ارشيف من :ترجمات ودراسات

بنيامين نتنياهو.. سيئ لليهود

بنيامين نتنياهو.. سيئ لليهود
المصدر: "موقع NFC الاخباري ـ إلياكيم هعتسني"

"في صحيفة "مكور ريشون" في 28/9/2011 تم نشر مقابلة أجراها الصحفيان أمنون لورد وأريئيل كاهنا، مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، حيث لم يحجما عن طرح أسئلة صعبة. ومن خلال الإجابات، المخلصين لإسرائيل لن يحصلوا على الكثير من الراحة.
هنا الفقرة الأولى في تبرير رئيس الحكومة لخطواته السياسية:
"هذا ليس عالما كاملا. من يريد الكمال، سيجد نفسه سريعا في زاوية صعبة، اعتبر انه يجب أن نتجنب الدخول إليها".
 بشكل عام، هذه نصيحة جيدة ولكن كيف يطبقها رئيس الحكومة؟
نبدأ بعمل سياسي هام قام به بعد إجراء المقابلة، وهو القرار بالسماح ببناء ما يقارب 1100 وحدة سكنية في حي غيلا في القدس. من خلال القيام بهذه الخطوة أظهر رئيس الحكومة شجاعة، بشكل خاص عند الأخذ بعين الاعتبار أن الطلب الفلسطيني بالحصول على عضوية في الأمم المتحدة عالق ومتوقف وكذلك أرسلت "دعوة" (بمثابة طلب) من قبل الرباعية للبدء فورا "بمحادثات تقارب" مع رام الله، خلال جدول أعمال يقارب 12 شهرا حتى التوصل إلى دولة فلسطينية.
الأهمية الكاملة لقرار نتنياهو بإعادة البناء في القدس التاريخية يمكن أن يقدّر على خلفية الرد الغاضب للمستشارة الألمانية مركل، التي قالت بشكل لاذع: إن هذا العمل يثبت انك لست مهتما على الإطلاق لمفاوضات السلام!
وعلى التوالي، عمل نتنياهو وفق رأيه. منح الرباعية موافقته على البدء بمفاوضات فورا "من دون شروط مسبقة"، وفي المقابل!  ـ رام الله أجابت (كما كان متوقعا) بامتناع مطلق، إلا إذا التزمت إسرائيل بالانسحاب إلى حدود 67 وتوقفت فورا بشكل تام عن أي بناء، بما في ذلك في القدس. يبدو أن نتنياهو لم يتفاجأ من الرد العربي وحظي بانتصار تكتيكي في اللعبة الدبلوماسية. ظاهريا، سجل انتصارا لنظريته ـ "عدم الدخول إلى الزاوية!"
ولكن يطرح سؤال، هل يساوي هذا الانتصار التكتيكي الضرر الاستراتيجي على المدى البعيد؟ عن هذا الموضوع يمكن أن نعلم من خلال استكمال سرد القصة، من رد نتنياهو على تأنيب أنجيلا ميركل، بهذه الكلمات:
"غيلا ليست مستوطنة، غيلا تبعد خمس دقائق عن وسط القدس"!
كيف يستطيع شخص مسؤول التفوه بهذه الإجابة؟ بالطبع نتنياهو لا يعتزم تجميد كل البناء في يهودا والسامرة من الآن وصاعدا، والدليل ـ يمتنع عن الإجابة على مطلب العرب بالالتزام بالموضوع! إن كان الأمر كذلك، يبدو انه أقحم نفسه بالضبط في الزاوية التي حذّر منها. فهنا إن كان البناء مسموح في القدس فقط لأنها ليست "مستوطنة"، النتيجة الواضحة أن بناء المستوطنات ـ ممنوع!
هل نتنياهو حقيقة ينوي تجميد من الآن والى الأبد أي بناء في يهودا والسامرة؟ هل هو واثق أن أصدقاءه وحكومته سيتيحون له هذا الأمر؟ إن لا، كم من الوقت سيمر حتى "تمسك" به ميركل في هذه الزاوية.
