ارشيف من :أخبار لبنانية

الأميركيّون يضغطون لتمويل المحكمة.. ولكنهم يتعايشون مع عدمه!

الأميركيّون يضغطون لتمويل المحكمة.. ولكنهم يتعايشون مع عدمه!

نبيل هيثم - "السفير"
يتحصن «أهل» تمويل المحكمة الدولية بمقولة ان لبنان سيتعرض لعقوبات دولية في ما لو نكث بالتزاماته وتمنع عن سداد حصته بتمويل المحكمة الخاصة بلبنان، وقد فعلت هذه المقولة، الأميركية المنشأ، فعلها، اذ إنها جعلت النقاش يقف عند حد التمويل أو الاستعداد للعقوبات.

تبنى ميشال سليمان تلك المقولة، وكذلك الامر نجيب ميقاتي، وسبقهما اليها وليد جنبلاط الذي كان اول من حذر من عقوبات على اعتبار «ان المجتمع الدولي ناطرنا على الكوع، وبالتالي لبنان لا يحتمل اية ضغوطات او عقوبات او اي حصار مالي او اقتصادي، ولا يستطيع ان يواجه كل العالم». ومع ذلك بقي مفعول تلك المعادلة محصورا ضمن هذا «المثلث الوسطي». الا ان مجموعة اسئلة تفرض نفسها هنا: هل يمكن ان يتعرّض لبنان فعلا لعقوبات أم إن الأمر مجرد تهويل وما هي طبيعة العقوبات اذا فرضت وما هو تأثيرها؟ وهل ستكون كلية ام جزئية؟ وهل ستطال فريقا لبنانيا من دون آخر؟
ثمة رأي مفاده أن فرض عقوبات على بلد هش كلبنان سياسيا واقتصاديا يمكن ان يدخله في أزمة لا يستطيع ان يخرج منها، وفي المقابل، ثمة رأي أن احتمال فرض عقوبات على لبنان في ما لو تمنع عن تمويل المحكمة ضعيف جدا، وذلك بالنظر الى الاسباب الموضوعية التالية:

اولا، ان البنية اللبنانية المعقدة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وطائفيا، تبرز ان لبنان ليس دولة من لون واحد سياسي او طائفي او مذهبي، بل هو كناية عن بيت بمنازل كثيرة، وكل مربع ـ منزل، له خلفيته ومرجعيته وتحالفاته ومشغله الخارجي، وبالتالي اية عقوبات ستفرض لن يكون مفعولها كمفعول اية عقوبات تفرض على أية دولة اخرى، ولن تحقق الغاية المرجوة منها.

ثانيا، ان الغرب يتصرف دائما وفق ميزان الربح والخسارة، ومن هنا فهو يدرك ان لبنان يقف على حافة هاوية اقتصادية منذ سنوات طويلة، وهو يعرف ان اية عقوبات تفرض على لبنان ومهما كان شكلها في ظل الوضع الهش سياسيا واقتصاديا، تمس منظومة الامان الهش القائم في لبنان، وبالتالي قد تؤدي الى تداعي المشهد اللبناني على النحو الذي تتولد عنه نتائج عكسية لا يستفيد منها سوى خصوم الغرب في لبنان. وربما تدفعهم الى خطوات تحدث تبدلات نوعية وربما جذرية في الواقع اللبناني.

ثالثا، يركز فريق التهويل الداخلي والخارجي، على ان اكثر العقوبات ترجيحا هي تلك التي قد تطال القطاع المصرفي في لبنان، وثمة من هؤلاء من اعتبر ان قضية «البنك اللبناني الكندي» عيّنة مما سيطال هذا القطاع، وثمة سياسيون «باتوا يمتهنون الظهور دائما بمظهر الخائفين من العقوبات» يعددون في مجالسهم مجموعة مصارف كبرى موضوعة على خشبة الاعدام. الا ان هذا القطاع في مجمله ليس في يد خصوم الغرب، بل في يد حلفائه.. بدليل أن «البنوك الأولى»، تكاد تكون كلها من لون سياسي واحد.

رابعا، ان اي قرار بالعقوبات على لبنان يتطلب آلية معينة في مجلس الامن، وها هي الدول الاعضاء عاجزة عن الوصول الى قرار حول فرض عقوبات على سوريا، برغم كل الصخب الاميركي والاوروبي والعربي، فكيف الحال بالنسبة الى لبنان، وكيف سيتم تأمين الاجماع الدولي حول قرار فرض العقوبات على لبنان، وتحت اية ذريعة وأية خلفيات؟

خامسا، مع استبعاد لجوء المجتمع الدولي الى العقوبات الشاملة على لبنان، فإن باب العقوبات في ما لو صدق المهوّلون، قد يكون مفتوحا فقط على عقوبات موضعية، تطال افرادا وليس لبنان كدولة، وهي عقوبات لا تقدم ولا تؤخر ايا كان الافراد المعنيون، وقد سبق للولايات المتحدة الاميركية ان وضعت جدولا بأسماء مجموعة من اللبنانيين وفرضت عليهم عقوبات وجمدت ارصدتهم، وأما تأثير ذلك، فهو كتأثير تجميد أرصدة وئام وهاب الذي قرر تجميد ارصدة باراك اوباما في الجاهلية، وفي الوقت نفسه، يستعد لافتتاح أضخم مستشفى في الجبل الجنوبي بتمويل ايراني.

