ارشيف من :أخبار لبنانية
أنطونيو كاسيزي: القاضي العريق الذي خيبت آماله «الظروف الصعبة» للمحكمة الخاصة بلبنان
عمر نشابة ـ صحيفة "الاخبار"
فقد المجتمع الدولي القاضي أنطونيو كاسيزي، أحد أبرز رجالات المحاكم الدولية الاستثنائية. توفي كاسيزي بعدما شغل منصب رئيس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي تميزت عن جميع المحاكم الدولية بضيق اختصاصها القضائي المعني بجريمة إرهابية، غاب الإجماع الدولي عن تعريفها قانونياً. عانى القاضي ما بدا تفوّقاً للسياسة على العدل، ولم يتراجع حتى اللحظة الأخيرة
توفي ليل الجمعة الفائت أحد أبرز الشخصيات في مجال العدالة الدولية، الرئيس السابق للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، القاضي أنطونيو كاسيزي، في منزله في فلورنسا (إيطاليا) إثر صراع طويل مع مرض السرطان. للأستاذ الجامعي في القانون الدولي (جامعة فلورنسا في إيطاليا من عام 1975 حتى عام 2008)، والرئيس السابق للجنة الأوروبية ضدّ التعذيب (1989ـــــ1983)، ومؤسس النشرة الدولية للعدالة الجنائية (جامعة أوكسفورد البريطانية)، البروفسور أنطونيو كاسيزي، العديد من المنشورات الأكاديمية والاستشارات القضائية. وبين عامي 1987 و1993، شغل منصب أستاذ في القانون في المعهد الجامعي الأوروبي، وكان أستاذاً زائراً في جامعة أكسفورد (1979ـــــ1980).
القاضي الإيطالي ترأس المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (1993ـــــ1997)، وفي 2004، عيّنه الأمين العام للأمم المتحدة رئيسًا للجنة التحقيق الدولية لدارفور. وعيّن في ما بعد خبيراً مستقلاً للنظر في الكفاءة القضائية للمحكمة الخاصة بسيراليون. وفي 2009 عين القاضي كاسيزي رئيساً للمحكمة الخاصة بلبنان. «لقد حاولت طيلة سنتين ونصف سنة أن أقود المحكمة بصورة فعالة وعادلة في ظل ظروف صعبة»، قال كاسيزي في تصريحه الإعلامي الأخير قبل وفاته، إثر تنحيه فجأة عن رئاسة المحكمة الخاصة بلبنان في 11 تشرين الأول الجاري.
كان التحدي الأبرز الذي واجهه كاسيزي هو فصل السياسة عن القضاء، وخصوصاً في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، حيث حدّد الاختصاص القضائي بالنظر في جريمة إرهابية بغياب إجماع دولي على تعريف الإرهاب. ففي 2008 كتب كاسيزي «إن النقاش بين الدول بشأن تعريف الإرهاب منذ سبعينيات القرن الماضي لا نهاية له. ويرتكز هذا النقاش على سؤالين: هل يمكن تصنيف المناضلين من أجل التحرّر من القمع والاحتلال إرهابيين؟ وهل يجب الخوض في البحث عن أسباب الضلوع في أعمال يمكن تصنيفها إرهابية قبل تجريمها قانونياً؟ دول عدة ترددت في حسم تعريف الإرهاب قبل التوصل الى إجابات مقنعة عن هذين السؤالين» (Cassese, International Criminal Law, 2008 Oxford, page 162). وبينما أقرّ في 16 شباط الفائت بأنه لا خلاف على تعريف القانون اللبناني للإرهاب، كان كاسيزي قد أدلى بشهادة خطية أمام المحكمة الإسرائيلية عام 2002، أشار فيها إلى أن القانون الدولي الإنساني يتيح إطلاق النار على المشتبه فيهم بالإرهاب إذا لم يستجيبوا لطلب إظهار كونهم لا يحملون متفجرات (للاطلاع على النص الكامل بالإنكليزية لرأي كاسيزي القانوني في هذا الشأن زوروا: العنوان الإلكتروني http://www.stoptorture.org.il/files/cassese.pdf).
لا شكّ أن «دولاً عديدة» لا توافقه هذا الرأي القانوني، وبالتالي يتحول تعريف الإرهاب الى قضية سياسية خلافية تمثل عقبة أمام المحاكمات العادلة. أما بشأن التدخل السياسي في العدالة الدولية، فقد شرح كاسيزي بعض جوانبه لـ«الأخبار» في 23 نيسان 2009، بعد أيام قليلة من انطلاق عمل المحكمة، حيث قال: «أشعر أخلاقياً بأنني أعاني ازدواجية، لا بل أنا أتخبّط عندما ألاحظ أننا نقوم بعدالة انتقائية» (الحديث مسجّل ومنشور)، ملمحاً إلى إغفال المجتمع الدولي ملاحقة جرائم غوانتانامو والعراق وغزة وغيرها.
