ارشيف من :ترجمات ودراسات
الديبلوماسية، التحليل، وصنع القرار – الحاجة الى نموذج جديد
بقلم بروس بايرز / American Diplomacy ـ 19 – 10 – 2011
خاص لموقع الانتقاد الالكتروني ـ ترجمة إيمان سويد
بروس بايرز : مسؤول متقاعد في " الخدمة الخارجية" (Foreign Service) شغل مهاماً في طهران، مومباي، كابول ومراكز أوروبية عديدة. عمل أيضاً في مانيلا قبل عودته الى واشنطن وتعيينه في وزارة الخارجية. كان منخرطاً في الشؤون الثقافية والمعلوماتية في " وكالة المعلومات الأميركية" (USIA) قبل نقله الى وزارة الخارجية عندما تم دمج (USIA) في الخارجية في العالم 1999.
1. لقد ذهب بن لادن وكانت الولايات المتحدة تقوم بتحليل كنز المعلومات الدفين الذي أخذه مغاوير سلاح البحرية الأميركية معهم من مجمعه في آبوت آباد في 2 أيار. فسجلاته المحفوظة بعناية وفرت للمحللين رؤية غير مسبوقة وقدرة على النظر إلى داخل هيكلية القاعدة وعملها. وقد أظهرت القراءات الأولية بأن بن لادن كان يخطط، بقوة ونشاط، لهجمات مستقبلية على مدن أميركية. في أعقاب موت بن لادن، هناك تحولات تكتونية وإعادة إصطفافات تحدث الآن في داخل الشبكات الإرهابية. سيستلزم الأمر وقتاً قبل أن تصبح تلك التحولات والإصطفافات ظاهرة. وبرغم كل تلك التحولات فإن الحاجة الى تحليل ديبلوماسي وإرسال التقارير لم يكن أكثر أهمية مما هو عليه الحال الآن.
كشفت وثائق ويكيليكس 2010 المنشورة والمتعلقة ببرقيات سرية صادرة عن وزراة الخارجية الأميركية سجلاً متسقاً ودقيقاً لـ " الخدمة الخارجية" (Foreign Service)، التي ترسل تقاريرها من مراكز بعيدة عبر البحار. وفي حين هزت المنشورات الغير متوقعة عدداً من الناس في مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن بحيث أدركوا وإعترفوا بأن بإمكان فاعلين غير معروفين فرض تأثير على السياسة الخارجية الأميركية من دون إنذار، فإنهم لم يكشفوا عن أية إخفاقات كبرى في التقارير المرسلة من الميدان. إذا كان هناك من أمر ما، فهو أن التسريبات قد كشفت عن إنقطاع الإتصال بين التقارير الديبلوماسية وعملية الصياغة السياسية لواشنطن. وهذا يعود، في جزء كبير منه، الى سلسلة من القرارات والخطوات الناقصة في واشنطن كانت قد بدأت بإجراءات أمنية زلقة.
يعتبر أسامة بن لادن وويكيليكس، جزئياً، مخلوقين من صنع الولايات المتحدة. ففي الثمانينات شارك بن لادن بصفته مجاهداً عربياً في الحرب المدعومة أميركياً ضد السوفيات في أفغانستان. بعد محاربته " الشيوعيين الكافرين بالله"، تحول بن لادن ضد الولايات المتحدة بسبب وجودها العسكري في العربية السعودية و تدنيسها المزعوم للإسلام. ففي حين أن بن لادن قد حمل السلاح مع حلفائه ضد الولايات المتحدة، فإن أعضاء ويكيليكس والداعمين لها هم، بطريقتهم الخاصة، أعداء للسياسة الأميركية. لقد تحدوا الأمن الإلكتروني الأميركي وعملوا على تصوير أنفسهم كمصب عام لمعلومات سرية قد تكشف عن أساليب العمل الداخلية للديبلوماسية الأميركية وما هو أكثر من ذلك للعالم.
