ارشيف من :أخبار لبنانية
تناقضات غرفة الاستئناف في المحكمة تدلّ على تسييسها
تسعى المحكمة الخاصة بلبنان الى تبييض صورتها عبر استخدام مكتبها الإعلامي أسلوب تضخيم الشكليات الإيجابية البسيطة، في مقابل التقليل من أهمية تجاوزات معايير العدالة. المسؤولون عن اعتقال أشخاص لنحو أربع سنوات لأسباب سياسية ما زالوا خارج إطار المحاسبة بفضل حمايتهم دولياً بواسطة المدعي العام.
عمر نشابة
قرّرت غرفة الاستئناف في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أمس «وجوب أن يقوم المدّعي العام (دنيال بلمار)، على وجه السرعة، بتسليم السيد جميل السيد إفادات بعض الشهود. ويؤيّد هذا القرار جزءاً من قرار سابق أصدره قاضي الإجراءات التمهيديّة (دنيال فرانسين) طالباً فيه الكشف عن المستندات». هذا ما ورد في مطلع بيان عمّمه المكتب الإعلامي في المحكمة من لاهاي أمس، وفيما يوحي ذلك بأن قرار غرفة الاستئناف حلّ مشكلة العقبات التي يضعها بلمار لمنع السيد من الوصول الى العدالة، وملاحقة المسؤولين عن اعتقاله لنحو أربع سنوات تعسّفاً، عبر تسليمه المستندات، يبرّر الجزء الثاني من نصّ البيان المماطلة في تحقيق العدالة، إذ ورد في البيان أنه «في ما يتعلّق بإفادات الشهود الآخرين، ردّت غرفة الاستئناف المسألة إلى قاضي الإجراءات التمهيديّة لمزيد من النظر فيها. ويجب على المدّعي العام الآن أن يعمل مع وحدة المتضرّرين والشهود في المحكمة لضمان ألاّ يعرّض الكشف عن هذه الإفادات أي شخص للخطر، وألّا يعرقل الإجراءات في قضيّة عيّاش وآخرين (أي قضية اتهام أربعة أشخاص ينتمون الى حزب الله بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري)». ولدى قراءة كامل نصّ قرار غرفة الاستئناف التي يترأسها القاضي الإيطالي أنطونيو كاسيزي، وتضمّ القاضيين اللبنانيين رالف رياشي وعفيف شمس الدين، إضافة الى القاضيين الأجنبيين ديفيد باراغواناث وكيال اريك بيورنبرغ، يتبين أنه يتضمّن تناقضات يصعب تفسيرها بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
قبل الإشارة الى مضمون القرار لا بدّ من التذكير بأن اللواء جميل السيد، المدير العام السابق للأمن العام، وثلاثة ضباط قياديين آخرين، هم المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج، والمدير السابق للاستخبارات في الجيش العميد ريمون عازار، والقائد السابق للحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، إضافة الى أربعة أشخاص آخرين، كانوا قد احتجزوا في السجن المركزي في رومية لنحو أربع سنوات بقرار بدا سياسياً بسبب انتفاء مبرّراته القضائية السليمة. وكشف فرانسين في 29 نيسان 2009 أن الشهود الذين استند القضاء اللبناني الى إفاداتهم لسجن الضباط الأربعة لا يتمتعون بالصدقية، ما يعني أنهم شهود زور وافتراء يفترض ملاحقتهم، وملاحقة من يقف خلفهم، قضائياً، الأمر الذي يسعى السيد إلى تحقيقه من خلال طلبه الحصول على محاضر إفاداتهم، لكن بعد مرور نحو عامين على تقديم السيد الطلب، ما زال بلمار يضع عقبات أمام تطبيق أوامر فرانسين بتسليمه المستندات. ورغم تلقي بلمار عدّة صفعات عبر رفض القضاة مبرّراته لعدم التسليم لم يتراجع عن سعيه إلى حماية شهود الزور ومن يقف وراءهم. ويبدو أنه وأركان مكتبه، وخصوصاً الأميركي داريل موندس، والألماني أيكهارت فيتهوبف، تمكنوا من إقناع قضاة غرفة الاستئناف بتمديد المماطلة في إتاحة الوصول الى العدالة لشخص سجن تعسّفاً لنحو أربع سنوات.
