ارشيف من :أخبار لبنانية

عندما تنتقل «بارودة» بكركي من كتف إلى كتف

عندما تنتقل «بارودة» بكركي من كتف إلى كتف
غسان سعود -الأخبار

لم يعد المسّ بـ«كرامة» الصرح البطريركيّ «إهانة ما بعدها إهانة وتحدياً سافراً وغير مبرر للموارنة والمسيحيين»، تتطلب استنفار المجتمع للتأكيد أن «حائط بكركي ليس واطياً».
 
لم يعد توجيه انتقاد صغير إلى البطريرك الماروني، سواء على خلفية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو إدارية تتعلق بتسيير شؤون البطريركية يمثل «تطاولاً على رموزنا ومقدساتنا، وتهديداً جدياً للسلم الأهلي». ثمة شبان كانوا يظهرون الاستعداد لارتكاب جريمة بمجرد أن ينتقد أحد أمامهم البطريرك الماروني. لم يظهر هؤلاء يوماً دفاعاً عن شخص البطريرك؛ تحدثوا دائماً عن بكركي الرمز المقدس.
 
ثمة جمعيات قريبة من القوات ما كانت تجد مبرراً للانعقاد لولا بعض الانتقادات للبطريرك الماروني، فتلتئم طالبة تحرك النيابة العامة ضد كل من يظهره التحقيق شريكاً في حديث سيئ عن البطريرك؛ «لأن المسّ بالمقدسات ومشاعر فئة من الناس يقود إلى الفتنة والحرب الأهلية». خاضت القوات اللبنانية الانتخابات السابقة بوصفها الفريق الحامل لأمانات بكركي، ضد فريق يسيء يومياً إلى بكركي.

بعد مواقف البطريرك بشارة الراعي، تغير كل شيء. رسمياً تكتفي القوات اللبنانية بتأكيد تمايزها عن البطريرك في بعض المواقف، أما شعبياً فيتحدثون عن البطريرك الماروني بوصفه «صليباً علينا حمله» دون حرج. مرة أخرى تسقط السياسة «المقدسات»: «إن شاء الله لا يطول حمل هذا الصليب»، يقول أحدهم. فيما يقول آخر باستهزاء: «إما أنت أذكى من أن نفهمك أو أنك يا بطركنا «تخبص» من أول الطريق». يتذكر الآن أنصار القوات أن البطريرك سبق أن عقد عدة لقاءات مع مسؤولين سوريين. تتحدث صالونات القوات اللبنانية عن خضوع بطريرك الموارنة للتهديدات واستجابته لابتزازات، فيذهب شاب يدعى بيار دياب من بلدة عين إبل إلى القول على صفحة أحد أصدقائه على الفايسبوك: «القصة ليست بريئة، يضغطون عليه في شيء ما (...)».
 
وتطول جداً التعليقات. بعض المكاتب في وسائل إعلام 14 آذار تبدو أقرب حين يذكر أحدهم البطريرك الماروني اليوم إلى بعض المكاتب في وسائل إعلام 8 آذار حين كان يذكر أحدهم البطريرك الماروني قبل بضعة أشهر. فعلياً، تتجاوز الإهانات الموجهة إلى البطريرك الماروني الجديد من بعض أنصار القوات اللبنانية كل ما يمكن تخيله. يتصرفون كأنهم خسروا شيئاً ثميناً، ملكية خاصة. يمكن سماعهم في أحد المطاعم القريبة من ساحة ساسين، ينتقلون بسرعة من الانتقادات السياسية إلى تجريح شخصي يتناول البطريرك مباشرة. سقط «الرمز»، لم تعد إهانة البطريرك بالنسبة إلى هؤلاء «إهانة ما بعدها إهانة وتحدياً سافراً وغير مبرر للموارنة». مع العلم بأن بعض هؤلاء يقول إن من حقه بصفته مارونياً أن يقول عن بطريرك الموارنة كل ما يقوله فينزع منه ساعة يشاء «مجد لبنان»، لكن ليس من حق غير الموارنة أن يفعلوا ذلك.

يثير كل ذلك استياء بعض المؤيدين لقوى 14 آذار من الذين يرون في التشنيع الممارس يومياً بالبطريرك الراعي إهانة أكبر بكثير من تلك التي يُتهم العونيون بتوجيهها إلى البطريرك نصر الله صفير عام 1989. وهكذا ترتفع أصوات تسائل القواتيين كيف يسبّون البطريرك ساعة ويدافعون عن «بطركنا ومطراننا» ساعة. فتذكّر إحدى الصبايا بجنون «فريق موقع القوات اللبنانية» في كانون الأول 2007 حين رأى أحد المسؤولين في حركة أمل أن «المطران بشارة الراعي لم يعد راعياً صالحاً لرعيته»، فطلب الموقع اعتذاراً سريعاً من الرئيس نبيه بري؛ لأن «الاستخفاف بمشاعر المسيحيين في لبنان لن يمر مرور الكرام. والتطاول على مقدساتنا ورموزنا ومرجعياتنا الدينية لا تسامح فيه على الإطلاق».

في المقابل، العونيون لا يتفرجون. الدفاع عن «كرامة الصرح البطريركيّ» والتصدي لـ«الإهانات التي ما بعدها إهانات» هي معركتهم الشخصية. ويا ويل القوات، بات بعض نواب تكتل التغيير والإصلاح ممن كاد يصيبهم الحرم الكنسي في المرحلة السابقة من دعاة إنزال الحرم الكنسي بحق هذا أو ذاك، ممن يهينون «سيّدنا». من شبّ هنا على معارضة تدخل رجال الدين في السياسة، شاب على مباركة هذا التدخل. مرة أخرى يتضح أن موقف العونيين من تدخل رجال الدين بالسياسة لم يكن أبداً مبدئيّاً. فما دام «البطريرك معنا، عليه أن يتكلم أكثر ويحرجهم أكثر».

وسط أنصار القوات، يُخوّن الرئيس أمين الجميّل لمطالبته بالكف عن انتقاد البطريرك في الشارع والتوجه إلى الصرح البطريركي لمصارحة سيده بالهواجس. ووسط أنصار عون، يخوّن النائب سليمان فرنجية لمحاولته التأكيد أن البطريرك لكل الطائفة ولا يجوز لطرف أن يدعي الفوز بالبطريرك. يتشارك العونيون والقوات بعدة أمور، من بينها: تقديسهم من يتناغم معهم في السياسة، بسرعة لا توازيها إلا سرعة شيطنتهم لمن يختلف معهم في السياسة طبعاً.
2011-10-06