ارشيف من :أخبار لبنانية
أهكذا تكون أعلى المعايير الدولية؟
الياس فرحات ـ صحيفة "السفير"
لا ندري اذا كان رئيس المحكمة الخاصة بلبنان أنطونيو كاسيزي، عندما يتحدث عن التزام المحكمة بأعلى المعايير الدولية، يدرك ان قطاعاً وازناً من الشعب اللبناني يرى ان كلامه يجافي الحقيقة ويستند هؤلاء إلى أربعة أسئلة يطرحونها عليه.
السؤال الاول: عرض شريط تلفزيوني ظهر فيه أحد الاشخاص في مؤتمر هرتزليا في إسرائيل يقول بصوت مرتفع إن السيد كاسيزي هو صديق كبير لإسرائيل. المحفل جدي والحضور من النخب والكلام الذي قيل عن كاسيزي ليس زلة لسان بل هو محضر. نلفت انتباه الرئيس كاسيزي الى انه كحامل للجنسية الإيطالية له الحق في ان يكون صديقاً لإسرائيل فيما هذه الصفة تعرض صاحبها للملاحقة القضائية في لبنان ومعظم الدول العربية بتهمة التعامل مع العدو ويعاقب عليها قانون العقوبات اللبناني.
استناداً الى القانون الدولي, لبنان هو في حالة حرب مع اسرائيل والوضع القانوني بين الطرفين هو اتفاقية الهدنة التي اضيفت اليها قرارات مجلس الامن 425 و426 و1701 والتي أبقت بدورها على حالة العداء بين البلدين.
اذاً, أنت يا سيادة الرئيس قبلت ان تكون قاضياً في بلد هو في حالة حرب مع دولة صديقة لك؟ هل هذا عادل تجاه شعب يردد المثل صديق عدوي عدوي؟ اليس هذا مانعاً قانونياً او أخلاقياً لقيامك بهذه الوظيفة؟
لا نريد ان نقفل الابواب في هذا الموضوع, فإذا كان الكلام الذي قيل في هرتزليا غير صحيح, فما عليك إلا إصدار بيان ينفي انك صديق لإسرائيل ويؤكد انك تقف على مسافة سياسية واحدة بين لبنان وإسرائيل.
السؤال الثاني: استناداً للنظام الأساسي للمحكمة وقواعد الإجراءات والإثباتات حصل تعديل في المادة 152 لتصبح شهادة الزور هي التي يدلى بها امام غرف المحكمة وبعد حلف اليمين، وحددت هذه المادة آلية ملاحقة هؤلاء والعقوبات المتخذة بحقهم. كما ان المادة الاولى من قواعد الإجراءات والإثباتات تنص على ان كل المواد تدخل حيز التنفيذ في 20 اذار 2009، اي ان المحكمة اعفت نفسها من ملاحقة شهود الزور الذين ضللوا التحقيق قبل هذا التاريخ، وتحديداً امام لجنة التحقيق الدولية, بإقدامها على تعديل القواعد بنفسها ولنفسها، اي انها سلطة قضائية وتشريعية معاً, وهي بذلك تقوم بتجزئة الشهادات زمنياً، في حين ان المحاكمة العادلة توجب التلازم الزمني ما بين شهادات التحقيق وشهادات المحاكمة.
إن شهود الزور، الذين تنصلت المحكمة منهم، ليسوا أشخاصاً أحضروا من مكان الحادث او جواره ولا أحضروا من قبل الضابطة العدلية بناء لاستقصاءات. إنهم تقدموا من تلقاء انفسهم ومدفوعين من جهة معينة ليفعلوا ما فعلوه من تضليل للتحقيق لمدة اكثر من سنة.
لا يمكن لأي شخص او جهة ان يحشر أنفه في جريمة خطيرة كاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لأسباب تافهة إلا اذا كان له مصلحة ما يا سيادة الرئيس، وعلى الأرجح ان هؤلاء الاشخاص لهم علاقة في مكان ما بالجريمة وإلا لماذا لفقوا وزوروا في هذا الشأن الكبير وضللوا التحقيق وساروا به الى اتجاهات تبين للمحكمة انها غير صحيحة (اي اتهام الضباط الاربعة وسوريا)؟.
أكثر من ذلك، عندما حاول احد الضباط المظلومين الحصول على مستندات من المحكمة ليقاضي من خلالها الشهود الزور، الذين تسببوا باعتقاله تعسفياً لنحو اربع سنوات، رأينا المحكمة تراوغ وتماطل في تسليم المستندات التي اقر بها قاضي الإجراءات التمهيدية وتكتفي بتسليمه المستندات التي كان قد سلمها بنفسه للجنة التحقيق في وقت سابق!. هل هذا هو أعلى المعايير؟.
