ارشيف من :ترجمات ودراسات
قدرات اسرائيلية عظمى... ولكن
يحيى دبوق
بيئة إسرائيل الاستراتيجية، بلا كثير من المجادلة، مشبعة بعوامل التهديد، التي قد لا تكون مسبوقة، منذ عقود. النفوذ الأميركي والغربي في المنطقة، من بوابة الاستحقاقات في العراق وأفغانستان، على أقل تقدير، آيل إلى التآكل، وأحد السيناريوات الأكثر ترجيحاً، أنه آيل إلى السقوط. وبانتظار البركان الأردني، المؤكد أن إسرائيل خسرت حتى الآن خسارة كبرى جراء سقوط حليفها حسني مبارك، الذي حيّد عنها التهديد الوجودي لعقود مضت، بل كان عوناً مركزياً لها في سياساتها في المنطقة، تجاه لبنان وفلسطين وسوريا.
ما يحدث في ليبيا وتونس، سواء نجحت المساعي الأميركية والغربية أو لم تنجح، لا يغير كثيراً من المشهد. أما ما يحدث في سوريا، فيتبين يوماً بعد يوم، أن الرهان الإسرائيلي خاسر، رغم ضخامة الجهد المبذول، وما زال، في الساحة السورية.
في لبنان، كما هو واضح، يتخبط أعوان واشنطن وأتباعها، بلا قدرة فعلية على التغيير. سقط الرهان على اجتثاث المقاومة جراء عوامل داخلية، وتبين عدم جدوى عدّ الأعوان خياراً عملياً مجدياً. لم ينجح هؤلاء حتى في تكوين عوامل ضغط، من شأنها أن تزعج المقاومة وتحرف أولوياتها، بعيداً عن إسرائيل والمنطقة. ما يضغط على إسرائيل أكثر، أنه في الوقت نفسه، تزداد المقاومة منعة واقتداراً، رغم حرب طويلة خاضتها عام 2006، ويوماً بعد يوم، تراكم عوامل القوة، في سباق مع جهوزية إسرائيل الهجومية، التي ثبت إلى الآن أنها لم تصل إليها، قياساً بجهوزية المقاومة
الدفاعية.
استقرار التحولات العربية على مشهد يهدد إسرائيل، واقع لا يمكن تل أبيب أن تقف بلا حراك لمواجهته. في السابق، منذ زرع إسرائيل في المنطقة، عمدت الدولة العبرية إلى خياراتها العسكرية لإخراج نفسها من التهديدات، وكانت المقاربة العسكرية هي الفضلى لديها، وخاصة في ظل توقع عدم القدرة على معالجة التهديدات، بأساليب أخرى. الذاكرة الإسرائيلية مليئة بنجاحات عسكرية وأمنية، ومن المستبعد ألا تكون حاضرة أمام طاولة نقاش أصحاب القرار في تل أبيب، للخروج من التهديدات.
عام 1956، كانت إسرائيل مطمئنة إلى نتائج حربها، فخاضتها بلا تردد. عام 1967، كان الجيش الإسرائيلي يستند إلى خطة تحييد سلاح الجو المصري، والانتهاء سريعاً لمكامن القوة لدى المصريين، فخاض أيضاً الحرب بلا تردد. عام 1982، لم يكن لدى إسرائيل أي مخاوف فعلية حيال موازين القوى في لبنان، لذلك لم تكن تشعر بأي تردد لاتخاذ القرار بشن الحرب؟ أما عام 2006، فكانت تقديرات الجيش الإسرائيلي أنه سيتمكن من حسم المعركة خلال أيام معدودة، الأمر الذي شجع القيادة السياسية على اتخاذ قرار الحرب، إلا أن «حسابات البيدر لم تكن مطابقة لحسابات الحقل».
ولا شك، في أن إسرائيل، عام 2011، لدى بحثها عن الخيارات العسكرية القادرة على قلب التحولات في المنطقة، ستجد نفسها ملزمة بخوض حرب على إحدى أو كل جبهات المقاومة والممانعة، الممتدة من طهران إلى غزة. وإذا كانت إحدى هذه الجبهات غير مجدية في تغيير المشهد، وأخرى تستعصي على إسرائيل ولا قدرة عليها، يبقى أمام إسرائيل الجبهتان اللبنانية والسورية. لكن أيضاً، دونهما عقبات وعوائق كابحة ومانعة.