ما هو مثير للسخرية أن عمليات الفضح كانت شكلاً غير مفوض ومصرّح به لـ " الديبلوماسية العامة" والتي أدخلت عنصر فوضى على المسرح الدولي. فقد كشف النشر لإتصالات سرية مختارة عن بعض الجوانب والأوجه الخفية للعلاقات الديبلوماسية بين دول ذات سيادة في عصر " الشفافية العالمية". لن يكون معظم الديبلوماسيين مندهشين بقراءة نشرات ويكيليكس بما أن جمع وتحليل المعلومات حول نشاطات الحكومات الأخرى وقادتها هو من مسؤولياتهم الأولية والرئيسة. من المبكر جداً القول ما هي العواقب الأخرى التي قد تنجم عن نشر ويكيليكس، إلا أن خبراء رفيعي المستوى في السياسة الخارجية يرون الآن حاجة جدية للإصلاح في إستراتيجياتنا الديبلوماسية الدولية.
يعتبر جماعة ويكيليكس أفعالهم منطقية في عالم يعتبرونه مهيمناً عليه من قبل نخب سياسية نصبت نفسها عليه والتي تحدد مصير ملايين المواطنين العاديين من دون أن تجرب هذه النخب الأحداث الصادمة التي أعاقت وحتى مزقت مجتمعات أخرى تمزيقاً شديداً. وفي حين أن لدى هؤلاء قصر نظر في الحكم على الديبلوماسية الأميركية، متجاهلين إنجازاتها الإيجابية العديدة، خاصة في مناطق أزمات كالقرن الأفريقي، يبدو المسربون عازمين على إثارة جدل بإسم " الشفافية" ضمن وبين المؤسسات التي طالما هيمنت على السياسة الخارجية حول العالم.
لقد فضحت تسريبات ويكليكس عن توجه قديم في عمليات صياغة وتركيب السياسة الخارجية الأميركية بالنظر الى العالم والأحداث من خلال منظار إنحيازنا الثقافي والسياسي للحكم على ما يحدث في مجتمعات وحكومات أخرى بناء على هذا الأساس. في نفس الوقت، يظهر عدد من البرقيات المسربة بأن الديبلوماسيين الأميركيين كانوا دقيقين، مجتهدين، ومواظبين في إرسالهم التقارير حول الأحداث عبر البحار. كانوا يقومون بعملهم بإبلاغ وزارة الخارجية ووكالات حكومية أخرى عن التطورات المفاجئة والتوجهات على المدى المتوسط والطويل.
كانت تقاريرهم، أحياناً، تجري بعكس تيار السياسات الراسخة، لكن عملهم هو إبلاغ واشنطن عما يحدث في مجتمعات وحكومات أخرى بدلاً من الإنقياد الى الأذواق السياسية في لحظة راهنة ما. كما أنهم يرسلون التقارير عن الكيفية التي يُنظر بها الى السياسات والنشاطات السياسية الأميركية في الخارج.
ليس خبراً جديداً أن قراصنة الإنترنت يشكلون تهديداً متنامياً لسلامة الإتصالات الديبلوماسية الآمنة. فالأمر الأشد خطورة هنا هو أنهم يتحدون فرضياتنا حول البيئات المعلوماتية الدولية وحدود الديبلوماسية. إن التسريبات هي إحدى نتائج العقلنة المنهجية البالغة لأجل توفير المال وتبسيط تدفق المعلومات الحساسة. وكما أظهرت الأحداث، كان أمن شبكة (SIPRNet ـ Secrete Internet Protocol Router Network)، أي موجه بروتوكول الإنترنت السري الذي طورته وزارة الدفاع الأميركية، يشبه أمن أضعف رابط في سلسلة أولئك الذين إستخدموها وقاموا بحمايتها. فبالنسبة لكل التقسيمات العالية السرية داخل الوحدات المختلفة في وزارة الخارجية، تمكن جيش خاص متمركز عبر البحار ليس فقط من الدخول ونشر إتصالات عسكرية وإنما نشر مئات آلاف البرقيات الديبلوماسية.
