ارشيف من :ترجمات ودراسات
الإعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، رؤية نقدية قانونية بالعموم (*)
فيما يلي ورقة العمل التي قدمها د. محمد المجذوب بعنوان "الإعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، رؤية نقدية قانونية بالعموم" ضمن ورشة عمل "اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة: بين اتفاق أوسلو والإعتراف بالدولة الفلسطينية، مراجعة سياسية وقانونية".
***
هناك اليوم حملة يقودها بعض العرب وترمي إلى انتزاع اعترافٍ من الجمعية العامة للأمم المتحدة بكيان فلسطيني مستقل يضم جزءاً يسيراً (أو ما تيّسر) من أرض فلسطين المحتلة.
وقادة الحملة يدركون أن قيام كيان فلسطيني على جزء من أرض فلسطين يستتبع الاعتراف العربي بشرعية الكيان الصهيوني، ويتضمن تخلّياً نهائياً عن الأجزاء الباقية من فلسطين التي اغتصبها عدوّ قومي شرس زُرع في قلب الوطن العربي بالتواطؤ مع قوى غربية استعمارية تخشى، منذ وصول العرب إلى الأندلس وفشل الحملات المغولية والصليبية وتفوّق العرب في مختلف فنون المعرفة، صحوةَ العرب ونهضتهم من جديد.
وهذه الحملة المزدهرة اليوم تطرح العديد من الأسئلة المتعلقة بالأغراض والتداعيات والنتائج. وسنكتفي بمعالجة سؤالين، الأول قانوني والآخر قومي.
السؤال الأول: كيف تُقبل دولة جديدة في عضوية الأمم المتحدة؟ وما هي إجراءات القبول في العضوية؟
يتعيّن على الدولة التي ترغب في أن تصبح عضواً في الأمم المتحدة أن تُقدّم طلباً بذلك إلى الأمين العام يحتوي على تصريح رسمي منها يُعلن قبولها بالالتزامات التي يتضمنها ميثاق الأمم المتحدة.
ويحوّل الأمين العام طلبها فوراً إلى مجلس الأمن الذي يفحص بواسطة لجنة منه طلب الانتساب ويُقرّر ما إذا كانت الدولة المرشحة للعضوية هي حقاً دولةٌ مستقلة، ومحبةٌ للسلام، وقادرةٌ على الإيفاء بالالتزامات التي ينص عليها الميثاق، وراغبةٌ في تنفيذها. وهو الذي يُقرّر بالتالي ما إذا كان من المناسب والملائم أن يُصدر توصيةً للجمعية العامة بقبولها.
فإذا قرّر المجلس إصدار توصية بالقبول حوّل إلى الجمعية العامة توصيته، مرفقةً ببيانٍ عن المناقشات التي دارت فيه حول الموضوع. وإذا قرّر عدم إصدار التوصية، أو قرّر تأجيل بتّ الطلب، قدّم أيضاً إلى الجمعية العامة تقريراً خاصاً مرفقاً ببيان عن المناقشات فيه.
وعلى المجلس أن يُقدّم توصيته قبل 25 يوماً على الأقل من بداية الدورة العادية للجمعية العامة.
ويجري التصويت في المجلس على تلك التوصية بأغلبية تسعة أصوات على الأقل، بشرط أن يكون من بينها أصوات الخمسة الكبار الدائمين. أمّا في الجمعية العامة فقرار القبول يجب أن يحظى بأغلبية ثلثيْ الأعضاء الحاضرين المشتركين في التصويت.
تلك هي القواعد والأصول التي يجب أن تُتّبع لتصبح دولةٌ ما عضواً في الأمم المتحدة. فهل هذه الأصول متوافرة في المشروع المقترح لضّم دولةٍ فلسطينية مكوّنة من الضفة والقطاع إلى عضوية الأمم المتحدة؟
إن التساؤلات التي تُثيرها الحملة الرامية إلى عرض الأمر على الجمعية العامة وانتزاع إقرارٍ منها بأهلية الدولة الفلسطينية المقترحة للانضمام إلى العضوية الأممية، تصطدم بالقواعد والأعراف والسوابق الدولية المعروفة والمتبعة.
