ارشيف من :أخبار لبنانية
مشروع قانون موازنة سنة 2012
الياس سابا-السفير
1 ـ تضمنت المادة 83 من الدستور ثلاث ركائز وجب ان تستند إليها موازنة الدولة اللبنانية:
أ ـ ان تشتمل على نفقات الدولة ودخلها، وليس على أي أمر آخر (حصرية الموازنة)؛
ب ـ ان تكون شاملة كافة نفقات الدولة ودخلها وليس البعض منها فقط (شمولية الموازنة)؛
ج ـ ان تكون مدة نفاذها هي سنة مالية واحدة فلا تتعداها (سنوية الموازنة)، علماً بأن السنة المالية في لبنان هي السنة الشمسية التي تبدأ في 1/1 وتنتهي في 31/12. وعليه، واستناداً إلى هذا النص الدستوري، فإن مشروع موازنة سنة 2012 الموجود بين أيدي الوزراء يُمعن في مخالفة الدستور بشكل فاضح وبصورة مكررة ومتمادية!
2 ـ تم رفع معدل الضريبة على القيمة المضافة بنسبة عشرين في المئة، من 10 إلى 12%. وهذه نسبة ارتفاع غير بسيطة. كما ان الضريبة على القيمة المضافة هي أصلاً ضريبة غير عادلة لأنها تصيب الاستهلاك ولأنها تعامل المكلفين غير المتساوين اقتصادياً بالتساوي! كذلك، فإن رفع نسبتها في الظرف الاقتصادي الراهن الذي تشهد فيه البلاد ركوداً أو حتى تراجعاً اقتصادياً، كما تشهد نسب تضخّم غير بسيطة، يمكن ان تعمّق حال الركود وتزيد في نسبة التضخم، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ثم ان قانون الضريبة على القيمة المضافة يشكو أصلاً من خلل بنيوي لأنه ينطوي على ازدواج ضريبي فاضح: فهذه الضريبة تُستوفى حتى على الرسوم الجمركية! وهو أمر مستغرب ومستهجن، بخاصة في ظل سعي الحكومات المتعاقبة منذ أواخر 1992 لعقد اتفاقات منع الازدواج الضريبي بين لبنان وعدد كبير من الدول، بغض النظر عن أهمية علاقات لبنان الاقتصادية معها!
3 ـ تم رفع معدل ضريبة الدخل (الباب الثالث ـ الضريبة على دخل رؤوس الأموال المنقولة) من 5% إلى 8%، أي بنسبة 60%. وهذه نسبة مرتفعة جداً. وبالرغم من ان الضريبة على دخل رؤوس الأموال هي، بحد ذاتها، وبالمبدأ، ضريبة عادلة لأنها تصيب الريع وليس العمل أو الإنتاج أو الاستهلاك، إلا انه يجب ان لا نغفل عن ان عدداً لا يستهان به من اللبنانيين أصحاب المداخيل المتواضعة لا مورد لهم سوى الفوائد على مدخراتهم، بخاصة المتقاعدين والأرامل والعاطلين عن العمل... الخ.
لذلك، لا نفهم لماذا لم يلحظ مشروع الموازنة مبدأ الإعفاء على الأساس (أي التنزيل)، فتُعفى من هذه الضريبة الفوائد التي توازي مثلاً الحد الأدنى للأجر أو ما يقاربه، وتُفرض الضريبة على ما يزيد على ذلك. وهذا المبدأ معمول به في النظام الضرائبي اللبناني، سواء في ضريبة الدخل على الرواتب والأجور ومعاشات التقاعد (الباب التالي)، أو في ضريبة الأملاك المبنية، التي بالمناسبة، رفع مشروع الموازنة تعداد التنزيل فيها من ستة إلى ثمانية ملايين ليرة سنوياً. ولا بد من الإشارة هنا إلى ان اعتماد مبدأ التنزيل من دخل الفوائد قد يأتي بايجابيات جانبية، إذ قد تنتج عنه إعادة توزيع للودائع الكبيرة بين المصارف، الأمر الذي قد يخفف من حدة تمركز الودائع لدى المصارف.
ومن المفيد الإشارة هنا إلى ان هذه الضريبة، في ظل وضع الخزينة العاجز باستمرار، وبالتالي في ظل حاجة الخزينة المستمر إلى الاقتراض، تؤدي إلى رفع الفوائد، وبالتالي إلى تكبيد الخزينة أعباء إضافية. لذلك لا يجوز ان يُنظر إلى عائدات هذه الضريبة كأنها عائدات صافية!