سادسا، كما تعايش الاميركيون، ومن خلفهم الغرب والعرب، مع اسقاط سعد الحريري، ومع انقلاب السلطة الحاكمة في لبنان، وكما تعايشوا قبل ذلك مع نتائج 7 ايار، وقبلها مع انتصار «حزب الله» في تموز 2006، ومع عدم القدرة على خلق اجماع حول المحكمة الدولية.. فإنهم سيتعايشون مع تمويل المحكمة ان حصل، وسيتعايشون مع عدم التمويل ان حصل ايضا، وسيكيّفون مصلحتهم وسياستهم على هذا الاساس، خاصة أن لسان حال الولايات المتحدة والغرب استقرار لبنان السياسي والأمني والاقتصادي في هذه المرحلة واتخاذ موقف الحياد من أحداث سوريا.

أيضا يمكن لمعارضي التمويل أن يستندوا على اتفاقية المحكمة التي تعتبرها الامم المتحدة صالحة وسارية المفعول، حيث يبرز الآتي:
اولا، ان نصوص الاتفاقية المتعلقة بالمحكمة، وكما يقول احد الخبراء القانونيين، لا تعطي في اي من بنودها، اي مستند قانوني يسمح للامم المتحدة باتخاذ عقوبات تجاه لبنان، لان هذا المحكمة ليست محكمة دولية بل هي محكمة ذات طابع دولي وبالتالي هي مقيدة بحدود السيادة اللبنانية. وهي بالاصل قائمة على تفويض، ولو نظرنا الى الحيثيات التي تقوم عليها الاتفاقية نجد انها مقيدة بطلب لبنان انشاءها، وأن وظيفتها قائمة على «مساعدة ودعم» لبنان، وهاتان العبارتان اي «المساعدة والدعم»، استخدمتا مرات متعددة في متن الاتفاقية.

ثانيا، ان لبنان وكما هو منصوص عليه في الاتفاقية نفسها، هو شريك مباشر وليس طرفا من بعيد، اي انه اعطي دور الشريك، اذ ان المحكمة انشئت بناء على طلبه، ووظيفتها الدعم والمساعدة، وأعطي حق التفاوض لبناء لجنة ادارة للمحكمة (حتى الآن ليس معلوما من هو ممثل لبنان في تلك اللجنة التي قال رئيس المحكمة انطونيو كاسيزي انها شكلت)، وأعطي حق صلاحية التفاوض لتفسير النصوص في حال النزاع، والأهم من كل ذلك ان لبنان اعطي حق طلب اعادة النظر في الاتفاقية او تعديلها. إذاً الاتفاقية تؤكد ان لبنان شريك كامل الصلاحية وفي الوقت ذاته لا تتيح هذه الاتفاقية للامم المتحدة امكانية الانتقال الى ممارسة عقوبات على لبنان لا وفق الفصل السابع ولا غيره من الفصول. وبالتالي لا يحق للامم المتحدة اذا ارادت ان تلتزم بمضمون اتفاقية تعتبرها قائمة وشرعية وسارية المفعول ان تتجاوز وظيفة «المساعدة والدعم»، وتنتقل الى ممارسة اي شكل من اشكال العقوبات على لبنان، ذلك ان تحوّل الامم المتحدة الى فرض عقوبات معناه انها تناقض مضمون الاتفاقية؟

ثالثا، ان امكانية فرض عقوبات تصبح متاحة في حالة واحدة، وهي نسف الاتفاقية وكل ما يتصل بالمحكمة، وخلق صيغة جديدة للاتفاقية وللمحكمة تتضمن آلية فرض عقوبات.

رابعا، ان التهويل المعتمد من قبل الاميركيين والغرب على لبنان، لا يرمي الى الضغط على لبنان لتمويل المحكمة، بقدر ما هو تهويل لعدم مبادرة لبنان الى طلب اعادة النظر بالاتفاقية اي بالمحكمة وما يتصل بها في آذار 2012، ذلك ان التمويل ان انقطع عنه لبنان، فلا يؤثر على عمر المحكمة اذ تبقى مستمرة ويمكن تأمين التمويل من مصادر اخرى، غير ان الامر يختلف مع طلب اعادة النظر بالاتفاقية.



2011-10-04