فالدول التي انضمت إلى عضوية الأمم المتحدة بعد تأسيسها في العام 1945 خضعت للأصول التي أشرنا إليها، أي لصدور توصيةٍ بالقبول من مجلس الأمن وموافقةٍ من الجمعية العامة. وقد اضطرت الدول الكبرى، رغم تأييدها العارم لإسرائيل، إلى إتّباع هذه الأصول. وأرغمت عشرات الدول التي نالت استقلالها بعد إنشاء الأمم المتحدة على الانتظار سنوات قبل الانضمام إلى المنظمة العالمية بسبب اختلاف الكبار وعدم صدور توصيةٍ من مجلس الأمن.
والاجتهاد الدولي الممثّل بمحكمة العدل الدولية يؤكد وجوب التزام الأصول المذكورة. ففي 22/11/1949، طلبت الجمعية العامة من تلك المحكمة استشارةً حول ما إذا كان يجوز "للجمعية العامة، وفقاً للفقرة الثانية من المادة الرابعة من الميثاق، أن تُصدر قراراً بقبول عضوٍ جديد في الأمم المتحدة عند امتناع مجلس الأمن عن إصدار التوصية بقبوله، سواءٌ أكان سببُ ذلك عدمَ توافر الأغلبية المطلوبة أم استعمال أحد الأعضاء الدائمين حقّ النقض للاعتراض على توصية المجلس بالقبول". وأجابت المحكمة، في 3/3/1950، بالنفي واعتبرت أن توصية المجلس السابقة شرط أساسي لصدور قرار الجمعية بالقبول.
وكانت الجمعية قد طلبت من المحكمة، قبل ذلك، فتوى حول الشروط التي يجب أن تتوافر في الدولة، طالبة العضوية، فأجابت، في 28/5/1948، بأن هناك خمسة شروط، هي:
1- أن تكون دولةً مستقلة.
2- أن تكون دولةً محبة للسلام.
3- أن تقبل التزامات الميثاق.
4- أن ترى المنظمة العالمية أن الدولة قادرة على الإيفاء بالتزامات الميثاق.
5- أن تكون الدولة راغبةً في تنفيذ هذه الالتزامات.
وفي اعتقادنا أن الشرط الأول، أي استقلال الدولة، هو الشرط الأهم والأوضح، في حين أن الشروط الأخرى يكتنفها الغموض ولا تخضع لمعايير واضحة ودقيقة، إذ ما هو بالتحديد معيار محبة السلام؟ ومعيار الالتزامات وقبولها وتنفيذها؟ وإذا كان شرط الاستقلال هو الأهم، فهل تستوفي الدولة الفلسطينية المقترحة الشروط المطلوبة من الدولة المستقلة؟
إن الدولة، بمفهومها الحديث، تتكون من ثلاثة عناصر: الشعب والإقليم والتنظيم السياسي. ولنشوء الدولة طرق مختلفة من الصعب إخضاعها للتصنيف العلمي الدقيق. فقد تنشأ الدولة من عدم. وهذه الطريقة أصبحت اليوم نادرة. وآخر الأمثلة عليها نشوء دولة ليبريا، في العام 1822، التي كانت في البداية تجمعاً للأرقاء المحررين الذين نُقلوا من الولايات المتحدة إلى الساحل الغربي لأفريقيا بمساعدة جمعية إنسانية لتحرير العبيد. وقد يكون نشوء الدولة نتيجةَ تفكّكٍ أو انحلالٍ بعض الدول، أو انضمام بعضها إلى البعض الآخر، ويتم ذلك:
- إما بقيام ثورة انفصالية،
- وإما بانفصال دولة أو أكثر عن اتحادٍ ملكي،
- وإما بتفسّخ دولٍ أو إمبراطورياتٍ على إثر حربٍ عالميةٍ أو أهلية، أو في أعقاب انهيارٍ سياسي أو عقائدي،
- وإما بانقسام دولةٍ موحّدةٍ على نفسها بسبب عوامل أو خلافات داخلية،
- وإما بتقسيم دولة بفعل الاستعمار أو الهزيمة أو الانتقام أو الرغبة في التشفّي والإذلال،
- وإما بانفصال دولة أو أكثر عن نظامٍ تعاهدي (كونفدرالي) أو اتحادي (فدرالي)،
- وإما بإجراء استفتاءٍ في إقليم خاضع للاستعمار أو التبعيّة واختيار سكانه الاستقلال،
- وإما بانضمام دولتين أو أكثر إلى بعضهما البعض وتكوين دولة موحّدة،
- وإما نتيجةً لتنفيذ صك قانوني، داخلي أو خارجي،
- وإما نتيجةَ قرارٍ صادرٍ عن مؤتمر دولي.