هذه الزاوية، "زاوية ميركل"، تعتبر صغيرة بالنسبة إلى الزاوية الكبيرة، المصيرية والحاسمة، التي جزّ نتنياهو نفسه فيها، وهي الدولة الفلسطينية. في هذا الموضوع طرح امنون لورد واريئيل كاهنا على رئيس الحكومة هذا السؤال الملغوم:
"خلال المقابلات التي أجريتها مع قنوات التلفزة قلت إن موضوع الدولة الفلسطينية هو تقريبا محل إجماع لدى الشعب، وأنت قدمت ذلك لليكود. اعترف أنني لا أفهم. سمعنا منك طوال سنوات، كم أن هذا الموضوع سيء. أنت قلت: "نعم" للدولة الفلسطينية و"لا" للدولة إسرائيل... كيف تحرفنا 180 درجة عما قلته لنا طوال هذه السنوات"؟
وحيال هذا الموضع أجاب نتنياهو:
"في الحقيقة لا... لدينا عاملين أساسيين، إلى هذه اللحظة الفلسطينيون لم يوافقوا عليهما في الحقيقة. تحدثت عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح وتعترف بدولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي. الفلسطينيون ليسوا مستعدين للموافقة على هذا الأمر أو على ذاك"...
لا يمكن فهم هذا الرد، ولكن إذا افترضنا أن نتنياهو لم يغيّر معارضته لدولة فلسطينية، ولذلك اشترط موافقته على إقامتها بشرطين لا يمكن تحقيقهما، وكأنه يقول لنا: ليس هناك ما يقلق، صحيح أنني منحت الفلسطينيين واليسار الإسرائيلي انتصارا استراتيجيا كبيرا، ولكن عثرت على طريقة تكتيكية لإزالته.
هذه الأمور تعيدنا إلى "الزاوية" التي يخشى نتنياهو إلى حد كبير أن يحشر فيها. لأن التكتيك المميز له ـ التنازل عما هو لنا وفق العقيدة، الثقافة، التاريخ وأيضا وفق القانون الدولي، وبدلا عن ذلك نوزع كل أمالنا على أنواع الحيل والمخادعات التكتيكية مثل مطلب الاعتراف العربي بـ "يهودية الدولة" ـ يفهم كتملص غير جوهري، غير موثوق به، وغير محترم، وبشكل أساسي ـ كذريعة مؤقتة وعابرة. الذي سيبقى ومن المتوقع أن يجني منا ثمنا وجوديا، تاريخيا، هو التنازل الاستراتيجي، الأساسي عن إرث الأجداد، عن روح العقيدة الصهيونية.
هذه هي الزاوية، التي يدفع نتنياهو والمؤيدين للتكتيك قصير المدى شعبهم إلى داخلها. كذلك الحجج مثل إزالة الطابع العسكري أو "التنظيم الأمني" نهايتها السقوط مثل الريش المنزوع، والذي سيبقى هو زاوية السيادة الفلسطينية التي لا مفر منها، لأن السيادة تمتلك حقا حصريا، ومن اللحظة التي يمتلكون فيها حقا كهذا، فإن أي تحاذق من ناحية اليهود لن ينجح. حينها سيتضح، أن العرب الذين تمسّكوا بموقفهم الأساسي ولعبوا حتى النهاية الدور المضلل على أنهم هم وفقط هم أصحاب الدار الحقيقيين للأرض ـ إلى حد كبير كانوا أكثر ذكاء من اليهود، الذين يحبون أن يسموا أنفسهم "الشعب الذكي والفطن". تبدلت الأدوار: هم ـ الذين إلى الأمس لم يكونوا شعبا على الإطلاق، يقلّدون اليهود ويتظاهرون بأنهم "الشعب التاريخي"، يدخلون إلى الزاوية اليهود الحاليين الذين يلاحقون التفوق الآني وكما متوقع يبيعون امتيازهم بثمن بخس مقابل الارتياح الفوري.
كذلك أجاب نتنياهو على سؤال طرحه الصحافيون، لماذا غيّر رأيه في الموضوع الفلسطيني، والرد هو:
"منذ بداية التسعينيات قلت إنني لا أريد الارتباط بالفلسطينيين ... ليس كمواطنين... وليس أيضا... كمواطني دولة إسرائيل. إن تم زيادة مليون ونصف مواطن هنا... إسرائيل لن تكون دولة يهودية. وهذا يؤدي إلى نهاية الصهيونية..." 