4 ـ واضح ان بعض الضرائب والرسوم هي أكثر عدالة وأجدى وأنفع اقتصادياً من غيرها. لذلك، لا يجوز ان يجري تقييم الضرائب والرسوم والمفاضلة بينها فقط نسبة إلى سهولة فرضها سياسياً أو سهولة جبايتها وتحصيلها إدارياً أو حتى إلى حجم مردودها. وفي مشروع موازنة 2012، نجد ان زيادة الضريبة على الفوائد وفرض ضريبة على التفرغ عن العقارات هما أفضل وأكثر عدالة من رفع الضريبة على القيمة المضافة. إلا أن رفع نسب الضرائب و/او فرض ضرائب جديدة، حتى الضرائب العادلة، أمر غير مستحب في ظرف اقتصادي متراجع أو راكد.
والمعروف ان لبنان يشهد منذ نهاية 2010 انحساراً في التدفقات المالية من الخارج، بالأساس بسبب انتهاء المفاعيل الايجابية عليه للأزمة المالية التي بدأت أواخر صيف 2008 ولتداعياتها (سجل ميزان المدفوعات فائضاً بلغ حوالى 3,5 مليارات دولار سنة 2008 وحوالى 7,9 مليارات دولار سنة 2009 ثم انخفض إلى حوالى 3,3 مليارات سنة 2010. أما خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2011 فأنه سجل عجزاً بحوالى 786 مليون دولار).
ومعروف ان التدفقات المالية تلعب دوراً مهماً ومحورياً في تحريك واستمرار نمو الاقتصاد اللبناني. وعليه، فالحكمة تقضي بخفض الضرائب والرسوم خلال فترات التراجع والانكماش، أو على الأقل عدم زيادتها. هذه هي مبادئ علم المالية العامة الصحيحة. وهذا ما تقول به السياسة المالية التعويضية Fisical Compensatory Policy. فتتوازن المالية العامة خلال فترة الدورة Cycle الاقتصادية ككل، وليس بالضرورة ضمن السنة المالية الواحدة.
ان زمن زيادة الضرائب في لبنان، حتى العادلة والمفيدة منها، ليس الآن: فلقد تأخرنا عن ذلك حوالى ثلاث سنوات! هذا الكلام قد يصبح أوضح عندما ننظر إلى الضريبة المقترحة على بيع العقارات (3%): ذلك ان القطاع العقاري الذي يشكل رافعة قوية للنشاط الاقتصادي في لبنان، يشهد اليوم تراجعاً وركوداً، وفرض الضرائب الجديدة عليه في هذا الظرف ليس مناسباً لأنه سيؤدي إلى تعميق أزمة القطاع، ما ينعكس سلباً على كافة القطاعات الاقتصادية لما للقطاع العقاري من موقع مركزي ومحوري في الاقتصاد اللبناني.
5 ـ ثم ان هنالك مقولة طالما سمعناها على أَلسنة العديد من المسؤولين عن المالية العامة خلال السنوات العشرين الأخيرة، كما ان كثرة من «أصحاب الرأي» المعنيين يبدو انهم يقبلونها على هناتها دونما أي تمحيص أو تدقيق مع الأسف. وآخر ما قرأنا في هذا الخصوص هو كلام ورد على لسان مسؤول معني خلال محاضرة جاء فيها: «إن أي إلغاء لضريبة في الموازنة سيقابله إلغاء الدعم عن مشروع اجتماعي أو اقتصادي» (جريدة «السفير»، عدد الجمعة 21/10/11 ص.6). ولبّ هذه المقولة هو انه لا يمكن زيادة النفقات العامة لأي غرض كان إلا إذا أمّنا بالمقابل واردات جديدة أو إضافية بقيمة زيادة النفقات المطلوبة.
بديهي وواضح ان هذه المقولة (او هذا الادعاء) غير صحيحة منطقياً (أي ضمن حدود علم المنطق) كما أنها مردودة عملياً. فهل صحيح ان جميع النفقات العامة لها أولوية على النفقات الجديدة المقترحة؟ طبعاً ليس بالضرورة. وهل لا يمكن ان نُعيد توجيه Re-Direct بعض النفقات الحالية لتأمين المال الكافي للنفقات الجديدة المقترحة؟ طبعاً يمكن!