وللطريقة التي تنشأ بها الدولة أهمية سياسية ودولية كبرى، لأن العلاقات بين الدول تتوقف غالباً على الكيفية التي تظهر بها الدولة إلى حيّز الوجود، ولأن ظهور دولةٍ جديدة على المسرح الدولي وانخراطها في الحياة السياسية الدولية يُرتّب تغيّرات وتبدّلات في الأوضاع والعلاقات الدولية. وكثيراً ما ترفض الدول القائمة الاعترافَ بدولةٍ جديدة بسبب عدم موافقتها على الطريقة التي تكوّنت بها.
والحديث عن استقلال الدولة والاعتراف بها يطرح عدة تساؤلات، منها:
هل تنطبق إحدى الطرق المذكورة، والمتعلقة بكيفية نشوء الدولة، على الدولة الفلسطينية المقترحة؟ وهل تعتبر هذه الدولة جزءاً من دولةٍ انقسمت على نفسها؟ وهل جرى استفتاء لمعرفة رغبات السكان فيها؟ وهل جميع سكان فلسطين هم الذين اختاروا بحرية إنشاء دولتين في وطنهما المشترك، كما جرى في تشيكوسلوفاكيا، والإمبراطورية النمساوية – المجرية، ومملكة إسوج ونروج، وباكستان (بعد انفصال بنغلادش) والسودان (بعد انفصال الجنوب)؟
نجيب بالنفي طبعاً، فدولة فلسطين المقترحة حالياً لم تكن يوماً جزءاً من دولة أكبر ناضلت من أجل الانفصال عنها. ووضعها القانوني كان، حقاً ومنذ البداية، وضعاً غريباً أو مستغرباً يستعصي أحياناً على الفهم والتحليل. ففلسطين كانت مع كل المناطق في المشرق العربي، ولعدة قرون، أقاليم تابعة للإمبراطورية العثمانية. وبعد انهيار هذه الإمبراطورية في نهاية الحرب العالمية الأولى تقاسمت بريطانيا وفرنسا تلك الأقاليم وأنشأت فيها، بشكل عشوائي، كيانات خاضعة لنظام الانتداب. ومع أن هذه الكيانات نالت استقلالها في الأربعينات من القرن الماضي، فإن المؤامرة الغربية الكبرى استثنت فلسطين وقضت، في ظل وعد بلفور واتفاقية سايكس – بيكو، بتقسيمها إلى دولتين: يهودية وعربية، واستعملت شتى وسائل الخداع والتزوير لإدخال إسرائيل في الأمم المتحدة، ثم مساعدتها على احتلال الضفة والقطاع، والسماح لها بإنشاء المستعمرات فيها والتحكم في علاقاتها البرية والبحرية والمعيشية، وفرض العملة الإسرائيلية على معاملاتها التجارية، واستعمال العنف والبطش ضد السكان العرب فيها كلما جُرح إسرائيلي أو تعرّض لأذى، أو كلما عنّ لصهيوني إنزال الضرر بمخلوقات لا تنتمي، في معتقده، إلى شعب الله المختار.