ما الذي يمنع إسرائيل، عام 2011، من تفعيل خياراتها العسكرية، رغم كل الحاجة إليها؟ الإجابة بلا تردد، أن المواجهة، على نقيض من حروبها السابقة، غير مضمونة النتائج.
بالطبع، لدى إسرائيل كل الدوافع الممكن تصورها، حيال شن حرب، بالأمس قبل اليوم، واليوم قبل الغد. إلا أن المسألة لم تعد، كما في الماضي، مسألة دوافع، أو عوائق من نوع استكمال الظروف السياسية الدولية أو الإقليمية. وإذا كانت مشكلة إسرائيل في الماضي ترتبط أساساً في توقيت الحرب، لا في أساسها وإمكاناتها، باتت المسألة حالياً أكثر تعقيداً وأعمق؛ لأنها مرتبطة على نحو شبه حصري، بتفعيل القوة العسكرية وحدودها قدرتها على «توفير البضاعة». يضاف إلى ذلك، في هذه المرحلة، التحول في البيئة الاستراتيجية الضاغطة على إسرائيل. ويصح أن نقول إن كل عناصر
كبح تل أبيب باتت شبه مكتملة، توازي بل تزيد على الدوافع. مع ذلك، ولجهة لبنان تحديداً، يمكن القول إن قرار الحرب قد صدر بالفعل، لكنه معطل التنفيذ، لعدم اكتمال الجهوزية العسكرية، قياساً بما لدى المقاومة من قدرات. أما التحول في الساحات العربية، فعامل كبح إضافي، ليس أكثر. قرار الحرب على لبنان متخذ، يحول دونه قدرات المقاومة، وقياس إمكان تنفيذه، يبقى دائماً مرتبطاً، على نحو شبه حصري، بجهوزية المقاومة للرد والمواجهة.
المصدر: صحيفة الاخبار
بيئة إسرائيل الاستراتيجية، بلا كثير من المجادلة، مشبعة بعوامل التهديد، التي قد لا تكون مسبوقة، منذ عقود. النفوذ الأميركي والغربي في المنطقة، من بوابة الاستحقاقات في العراق وأفغانستان، على أقل تقدير، آيل إلى التآكل، وأحد السيناريوات الأكثر ترجيحاً، أنه آيل إلى السقوط. وبانتظار البركان الأردني، المؤكد أن إسرائيل خسرت حتى الآن خسارة كبرى جراء سقوط حليفها حسني مبارك، الذي حيّد عنها التهديد الوجودي لعقود مضت، بل كان عوناً مركزياً لها في سياساتها في المنطقة، تجاه لبنان وفلسطين وسوريا.
ما يحدث في ليبيا وتونس، سواء نجحت المساعي الأميركية والغربية أو لم تنجح، لا يغير كثيراً من المشهد. أما ما يحدث في سوريا، فيتبين يوماً بعد يوم، أن الرهان الإسرائيلي خاسر، رغم ضخامة الجهد المبذول، وما زال، في الساحة السورية.
في لبنان، كما هو واضح، يتخبط أعوان واشنطن وأتباعها، بلا قدرة فعلية على التغيير. سقط الرهان على اجتثاث المقاومة جراء عوامل داخلية، وتبين عدم جدوى عدّ الأعوان خياراً عملياً مجدياً. لم ينجح هؤلاء حتى في تكوين عوامل ضغط، من شأنها أن تزعج المقاومة وتحرف أولوياتها، بعيداً عن إسرائيل والمنطقة. ما يضغط على إسرائيل أكثر، أنه في الوقت نفسه، تزداد المقاومة منعة واقتداراً، رغم حرب طويلة خاضتها عام 2006، ويوماً بعد يوم، تراكم عوامل القوة، في سباق مع جهوزية إسرائيل الهجومية، التي ثبت إلى الآن أنها لم تصل إليها، قياساً بجهوزية المقاومة
الدفاعية.