إن التسريبات إشارة على تنظيم مجهد ومزخرف في حكومتنا بإمكانه الوصول الى نقطة من عدم الإستقرار الخطير. فمرتكبو التسريبات يزعمون بأنهم يتصرفون بشكل أخلاقي ضد قادة سياسيين يشعرون بأنهم غالباً ما يتصرفون بشكل لا أخلاقي وبلا مبالاة. إنهم قوارض يشغلون ما يشبه متاهة منظمة من الدول والحكومات يكافح مسؤولوها للحفاظ على منظومة معلومات حساسة آمنة بإسم السياسة الخارجية والإستقرار الدولي.
في مناقشة تمت يوم 16 آب في " جامعة الدفاع الوطني " في واشنطن، أكد كل من وزيرة الخارجية كلينتون ووزير الدفاع بانيتا على الحاجة إلى وجود تنسيق أفضل لكل الجهود للحفاظ على قوة الأمن القومي الأميركي. وأكد كلاهما على أن الولايات المتحدة قوة عالمية بحيث أن أية إقتطاعات جذرية في موازنة الأمن القومي وموارده يمكن أن يشل الولايات المتحدة بشدة، سواء في أفغانستان، العراق، باكستان، غرب الباسفيك، أو في مناطق أخرى من العالم+. هذا الأمر سيؤدي الى حالة من عدم الإستقرار الدولي أكبر. ويدرك كل من وزير الدفاع بانيتا ووزيرة الخارجية كلينتون بأن الإنخراط الخارجي الأميركي أمر ضروري، وغالباً ما يكون صعباً جداً، ويتطلب موارد كافية للإحتفاظ بالقدرة على التعامل مع أزمات دولية غير متوقعة. وقد عبَّرا عن وعي شديد بخصوص رهانات الولايات المتحدة في أفغانستان ومناطق خطيرة أخرى في العالم. وصرحا بأنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تطوي خيامها وتقفل راجعة. وشددا على القول بأن تخفيضاً مفاجئاً في مخصصات مجلس الشيوخ لقطاعي الديبلوماسية والدفاع القومي سيكون له إرتدادات شديدة على الأمن المحلي والعالمي الأميركي وسيرسل رسالة الى الحلفاء والخصوم،على السواء، بأنه لم يعد بالإمكان الإعتماد على الولايات المتحدة للعب دور كبير ورئيس في تعزيز الإستقرار الدولي.
شددت وزيرة الخارجية كلينتون على أن النتائج مؤثرة أكثرمن الكلام بكثير وبأنها مع وزير الدفاع بانيتا يعملان معاً لتخفيض إنفاق الهدر، تبسيط البرامج المختلفة، وتحقيق دمج أكبر والتوفيق بين النظم المختلفة للمعتقدات الموجودة في السياسة الخارجية الأميركية والدفاع الوطني. وقالت كلينتون بأن هذا الأمر يستلزم وقتاً وموارد. وشدد وزير الدفاع بانيتا على أن المهمات الديبلوماسية والتطويرية لوزارة الخارجية و USAID حيوية لإستمرار وثبات الإنجازات التي أمنتها القوات الأميركية في مناطق أزمات مختلفة من العالم. وعبّر كلاهما عن تفانيهما تجاه أهداف السياسة الخارجية الأميركية الحالية والطويلة الأمد. وحددت الوزيرة كلينتون الحاجة الى تطبيق " قوة ذكية" في المهمات الديبلوماسية والعسكرية الأميركية في الخارج. أما السؤال فهو: هل سيصغي الناس الأسوياء ويستجيبون لكلماتهما؟
في كتابه الصادر عام 2009، " العصر الذي لا يُتخيل: لِم تفاجئنا فوضى العالم الجديدة على الدوام وما الذي يمكننا فعله بشأن ذلك؟