وهل أصبحت شرعية إسرائيل موضع تساؤل عالمياً؟
بعد الاعتداء الوحشي على (أسطول الحرية) السلمي، وقبله على لبنان وقطاع غزة، وبعد تكرار الانتهاكات للحقوق والحريات في فلسطين المحتلة، صدر تقرير عن معهد أبحاث (ريئوت) في تل أبيب (وهو معهد للتخطيط الاستراتيجي)، أشار إلى أن إسرائيل بدأت تواجه حملة عالمية تهدف إلى نزع الشرعية الدولية منها، وتصويرها ككيانٍ استعماري مرتبطٍ بممارسات نازيّة وتمييز عنصري.
واعتبر الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية (شلوموغازيت) أن ما ورد في تقرير معهد (ريئوت) يُشكّل تحدياً استراتيجياً ومصيرياً يواجه إسرائيل، وأن خطر فقدان شرعية الوجود يحوم فوق رأسها فعلاً، وأنه من دون إحداث تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية القائمة، ومن دون إلغاء الواقع القائم على أساس فرض سيطرة الإسرائيليين على شعبٍ آخر، فإن حملةَ نزع الشرعية من إسرائيل لن تختفي، بل على العكس ستتفاقم.
والحقيقة أن الشك في شرعية وجود إسرائيل أمرٌ مطروح منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، فقد اعتبرت عصبة الأمم أن الأقاليم التي انتُزعت من الإمبراطورية العثمانية المهزومة تقطنها شعوبٌ لم تبلغ بعدُ درجةً من الرقيّ تؤهّلها لحكم نفسها بنفسها، وأنه من الأصلح وضعها تحت انتداب دول متمدنة. وكانت فلسطين من نصيب الانتداب البريطاني. ونظام الانتداب يستمد قواعده من ميثاق العصبة. ويمثّل صك الانتداب على فلسطين الذي أقرّته العصبة في 24/7/1922، التطبيق التنظيمي لذلك النظام.
وصك الانتداب لا يأتلف مع نظام الانتداب. ويتجلى ذلك في عدة مخالفات جوهرية، أهمها تبنّي الصك لوعد بلفور الذي تعهدت فيه بريطانيا، في 2/11/1917، "بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين".
وهذا الوعد باطل لعدة أسباب:
1- لأنه صدر في العام 1917، أي في وقتٍ لم تكن لبريطانيا فيه أية صلة قانونية بفلسطين.
2- لأن احتلال بريطانيا لفلسطين حَدَث بعد صدور الوعد.
3- لأن الوعد وهب فلسطين لأغرابٍ لا يملكون أيّ حق فيها.
4- لأن الوعد ليس اتفاقيةً بين دول.
5- لأن الوعد أضرّ بالحقوق التاريخية والقومية المكتسبة لسكان فلسطين الذين اعترفت لهم الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بحقّ تقرير المصير، وحق اختيار الأنظمة التي تلائمهم.
6- لأن الوعد يتناقض مع الوعود البريطانية الواردة في الرسائل المتبادلة بين الشريف حسين والمسؤول البريطاني مكماهون، والتي تتضمن تعهداً بريطانياً بالاعتراف باستقلال الأقطار العربية وإنشاء مملكة عربية، ولا تأتي على ذكر الوطن القومي اليهودي.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، واندلاع الانتفاضات والمظاهرات في فلسطين، والمطالبة بالاستقلال، على غرار ما جرى في كل من العراق والأردن وسوريا ولبنان، أعلنت بريطانيا عن رغبتها في التخلّي عن الانتداب على فلسطين وتآمرت القوى الغربية لاستصدار قرار بتقسيم فلسطين إلى دولتين من الجمعية العامة في 29/11/1947.