هنا، فجأة، يظهر نتنياهو آخر. ما من جدال تكتيكي آخر مع اليمين لأن الهدف ما زال مشتركا، بل عقيدة مشابهة تماما لعقيدة اليسار، ومعها العبارة المميزة "معسكر السلام".
بعدما ذكّر الصحافيون نتنياهو بكتابه "مكان تحت الشمس"، لم يستطع إنكار ما كتبه هناك ويتعارض بشكل كلي مع سياسته الحالية، وبالفعل يعترف هنا بكلمات صريحة، انه باكرا جدا "منذ التسعينيات" هو بالفعل غيّر رأيه وتبنّى الموقف الأساسي لليسار.
ولكن، على ما يبدو من أجل أن  يلطّف الأمور، كرر نظريته وأثنى على التكتيك، باشتراط الوضع التالي:
"ثمة حاجة  لتقييد صلاحيات تلك الدولة، وعلى رأسها كل ما يتعلق بالتجرد من السلاح".
ومن هنا استطيع أن أشهد بنفسي على ما سمعته من محاضرة نتنياهو في نهاية التسعينيات. نتنياهو أجاب عن سؤال في خصوص موضوع الدولة الفلسطينية. الجواب ناقض تماما الكلام الذي ينسبه لنفسه حاليا مع كلامه في "بداية التسعينيات"، وكانت أقوال مهمة أثارت حينها انطباعي من خلال منطقها السياسي.
وهذا ما قاله نتنياهو:
على ما يبدو، يجب ـ على الأقل ـ فرض القيود الضرورية التالية على الدولة الفلسطينية:
أ‌. تجريد كامل من السلاح.
ب‌. رقابة إسرائيلية على الواردات والصادرات.
ج‌. سيطرة إسرائيلية على المجال الجوي.
د‌. منع فسخ الاتفاقيات (أو اتفاقيات معينة) مع الدول الخارجية.
ه‌. رقابة على المياه.
من دون هذه القيود، دولة فلسطين ستشكّل خطرا على دولة إسرائيل.
ولكن ـ وهنا أطلق كلمة "ولكن" كبيرة ـ في اللحظة التي تحصل فيها فلسطين على مرتبة دولة، فهي من دون شك ستلغي كل هذه القيود بإشارة واحدة، وكل العالم سيؤيدها. لأنه لا يمكن التوقع من أي كيان ذات سيادة، من العيش مع قيود كهذه، التي تمحي ماهية السيادة. وعليه، هكذا نتنياهو، منذ البداية ممنوع أن يسمح بقيام دولة فلسطينية، لأنه بعد قيامها لا يمكن لأي أمر أن يتوقف من أجلها.
مقالة مكتوبة (يديعوت أحرونوت، 28/12/2001) تعبر عن هذه الفكرة. الكاتب يرى "خطأ مهددا" بإقامة دولة فلسطينية برئاسة عرفات، من جملة أمور لأننا "نعطيه، بموافقتنا على فكرة "دولة" كل الصلاحيات السيادية (مثل السيطرة على الحدود والسيطرة على المجال الجوي) التي ترافق هذه الفكرة وبمقدورها أن تدمر إسرائيل... من الممكن حصول اتفاق مستقبلي تكون فيه للفلسطينيين صلاحية سيطرة مستقلة، ولكن من دون تلك الصلاحيات والقدرات التي باستطاعتها تهديد وجودنا".
إلى حد الآن نتنياهو الأول (ما زلنا في شهر كانون الأول 2001!). للأسف، نحن الآن في عهد نتنياهو الثاني، الذي آراءه ومواقفه تعرّض الموضوع القومي اليهودي في أرض إسرائيل للخطر.
المعسكر المخلص لأرض إسرائيل يجب أن يفكر مليا بمواصلة طريقه مع هذا الزعيم، لأنه إذا لا قدر الله حان وقت الامتحان وهو لا يستطيع الفرار من إحدى الزوايا التي جز بنفسه بها ـ فقد يحقق حتى الحرف الأخير من رؤى شمعون بيريز، يوسي بيلين وايهود باراك، وأيضا القول للمعسكر القومي "قلت لكم" ـ وحينها لن يستطيع أي شخص أن يتفاجأ".
2011-10-25