استقرار التحولات العربية على مشهد يهدد إسرائيل، واقع لا يمكن تل أبيب أن تقف بلا حراك لمواجهته. في السابق، منذ زرع إسرائيل في المنطقة، عمدت الدولة العبرية إلى خياراتها العسكرية لإخراج نفسها من التهديدات، وكانت المقاربة العسكرية هي الفضلى لديها، وخاصة في ظل توقع عدم القدرة على معالجة التهديدات، بأساليب أخرى. الذاكرة الإسرائيلية مليئة بنجاحات عسكرية وأمنية، ومن المستبعد ألا تكون حاضرة أمام طاولة نقاش أصحاب القرار في تل أبيب، للخروج من التهديدات.
عام 1956، كانت إسرائيل مطمئنة إلى نتائج حربها، فخاضتها بلا تردد. عام 1967، كان الجيش الإسرائيلي يستند إلى خطة تحييد سلاح الجو المصري، والانتهاء سريعاً لمكامن القوة لدى المصريين، فخاض أيضاً الحرب بلا تردد. عام 1982، لم يكن لدى إسرائيل أي مخاوف فعلية حيال موازين القوى في لبنان، لذلك لم تكن تشعر بأي تردد لاتخاذ القرار بشن الحرب؟ أما عام 2006، فكانت تقديرات الجيش الإسرائيلي أنه سيتمكن من حسم المعركة خلال أيام معدودة، الأمر الذي شجع القيادة السياسية على اتخاذ قرار الحرب، إلا أن «حسابات البيدر لم تكن مطابقة لحسابات الحقل».
ولا شك، في أن إسرائيل، عام 2011، لدى بحثها عن الخيارات العسكرية القادرة على قلب التحولات في المنطقة، ستجد نفسها ملزمة بخوض حرب على إحدى أو كل جبهات المقاومة والممانعة، الممتدة من طهران إلى غزة. وإذا كانت إحدى هذه الجبهات غير مجدية في تغيير المشهد، وأخرى تستعصي على إسرائيل ولا قدرة عليها، يبقى أمام إسرائيل الجبهتان اللبنانية والسورية. لكن أيضاً، دونهما عقبات وعوائق كابحة ومانعة.
ما الذي يمنع إسرائيل، عام 2011، من تفعيل خياراتها العسكرية، رغم كل الحاجة إليها؟ الإجابة بلا تردد، أن المواجهة، على نقيض من حروبها السابقة، غير مضمونة النتائج.
بالطبع، لدى إسرائيل كل الدوافع الممكن تصورها، حيال شن حرب، بالأمس قبل اليوم، واليوم قبل الغد. إلا أن المسألة لم تعد، كما في الماضي، مسألة دوافع، أو عوائق من نوع استكمال الظروف السياسية الدولية أو الإقليمية. وإذا كانت مشكلة إسرائيل في الماضي ترتبط أساساً في توقيت الحرب، لا في أساسها وإمكاناتها، باتت المسألة حالياً أكثر تعقيداً وأعمق؛ لأنها مرتبطة على نحو شبه حصري، بتفعيل القوة العسكرية وحدودها قدرتها على «توفير البضاعة». يضاف إلى ذلك، في هذه المرحلة، التحول في البيئة الاستراتيجية الضاغطة على إسرائيل. ويصح أن نقول إن كل عناصر
كبح تل أبيب باتت شبه مكتملة، توازي بل تزيد على الدوافع. مع ذلك، ولجهة لبنان تحديداً، يمكن القول إن قرار الحرب قد صدر بالفعل، لكنه معطل التنفيذ، لعدم اكتمال الجهوزية العسكرية، قياساً بما لدى المقاومة من قدرات. أما التحول في الساحات العربية، فعامل كبح إضافي، ليس أكثر. قرار الحرب على لبنان متخذ، يحول دونه قدرات المقاومة، وقياس إمكان تنفيذه، يبقى دائماً مرتبطاً، على نحو شبه حصري، بجهوزية المقاومة للرد والمواجهة.
المصدر: صحيفة الاخبار
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018