ويعتبر الفقهاء الدوليون أن هذا القرار غير قانوني لأنه لا يحق للأمم المتحدة التدخل في القضية الفلسطينية واتخاذ قرار بالتقسيم. وإذا كانت الأمم المتحدة قد حلّت محل عصبة الأمم كمنظمة عالمية، فإنها لم تخلفها في صلاحياتها بالنسبة إلى الانتداب على فلسطين. ومن ناحية أخرى فإن ميثاقها يخوّل الجمعية العامة حقّ إصدار توصيات وليس حق اتخاذ قرارات. وكان من واجب الجمعية العامة، عند عرض القضية الفلسطينية عليها، أن تلجأ إلى الأسلوب الذي اتّبع بالنسبة إلى أقاليم المشرق العربي التي أخضعت للانتداب، وأن تحترم مبدأ تقرير المصير الذي تنص عليه المادة الأولى من الميثاق، وأن تلجأ، عند الضرورة، إلى إجراء استفتاء بين الفلسطينيين لمعرفة رغباتهم. بل كان بالإمكان التجاوب مع الاقتراح المطالب باستشارة محكمة العدل الدولية حول صلاحيات الأمم المتحدة في هذه القضية، كما فعلت، فيما بعد، عندما أصدرت فتواها، في العام 1971، بشأن تحديد النظام القانوني لإقليم ناميبيا الذي كان خاضعاً للانتداب.
والخلاصة أن الأمم المتحدة قد تجاوزت صلاحياتها باتخاذ قرار التقسيم، وأن إنشاء إسرائيل كان عملاً أو تصرفاً لا يقوم على أي أساس قانوني أو إنساني.
السؤال الثاني: هل التنازل عن أي أرض عربية من صلاحية جيل أو نظام أو حاكم عربي؟ وهل يُعتبر اعتراف الأنظمة العربية بإسرائيل تصرفاً ملزماً للأمة العربية؟
إن الصراع القائم بين العرب والإسرائيليين ليس نزاعاً عادياً بين دولة ودولة، أو بين الدول العربية وإسرائيل. إنه صراع قومي تُمثّل الأمة العربية، بتاريخها الطويل وتراثها الحضاري وثقلها البشري وثرواتها وإمكاناتها الطائلة، أحد أطرافه. ولهذا فإنه لا يمكن أن يُحلّ بالقوانين والقرارات والمؤتمرات والمباحثات والتنازلات.
وإذا كانت الأمة العربية بأسرها طرفاً في هذا الصراع المتعلق بمصيرها القومي، فإن كل محاولة لإدخال أي تعديل على وضع هذا الصراع أو مساره يجب أن يتم برضاها، وهذا يعني أنْ ليس بوسع أي حاكم أو نظام عربي، مهما يَعْلُ شأنه وتتكدّس خدماته وإنجازاته، أن يتصرف بمصير أية قضية قومية دون الرجوع إلى الأمة.
إن الأمة العربية، وليس الحكام وحدهم، هي التي رفضت منذ البداية زرع الوجود الصهيوني في قلب الوطن العربي. إن الأمة العربية، وليست الأنظمة السياسية وحدها، هي التي رفضت الهزيمة والاستسلام، وضحت بالشباب والثروات، وتجمّلت بصبر أيوب في أيام الشدائد، ورضيت بالصمود في أحلك الساعات. إن الأمة العربية الواحدة، ضميراً ومصيراً، وليست دولها المتعدّدة المتنافرة، هي التي فرضت مبدأ اللاّءات الثلاث في مؤتمرات القمم العربية. ولهذا فإن التخلّي عن هذا المبدأ لا يمكن أن يتم إلاّ بإرادتها الحرة.
إن الوضع القائم بين العرب والإسرائيليين ليس خلافاً على حدود أو مستعمرات أو هجرة. إن الأمر أعمق من ذلك بكثير. إنه يتعلّق بصميم الوجود المصيري للأمة. ولهذا فإن التخلّي عن جزء من أرض الأمة ليس عملاً من اختصاص الحكام. إنه من صميم صلاحيات الأمة. والتخلّي لا يصبح عملاً مشروعاً ومقبولاً إلاّ عندما توافق عليه الأمة بمحض إرادتها وكامل وعيها السياسي. واستناداً إلى هذا المبدأ فإن كل اعتراف بحق الصهيونيين في احتلال أرض عربية هو خروج على إرادة الأمة. وبما أنّ الشعب الفلسطيني جزء مهم لا يتجزّأ من الأمة العربية، فإن معرفة رأيه، أو رأي الغالبية فيه، يصبح أمراً واجباً.
