ارشيف من :أخبار لبنانية

ربيــع بكركــي

ربيــع بكركــي

اميل لحود ـ صحيفة "السفير"

كان يمكن أن يبقى الشعار الذي أعلنه البطريرك بشارة بطرس الراعي بعيد انتخابه بطريركاً للموارنة، «شركة ومحبّة»، أسير تلك المناسبة التي أُعلن فيها، تماماً كما اعتدنا حين يطلق الكثير من رجال الدين ومن السياسيّين الشعارات التي لا تعرف طريقها الى التنفيذ، حتى اعتدنا ترداد المثل القائل «إسمع تفرح، جرّب تحزن»، أو استعادة العبارة الإنجيليّة «اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم».

كان يمكن لبطريرك الموارنة الجديد أن يشكّل خيبة أمل جديدة للبنانيّين، وللمسيحيّين خصوصاً، الذين اعتادوا الخيبات تلو الخيبات، من كثرة الأقوال وقلّة الأفعال.
لكن شيئاً ما تغيّر مع ابن حملايا المتنيّة. شيءٌ يأتي على صورة بصيص أمل بتغيير بدأت تتوضّح معالمه، لا بل هي تتوضّح أسرع ممّا كنا نتوخّى بكثير.
لست أكشف عن سرٍّ إذا قلت إنّنا كنّا ممّن عانى كثيراً في العهد البطريركي السابق، ولم نكن لوحدنا في ذلك، إلا أنّ المعاناة بلغت حدّ تلقّي الرئيس اميل لحود كتاباً خطيّاً من البطريرك نصر الله صفير يدعوه فيه الى التنحّي عن رئاسة الجمهوريّة، في سابقةٍ هي الأولى في التاريخ، ونأمل أن تكون الأخيرة، فلا تتكرّر مع أيّ رئيس ومع أيّ بطريرك. إلا أنّنا، مع ذلك، لم ننحدر يوماً الى مخاطبة بكركي وسيّدها بلغة لا تليق بهما، واكتفينا، تعبيراً عن موقفنا، بعدم زيارة الصرح البطريركي الذي بات صرحاً لقسمٍ من الموارنة فقط، يقصدونه لإطلاق مواقف يهاجمون فيها موارنة الفريق الآخر. كانت بكركي إذاً لقسمٍ من الموارنة، وهذا ما لا نقبل به ولا نوافق عليه.
لسنا نطمح اليوم، بعد التغيير في الشكل والمضمون الذي شهدته بكركي، الى أن يكون الصرح لقسمٍ من الموارنة من دون غيرهم. لا يظن أحدٌ بأنّ بطريركاً لفريق 8 آذار هو المطلوب. فلسنا، بالتأكيد، ممّن يرتكبون خطأ بعض الموارنة، بل خطيئتهم. من هذا المنطلق كانت قراءتنا للخطوات التي قام البطريرك الراعي، والتي تشكّل نهجاً نجد فيه تقويماً لمسارٍ سابق دفع الموارنة فيه، بل المسيحيّين عموماً، أثماناً باهظة ليس أقلّها أنّهم ازدادوا انقساماً وشرذمةً.

كانت بداية خطوات البطريرك الجديد رفع بكركي من لائحة المقرّات السياسيّة التي يقصدها السياسيّون للتعبير عن موقف. لم تعد بكركي منبراً للتراشق المسيحي، ولا للاهثين وراء ظهورٍ إعلامي.

ثمّ كانت الجولات التي قام بها البطريرك الى «الرعايا المنسيّة». فإذا كانت زياراته للمتن، مسقط رأسه، وكسروان، مكان إقامته، وجبيل التي رعى أبرشيّتها، تحمل أهميّة كبيرة، فإنّ توجّهه الى مسيحيي الأطراف يعيد هؤلاء الى خارطة الحضور المسيحي، بعد أن عانوا طويلاً من الإهمال وتركوا لوحدهم في مواجهة الكثير من التحديات، فهاجر من هاجر منهم، الى داخل الوطن كما الى خارجه، لا كنيسة تسأل عنهم ولا دولة ترعاهم. من هنا، نمنح أهميّة كبيرة لجولات البطريرك المناطقيّة على صعيد المساهمة في ترسيخ الحضور المسيحي في القرى، خصوصاً تلك التي بات فيها المسيحيّون أقليّة لأكثر من سبب، منها غياب الكنيسة عن القيام بدورها.
لقد تغيّرت صورة البطريرك الذي يستقبل ويودّع السياسيّين، قبل أن يقفوا على مدخل الصرح للتصريح وإطلاق الاتهامات على بعضهم البعض. لقد ترجّل البطريرك عن كرسيه الواسع ونزل الى الناس، ليجول في شوارعهم، ويزور كنائس قراهم ويصافحهم رافعاً صليب بركته.

كما يبدو واضحاً، من خلال زيارة البطريرك الى فرنسا أولا والولايات المتحدة ثانيا، بأنّ ما يقوله الرجل في العلن هو نفسه ما يقوله في السرّ. وهو لا يتصرّف كأنّه بطريركاً على بكركي وضواحيها بل على الموارنة في لبنان وفي سائر المشرق، حتى تليق به، أكثر من أيّ عهدٍ سابق، عبارة «مجد لبنان أعطي له».
هو ربيع بكركي إذاً. وهي فرصة لوحدة مسيحيّة على أساس المسلّمات والثوابت التي يعبّر عنها سيّد الصرح. ولكن، ثمّة من لا يريد أن يتلقّف هذه الفرصة.
ثمّة من يريد أن يتسلّل الانقسام الى داخل الصرح على قاعدة «إمّا بطريرك معنا أو لا يكون بطريرك واحد».

ثمّة من يريد أن يبقى البطريرك أسير جدران الصرح، وإن أراد الخروج فلمكانٍ قريب، وبرعاية سياسيّة من فريقٍ واحد.
ثمّة من لا يسأل عن مسيحيّي هذا المشرق الآخذ عددهم كما دورهم بالانحسار.
ثمّة من يريد أن تبقى بكركي في خريفها فلا تتسلّل روح الربيع الى ساحتها وأدراجها وصالوناتها. لكنّ الربيع أقوى، ورياح التغيير أشدّ من أن تحاصر بتصريح أو بموقف أو باستعراض حزبيّ...
هو ربيع الشركة والمحبّة، فلنشرّع له الأبواب والقلوب.

[ نائب سابق
 
 
 


2011-10-03