أبرز التناقضات التي تضمّنها قرار غرفة الاستئناف الذي صدر أمس جاءت على النحو الآتي:
1- في قضية تعريف الشهود وحمايتهم تضمّن قرار غرفة الاستئناف تناقضاً واضحاً، إذ جاء في نصّه أن استخدام السيد مصطلح «شهود زور» ليس مناسباً لأنهم لم يشهدوا أمام المحكمة، ولم يطلع قضاتها على إفاداتهم، لكن النصّ نفسه يمنح قضاة «وحدة الشهود والضحايا» في المحكمة الخاصة صلاحية النظر في ما اذا كان هؤلاء «الشهود» معرّضين للخطر بسبب تسليم السيد مستندات تتضمن أسماءهم. فكيف يمكن أن تؤمن المحكمة الحماية لأشخاص تدّعي أنهم شهود من دون تدقيقها في صحّة الإفادات التي أدلوا بها سابقاً، والتي أدت الى اعتقال أشخاص لنحو أربع سنوات؟
جاء في قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بالمحكمة وفي نظامها (المرفق بالقرار 1757) أن اختصاصها يقتصر على حماية الشهود الذين ستستدعيهم المحكمة بطلب من الادعاء أو الدفاع، غير أن بلمار كان قد أعلن عدم اعتماده إفادات الشهود الذين ترد أسماؤهم في المستندات التي يطلبها السيد. ورغم ذلك نجح بلمار، حتى الآن، في تأمين نوع من الحصانة القضائية لهم، ولمن يقف خلفهم لأسباب لا علاقة لها بالاعتبارات القضائية.
2- ادعت غرفة الاستئناف أنها ليست الجهة المخوّلة النظر في طلب السيد تنحية بلمار وتغريمه بسبب المماطلة والتلكؤ في تنفيذ الأحكام الصادرة عن قاضي الإجراءات التمهيدية، لكنْ في ذلك تناقض مع الصلاحيات التي تمنحها إياها قواعد الإجراءات والإثبات، إذ إن القاعدة 176 تجيز تقديم استئناف لـ «وجود خطأ في مسألة قانونية»، ولا شكّ في أن عدم ملاحقة بلمار بسبب تخلفه عن تنفيذ أوامر فرانسين يمثل خطأً في مسألة قانونية، فالقانون يملي على المدعي العام تنفيذ الأحكام الصادرة عن قاضي الإجراءات التمهيدية من دون مماطلة.
3- إن قرار دائرة الاستئناف يناقض حقّ الدفاع في الاطلاع على ما تقدم به الادعاء العام، إذ إن قضاة غرفة الاستئناف اطلعوا على مستندات أحالها مكتب بلمار عليهم من دون أن يتأمن لوكلاء المستدعي حقّ التشكيك في صدقيتها. وبالتالي صدر قرار محكمة الاستئناف من دون مراعاة للتوازن بين الادعاء والدفاع الذي يمثل ركيزة القضاء العادل.
------------------------------
بحماية بلمار
انكشف تلاعب أجهزة الاستخبارات في التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري منذ ظهور «الشاهد الملك» في وسائل الإعلام، وبعد انتقاله من السعودية الى فرنسا، حيث خضع لحماية استخباراتها، ومنها الى الإمارات، حيث حكمت عليه سلطاتها لاستخدامه جواز سفر أوروبياً مزوّراً، وذلك قبل «اختفائه». ويمنع بلمار ملاحقته من خلال رفضه تسليم السيد نصّ إفاداته الكاذبة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018