رفض التعاون مع المحكمة
يضطلع رئيس المحكمة بمسؤوليات واسعة النطاق، تتضمن الإشراف على سير عمل المحكمة بفعالية، وحسن سير العدالة، وكذلك تمثيل المحكمة في علاقاتها مع الدول، والأمم المتحدة، والهيئات الأخرى. وكان الرئيس كاسيزي قد سعى الى إقناع بعض الدول مثل فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسعودية وتركيا وايران وسوريا وغيرها بتوقيع اتفاقات تعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان، لكن محاولاته فشلت لأسباب سياسية. وجاء في الصفحة الـ36 من تقرير كاسيزي الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في آذار 2011: «أعربت دول عدة عن عدم استطاعتها إبرام اتفاقات رسمية لمواجهتها صعوبات محليّة في المصادقة على أي معاهدة دولية، وتنفيذها على وجه السرعة. عوضاً عن ذلك، عرضت هذه الدول أن تتعاون مع المحكمة بنحو غير رسمي في كل قضية على حدة. وفي غياب قرارات ملزمة صادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بسبب الوضع القانوني الفريد للمحكمة، لم يوضع أي إطار قانوني متين للتعاون مع الدول، إلا مع الدولة اللبنانية». يستدعي ذلك التوقف عند النقاط الآتية: أولاً، إن «الصعوبات» التي واجهتها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عام 2007 في إبرام الاتفاق الدولي الذي ينشئ المحكمة الدولية عبر القنوات الدستورية اللبنانية تتناسب مع الصعوبات التي تواجهها أي دولة من الدول الأعضاء في منظّمة الأمم المتحدة لإقرار اتفاقات تتجاوز السيادة القضائية لتلك الدول. وبالتالي فإن كاسيزي أقرّ بنحو غير مباشر بأن الدول التي تتمسّك بسيادتها الوطنية لا توافق على توقيع بروتوكولات تعاون مع المحكمة الدولية، أما لبنان، فبدا فاقداً السيادة. ثانياً، إن تعاون الدول غير الرسمي مع المحكمة «في كل قضية على حدة» هو تعاون انتقائي يخضع لاعتبارات سياسية مرتبطة بحفاظ تلك الدول على مصالحها. في المقابل، لا يخضع تعاون لبنان لهذه الاعتبارات، فقد سُلّم مصيره للعبة الأمم، وأصبحت مصالحه في مهبّ العواصف السياسية الدولية، التي لا يمكن أن تتحكم الدولة فيها. ثالثاً، إن عدم تعاون الدول مع المحكمة قد يمنعها من تحقيق العدالة. ففي تقريره، شدّد كاسيزي على «أن تعاون الدول عنصر حاسم في تمكين مكتب المدعي العام من إنجاز ولايته بنجاح. وغالباً ما يصعب الحصول من الدول على تعاون، وفي بعض الأحيان على معلومات، في الوقت المناسب».
من لاهاي إلى رومية
اضطلعت السلطات اللبنانية بالإدارة اليومية لنظام احتجاز المحكمة الخاصة بلبنان أربعة أشخاص (الضباط الأربعة) في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري رغم انطلاق عملها في 1 آذار 2009. وبقي هؤلاء محتجزين في سجن رومية لحين صدور أمر عن قاضي الإجراءات التمهيدية دنيال فرانسين في 29 نيسان 2009 بفكّ احتجازهم، لكن خلال مدة الاحتجاز وجّه كاسيزي مذكرة الى السلطات اللبنانية طلب فيها تحسين ظروف الاحتجاز، وطلب تأمين كامل حقوقهم في ما قد يعدّ مساهمة أساسية في الدعوة الى تحسين أوضاع السجون في لبنان. وجاء في مذكرة كاسيزي التي صدرت في 21 نيسان 2009 طلب «ضمان إعمال حق الأشخاص المحتجزين في التخاطب على نحو حر وسري مع وكلائهم». ويُفهم من ذلك أن تتخذ السلطات اللبنانية كل التدابير الأمنية التي تراها لازمة في ضوء هذه الظروف، ولا سيما «المراقبة المرئية عبر كاميرات الفيديو ذات التحكّم عن بعد طالما يجري احترام الحق في التخاطب سرياً مع الوكيل». وطلب كذلك «إنهاء نظام فصل الأشخاص المحتجزين وضمان اتصال الأشخاص المحتجزين بعضهم ببعض». فهل تؤمَّن هذه الحقوق التي أثارها الرئيس الراحل للمحكمة الخاصة بلبنان لجميع السجناء في رومية؟.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018