وتوسيع الإستيطان في المستوطنات اليهودية الموجودة في الكتل الاستيطانية. قانونية تماماً وليس ثمّة احتمال واقعي أن نوافق على إخلائها يوماً ما. هكذا توجه الرسالة بأن هذا الوضع دائم.
لسنا ملزمين بالقول عن ذلك سلام، وليس حلاً دائماً. الأساس أن يكون هناك عمل مشترك لتهدئة المنطقة لتمكينه من التكيف بالواقع، في إطاره يستمر عرب يهودا والسامرة في نطاق الحكم الذاتي، عندما يكون الاحتمال الوحيد لاستقلال سياسي، سواء بشكل عام، سيحدث في قطاع غزة أو يوماً ما سينتج هنا تحوّل علماني ديمقراطي.
في المدى القصير يتوقع أن تتزايد الهجرة إلى إسرائيل من دول الغرب، مع تعاظم المعاداة للسامية المسلمة فيها، وبشكل عام ستستمرّ الأزمة الإقتصادية العالمية. أيضاً ستؤدّي هذه العملية في نهاية الأمر إلى التسليم بالوضع الحالي، الذي هو حالياً ليس سهل التغيير.
ولإزالة الشكّ، ثمّة اليوم أيضاً إفريقي ـ أمريكي واحد حيث بإمكانه بعمله الحكيم، على قاعدة عبر أخطاء الماضي، بإمكانه إنقاذ الوضع. إنما هذه المرة، بحسب علمي، هو أيضاً حصل على جائزة نوبل للسلام".
2011-09-28