بكلام آخر، ان أي نفقات إضافية تجد الدولة ان لها أولوية (سواء اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية/ عسكرية الخ...) يمكن تمويلها عن طريق إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الأمور الأكثر أهمية، من دون الاضطرار إلى زيادة الواردات. وهذا أمر بديهي يمارسه الجميع، أفراداً وأسراً ومؤسسات بشكل شبه يومي!
أما في ما خصّ القطاع العام، ونظراً إلى الكمّ الهائل من الهدر (حتى لا نقول أكثر)، فإننا نجزم بأن إعادة النظر في النفقات العامة، داخل وخارج الموازنة تخصيصاً، يجب ان يُعطى الأولوية على زيادة الواردات في سبيل تأمين المال اللازم للنفقات المستجدة والملحة. فلنفتش بالأولوية عن مجالات الهدر والإنفاق السياسي قبل زيادة الضرائب والرسوم بخاصة غير العادلة والمؤذية اقتصادياً! وكفانا تعطيلاً للمنطق عبر تمسكنا بمقولة «إن الأولويات في لبنان هي أولويات أفقية»! ان هذا القول، إضافة إلى انه غير صحيح، فإنه يُلغي علم الاقتصاد من أساسه!
6 ـ في ما خص الإجازة للحكومة بالاقتراض (المادة 5)، نورد الملاحظات التالية:
أ ـ جاء في الفقرة 1 ما يلي: «يجاز للحكومة، ضمن حدود العجز الفعلي المحقق في تنفيذ الموازنة والخزينة.... إصدار سندات خزينة بالعملة اللبنانية...». وهنا نسأل: ماذا تعني عبارة «تنفيذ الخزينة»؟ طبعاً، لا معنى لها! المقصود هو في حدود العجز في تنفيذ الموازنة والعجز في الخزينة. فإذا كان هذا هو المقصود فعلاً، والمنطق يقول بذلك، تكون عندها وزارة المالية قد أقرّت رسمياً بأن مشروع موازنة 2012 المعروض حالياً على مجلس الوزراء لا يشمل كافة نفقات الدولة ودخلها، وانه بالتالي مخالف لنص المادة 83 من الدستور!
ب ـ كذلك أجازت الفقرة 2 للحكومة ان تصدر سندات خزينة بالعملات الأجنبية وان تستعملها «... لتحويل ما يعادل قيمتها من الدين العام بالليرة اللبنانية إلى عملات أجنبية». وهنا نسأل: هل من الحكمة استبدال الدين العام بالليرة إلى دين عام بالعملات الأجنبية؟ نحن نجزم ان ذلك ليس في مصلحة لبنان على الإطلاق! فليتفضّل المسؤولون ويقنعونا بصوابية رأيهم هذا!
ج ـ أليس من الأفضل، ومن الحكمة والحصافة، ان يتم وضع سقف محدد لحجم الدين العام بالليرات كما وبالعملات الأجنبية ضمن قانون الموازنة السنوي، بحيث لا تتمكن السلطة الإجرائية من تجاوزه إلا بعد الرجوع إلى السلطة التشريعية للحصول على الاجازة بذلك، وبعد ان تبدي الأسباب الموجبة التي دعتها إلى طلب تخطي السقف الذي تكون قد اقترحته في الموازنة؟
7 ـ تضمن مشروع قانون الموازنة عدداً كبيراً من قوانين البرامج، نورد في ما يلي بعض ملاحظاتنا بخصوصها:
أ ـ عدلت المادة 13 من قانون الموازنة أحد عشر قانون برنامج سابق. وتلتها المواد 14 إلى 32 لتنص على قوانين برامج جديدة. لكن، عندما ننظر إلى تقرير وزير المالية (ص.6) عن مشروع الموازنة، نجد ان النفقات الاستثمارية لسنة 2012 انخفضت عما كانت عليه في مشروع موازنة 2011 بحوالى 6%!
ب ـ من اللافت جداً للنظر، والمستغرب في آن، ان المادة 15 نصت على قانون برنامج لتأمين مساهمة لبنان في المحكمة الدولية لسنة 2012 و2013 بمبلغ 61 مليار ليرة و47 مليار ليرة على التوالي! فهل ان ذلك يستوجب وضع قانون برنامج له؟ وهل تعتبر مساهمة لبنان هذه من النفقات الاستثمارية؟ وهل قام المسؤولون «بالمونة» على الأمم المتحدة ومجلس الأمن لنمدد عمر المحكمة لسنة 2013؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018