ارشيف من :أخبار لبنانية
... والآن إلى الحوار
ادمون صعب _ صحيفة "السفير"
هل توقّف «تسونامي» الراعي عند دار الفتوى التي التقى فيها ممثلو «العائلة اللبنانية الواحدة» وتعاهدوا (في 27 أيلول 2011)؟
خيّل لبعض الذين رافقوا «هجمة» البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي على المناطق التي «ظلمتها» الكنيسة المارونية في عهد سلفه البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، انه يحاول التكفير عن أخطاء سلفه الذي عز عليه الاعتراف بانتصارها على العدو الإسرائيلي في حرب تموز، بل هو أصدر «فرماناً» بطريركياً في 7 أيلول 2006 اعتبر فيه ان المقاومة استمرت بعد اندحار إسرائيل وإخراجها جيشها من الجنوب في أيار 2000، في «حمل السلاح خلافاً لأحكام اتفاق الطائف» الذي قضى بحل الميليشيات معتبراً «حزب الله» زمرة مسلحة خارجة على القانون، وقد تفردت بالقرار في خطف الجنديين الإسرائيليين في 12 تموز 2006 آخذة البلاد «الى حيث لا تريد»، وأن هناك «يداً فوق أيدي بقية اللبنانيين»، وقصد بذلك أهل المقاومة، «تتصرف بمقدراته وتأخذهم إلى حيث لا يريدون».
إنها شهادة في أنبل بطولات شهدها تاريخ لبنان الحديث.
وهي وحدها تطوي صفحة الماضي لتفتح صفحة جديدة على ما قال الراعي، وأضاف: «إننا نتطلع إلى الأمام، إلى المستقبل (...) لأننا أصبحنا عائلة واحدة»، وإن تكن مفككة ومشتتة.
والبطريرك الذي دعا إلى «قراءة الحوادث من دون سطحية»، أي بعمق وبعيداً من الشعارات والرومانسيات، مدرك تماماً ان ترجمة «الشركة والمحبة» لتكون جسر عبور إلى «وحدة الحياة»، أو «الحياة المشتركة»، أي ما هو أقوى من العيش المشترك، تحتاج إلى تلاقي اللبنانيين حول «الثوابت التي تحمي العيش المشترك، بل العيش الواحد»، على ما قال الوزير محمد فنيش خلال تكريم البطريرك الراعي في صور، وتجديد تمسك المسيحيين والمسلمين بهذه الثوابت، معتبراً ان المواقف الجريئة والصريحة للبطريرك تشكل «رؤية وطنية» يمكن التأسيس عليها عبر «الحوار من أجل تجديد الثقة»، كما قال الرئيس نبيه بري، ذلك بأن «الحوار وبناء الثقة ـ في نظر بري ـ هما الأساس الذي يمكننا جميعاً من بناء الشركة الأفقية مع كل الناس، ومن كل الأطياف، ومن كل دين وثقافة، وكل رأي وانتماء».
والآن، ماذا بعد «الهمروجة» الراعوية؟
ومن أين نبدأ في ترجمة الشركة والمحبة مشروع حياة واحدة؟
نبدأ من «البَدَأْتَجي»، كما يقول الشاعر سعيد عقل، أي من قول الراعي إن «لبنان أمام تحدي لمّ الشمل، وإعادة بناء نسيجه الاجتماعي لنعيش جمال الشركة والمحبة»، وذلك يتطلب «تشديد الثوابت بين بعضنا، وأن نعي ما ينتظرنا من مسؤوليات، ونجلس إلى طاولة الحوار».
إنها دعوة إلى التلاقي مجدداً من أجل استخراج عقد وطني جديد يقوم على فكرة الاندماج الاجتماعي بين مختلف مكونات لبنان، والخروج من بيئات الانعزال والمربعات الطائفية والمذهبية التي تسيّجها الخصوصيات والامتيازات، فضلاً عن الاستئثار بالأرض والوطن. علماً ان معظم هذه الأمور قد سقطت مع الوقت وبفعل التطورات الديموغرافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً بالنسبة إلى المسيحيين.