ومع ذلك، فإننا نؤكد أن رأيه وحده ليس بكافٍ أو ملزم، أولاً لأن هذا الشعب متضامن ومتكافل ومتلاحم مع أشقائه العرب، وثانياً لأن طبيعة الصراع القومي تعنيه بقدر ما تعني أمته كلها، وثالثاً لأن الخطر الذي يتعرض له لن يقف عند حدود بلده، بل سيتعدّاها إلى بقية الأقطار العربية.
إن الشعوب تُستفتى عادةً لتقرير أمور في غاية البساطة، كتغيير وجهة السّير من اليسار إلى اليمين، أو إدخال تغييرات طفيفة على تقسيماتها الإدارية. أفلا يحقّ للأمة التي اغتُصب جزء عزيز من أرضها أن تُفصح، في استفتاء ديموقراطي حر، عن رأيها في دعوة البعض إلى الاعتراف بعدوها والتخلّي له عن جزء من أرضها؟
لقد تحدث يوماً المفكر العربي الراحل، الدكتور فايز صايغ، عن موضوع التنازل فكتب يقول: "إن سلطة التنازل عن أي أرض عربية لا يملكها أي شعب عربي، أو أي جيل من أجيال الأمة العربية. بل إن الشعب الفلسطيني لا يملك سلطة التنازل عن أرض فلسطين (ناهيك عن أي شعب عربي آخر، أو أي حكومة عربية أخرى)، لأن أرض كل قطر في الوطن العربي هي ملك الأمة العربية جمعاء على امتداد أجيالها مدى التاريخ. وبالتالي، فإن ادّعاء أي قطر من الأقطار العربية بحق مقايضة مصير جزء من الأرض العربية بمصير جزء آخر إنما هو اعتداء على تراث الأمة العربية جمعاء وعلى حقوق أجيالها المتعاقبة في كامل التراب العربي، فضلاً عن كونه اعتداءً على حقوق أبناء الجزء المتنازل عنه".
إن الصراع بيننا وبين الصهيونيين صراع مصيري لا ينتهي إلاّ باستعادة الحقوق القومية. قد يهدأ الصراع حيناً لالتقاط الأنفاس وإعادة النظر في المخططات. وقد تتخلّله هدنات ونكسات. وقد يتنكر له بعض المسؤولين العرب فيتخاذلون وينسحبون من دائرة الصراع. ولكن الصراع سيستمر ما دام هناك كيان عنصري فاشي غريب في أرضنا يُهدّد وجودنا الحضاري بالخطر، وما دام هناك عربي واحد يؤمن بحق أمته في البقاء وبحق كل عربي في حمل السلاح ومقاومة المحتلين والمستبدين والمنحرفين.
إن أجدادنا مروا بظروف مشابهة، ولكنهم لم يفرّطوا في حق ولم يتخاذلوا أمام الصعوبات الطارئة. لقد اضطروا أحياناً إلى التراجع أو السكوت أو الصمود، ولكنهم لم يفكروا أبداً في توقيع وثائق رسمية تنطوي على تنازلات عن حقوقهم.
"إن مصير الشعوب، كما ذكر المفكر العربي الراحل، الدكتور هشام شرابي، لا تقرره العلاقات وموازين القوى الآنية، بل القوى الموضوعية وجدلية التاريخ على مراحل زمنية معينة. إن حجم إسرائيل في حقيقته الموضوعية أصغر بكثير مما يبدو في هذه اللحظة العابرة. وما يحدد هذا الحجم ليس العلاقات الخارجية ولا التقنيّة المتفوقة مؤقتاّ، بل الموارد البشرية والمادية والمحيط الذي توجد فيه".
(*) المصدر: منظمة "ثابت" لحق العودة/ ورقة عمل للدكتور محمد المجذوب
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018