إن محاكمة الشهود الزور هي المدخل الصحيح لكشف الحقيقة ومعرفة من اغتال الرئيس الشهيد الحريري, وعدم محاكمتهم من قبل المحكمة الخاصة يسهم في تجهيل الفاعل وحجب الحقيقة, فلماذا اغفلت هذا المدخل سيادة رئيس المحكمة؟.
السؤال الثالث: تعلم يا سيادة الرئيس أن المادة 52 من الدستور اللبناني هي التي تنظم عقد المعاهدات الخارجية, وباستطاعتك قراءة هذا الدستور. إن صلاحية عقد المعاهدات الخارجية تعود لرئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الوزراء, ولا تصبح مبرمة إلا بعد إقرارها في مجلس الوزراء, وفي مجلس النواب اذا كانت تنطوي على التزامات مالية. انت تعلم انَّ لا رئيس الجمهورية الحالي ولا السابق قرن توقيعاً له على هذه المحكمة, ولا مجلس النواب وافق عليها. لماذا تترأس محكمة فيها عيوب دستورية وأنت قانوني عريق وفي وقت جاء في مستهل القرار 1757 أن «إنشاء المحكمة عن طريق العملية الدستورية يواجه عقبات حقيقية»؟ أليست تلك العيوب والعقبات مقدمة لنزاع داخلي يسببه إصرارك على العمل في محكمة يشوبها خلل تكويني؟ اين هي اعلى المعايير؟.
السؤال الرابع: لم تعترف لا أنت ولا المدعي العام, بوجود ثغرة تخرج منها المعلومات المسربة ولم تجر تحقيقاً فيها ولم تحدد المسؤولين عن تلك المخالفة في محكمتك, بل مضيت قائلاً إنك تعتمد اعلى المعايير الدولية في الوقت الذي يقرأ الناس كل التسريبات في الصحف ويشاهدونها على شاشات التلفزيون. كيف يمكن لهؤلاء الناس ان يقتنعوا بكلامك؟
وطالما أن التسريبات عمل سياسي بامتياز, اي استغلال التحقيق في خدمة اهداف سياسية، هل تعلم سيادة الرئيس ان هذه التسريبات غيرت الحياة السياسية في لبنان بشكل دراماتيكي, وكانت سبباً لتوترات داخلية أو بين لبنان ودول شقيقة وصديقة؟.
إن أخطر التسريبات هو ما نشر في صحيفة لبنانية بتاريخ 28 كانون الاول 2010 في ابتزاز واضح لرئيس الوزراء السابق سعد الحريري والسعودية وجاء فيه الآتي حرفياً:
«وقد كشف تحرك مساعد نائب وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى, السفير سابقاً لدى لبنان جيفري فيلتمان, معطوفاً على تقرير «سي بي سي» الكندية وتصاريح مكتومة الهوية رفض الادارة الاميركية قيام تسوية على حساب المحكمة الدولية تصب في مصلحة إيران ـ سوريا وحليفهما اللبناني حزب الله. حمل تقرير «سي بي سي» الكندية رسالة واضحة ومباشرة الى الرئيس الحريري, وعبره السعودية, وفيها ان كل تلاعب من دون البركة الاميركية قد يفضي باتهام العقيد وسام الحسن بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الحريري, وبالتالي ارتداد الجريمة على آل الحريري انفسهم, اذا لم تبرز معطيات اخرى عن تعاون الحسن مع منظمات اصولية وهابية, سعودية المنشأ, تولت تنفيذ الجريمة مباشرة, والرسالة تعني بوضوح أن كل اتفاق مع السوريين ممنوع, من دون ان تقدم دمشق المزيد من التنازلات في غير ملف عالق في المنطقة، وأن التعاون السوري الإيراني القائم في العراق ليس كافياً».
هكذا وبشكل فظ يقول التسريب الآنف الذكر، للرئيس الحريري إما وقف التقارب مع سوريا وإما اتهامكم بالجريمة. اين سيادتك من هذا الكلام الخطير؟ لماذا لم ترد على هذا التسريب برغم خطورته، خصوصاً أنه طاول رئيس مجلس الوزراء اللبناني المفترض انك تعمل لصالح بلده لبنان وليس لصالح دولة أخرى، على ما ذكرت مؤخراً في تصريحاتك, وطاول ايضا دولة عربية كبرى هي السعودية, وطاول اولا وآخراً التحقيق برمته.
لقد بلغت التسريبات حداً غريباً فيه استهانة بالرأي العام اللبناني والدولي عندما صرح الناطق باسم المحكمة مارتن يوسف في حوار مع صحيفة «عكاظ» السعودية أن هناك ملحقاً للقرار الاتهامي لم يكشف عنه للحفاظ على الشهود ومجريات التحقيق، موضحاً ان لدى القاضي دانيال بليمار أدلة إضافية غير قرينة الاتصالات. هل هذا تشويق ام تهديد ام تسييس أم اعتماد أعلى المعايير الدولية يا سيادة الرئيس؟.
[ عميد متقاعد في الجيش اللبناني
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018