ولو أصغى البطريرك الراعي إلى ميشال شيحا، أحد أبرز المفكرين المسيحيين، ممن ملكوا العقل والمنطق بعد «تكبير لبنان» ودخول مكونات إسلامية سنية وشيعية إضافية إلى الكيان المسيحي ـ الدرزي الصغير، أي جبل لبنان، لكان قال له، في عز الانتداب الفرنسي والمعركة من أجل تعديل الدستور لنيل الاستقلال (في 2 تموز 1936): «مطلوب تنازلات سريعة من أجل تحقيق التوازن الوطني. ويجب ان يتصرف اللبنانيون في الحكم بطريقة تقلل التمايزات في ما بينهم. وهذا يعني انهم يجب ان «يدوموا» كفاية ومن أجل تحقيق التوازن الدائم».
وأضاف: «عندما يكون هناك قائد أو زعيم، أياً يكن، يجب ان يتصرف كحكيم وديبلوماسي فطن، وليس كمدفع في حرب».
وأشار إلى انه «يتعذر التقريب بين عناصر كثيرة وتوحيدها من دون منحها الفرصة لأن تعيش معاً سياسياً (...) وإننا في لبنان محكومون، في ضوء دروس الماضي، بقوانين التوازن أكثر من انجرارنا وراء ميولنا الديموقراطية المفرطة. ويجب التنبة إلى ان ما تكسبه الفكرة الطائفية إنما يتم على حساب الوطن، لأنه سيكون هو الخاسر في النهاية».
وكان شيحا نصح اللبنانيين، وخصوصاً المسيحيين، بالصعود إلى الجبل «بدلاً من النزول منه، وتسلّقه مجدداً، والتعلق بالأرض وإصلاحها وإعادة الاعتبار إليها، وإظهار المحبة للفلاحين ومعهم للأشجار، ولمياه الينابيع، وللحقول والبساتين، ولأن يبللوا أنفسهم من جديد بعظمة هذه الطبيعة التي تبعدهم عن الصغائر».
انطلاقاً من هذه الدعوة الرمزية للصعود إلى الجبل، نأمل من البطريرك أن يطلق رسالته الجديدة إلى اللبنانيين، بإخراج المسيحيين من التقوقع وإعادة نشرهم على كامل مساحة الوطن، والتشارك مع الآخرين في إعادة «بناء نسيج اجتماعي» متجانس، يفضي إلى قيام مجتمع واحد، مدني، غير طائفي. يتشارك فيه الجميع، إخوة أحراراً و متساوين، في الأرض كما في الوطن بدل تناتشهما، والتعرض للانقراض مع الزمن بسبب العجز عن الاستمرار: طوائف ومذاهب تتبادل الخوف والتخويف، وتتاجر بكل شيء، على ما قال الراعي في مواجهة الحملة التي شُنت عليه ظلماً بعد عودته من فرنسا بسبب موقفه من سلاح المقاومة والوضع في سوريا.
وإننا ندعو الراعي إلى النظر في الخلاف حول أرض منطقة الدردار في الحدث التي اشتراها مقاولون شيعة وتحاول الرابطة المارونية «استرجاعها» للمسيحيين بدل الدخول في مشاركة معهم لإقامة مجمعات سكنية تعيد دمج الشيعة والمسيحيين في خطوة تجسّد شعار الشركة والمحبة. كذلك النظر في النزاع حول ملكية الأراضي في قرية لاسا الجبلية بين الشيعة والموارنة، ومعهم بكركي بحيث يُحصر الأمر في قضايا قانونية تبتها المحاكم أو لجان التحكيم التي شارك فيها الأفرقاء المعنيون. وكانت محامية دعت أخيراً إلى لقاء في لاسا، شارك فيه مواطنون من القرية وخارجها، أبدت خلاله تخوفها «من انضمام لاسا إلى المناطق العاصية على الدولة»، معتبرة ان «لاسا خط دفاع عن مؤسسات الدولة الشرعية». وشاركها في هذا الموقف، ويا للأسف، رئيس أحد الأديرة هناك الذي تعتبر بكركي مرجعيته، بقوله: «لاسا إذا كانت مربعاً أمنياً (يقصد لـ«حزب الله») فنحن هنا».
من هنا يجب أن يبدأ البطريرك.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018