( The Age of the Unthinkable: Why the New World Disorder Constantly Surprises Us and What Can We Do About It? ) يحاجج "جوشوا كوبر" القراء لنبذ طرق التفكير التقليدية بشأن العلاقات الدولية. ففي أحد فصول الكتاب يناقش "كوبر" عمل الفيزيائي والرياضي الدانماركي " بير باك،" الذي طور في التسعينات فرضيات بخصوص نماذج حرجية (خطورة) التنظيم الذاتي. مستخدماً حسابات رياضية، قام " بير باك " بإختبار لأكوام رمل ليرى عند أية نقطة ستولد كومة رمل إنهياراً مفاجئاً. كان هدفه دراسة علاقة التوتر الموجودة بين الحفاظ على الإستقرار والوصول الى نقطة حافة عدم الإستقرر. لقد علم بأن ما بعد مرحلة حرجية التنظم الذاتي، لا بد وأن تحدث إنهيارات. لم يكن بإمكان " باك " التنبؤ بتكرار أو حجم هذه الإنهيارات، لكنه علم بأنها يمكن أن تحدث ما أن يؤدي عدد حاسم من حبات الرمل الى رفع مخروط الرمل الى إرتفاع معين. لم يكن بإمكانه القول متى يمكن الوصول الى هذه النقطة الحرجة أو أين سيحدث الإنهيار في المخروط. كان قادراً على القول فقط بأنه يمكن أن يكون هناك نقاط مختلفة، لكنه لم يتمكن من القول ما الذي كان يحدث داخل ذلك المخروط الرملي أو أين توجد الديناميكيات العميقة.
إن لفرضيته أهمية كبرى بالنسبة لتحليل السلوك الإجتماعي والسياسي في مجتمعات مختلفة. فالنقاط الحرجة تختلف إعتماداً على حشد من العوامل الثقافية وعوامل الأخرى داخل مجتمعات فردية والتي لا تقع بالضرورة تحت سيطرة قادة وطنيين أو حكومات منتخبة ديمقراطياً. فالتظاهرات الشعبية الأخيرة الجارية في اليونان، مصر، سوريا، اليمن، ليبيا وبلدان أخرى على حافة إنهيار فائق الخطورة هي أمثلة عن هذا الأمر. وتظهر أعمال الشغب المفاجئة والمدمرة في لندن ومدن بريطانية أخرى في آب بأن إنهيارات من هذا النوع تحدث حتى في البلدان الديمقراطية. إن مهمة "الخدمة الخارجية" (Foreign Service) هي البحث عن العوامل التي بإمكانها أن تؤدي الى أوضاع فائقة الخطورة ودرسها لصنع إستدلالات إستخباراتية منها حول مسائل قد لا تكون ظاهرة بسهولة.
تبدو التظاهرات الشعبية ضد الحكام السلطويين وسياساتهم وأفعالهم منطقية، على مستوى من المستويات. فالناس يريدون العيش في بيئة مستقرة وسلمية لكن ليس في بيئة تحُد للغاية من خياراتهم بحيث لا يرون أملاً لمستقبل أفضل. على المستوى الآخر، وكما رأينا في أحداث جرت في سوريا، قد تبدو التظاهرات الشعبية بوجه البندقية والموت أمراً غير منطقي، خاصة عندما تدعم الشرطة والجيش دكتاتوراً غير مستعد لتخفيض مستوى العنف وحماية عموم المواطنين. فبإستخدام فرضية " باك" كأساس للتحليل، على الديبلوماسيين أن يتساءلوا عن العوامل والأحداث التي قادت التونسيين، المصريين وشعوب مقموعة أخرى لتخطي الخوف من الشرطة وردود فعل الحكومة الإنتقامية والتدفق الى الشوارع في تظاهرات حاشدة. ما هي القيم الثقافية التي لا تزال تقود آلاف المدنيين العزل في بلدات ومدن سورية الى الوقوف بشجاعة في وجه إطلاق النار الصادر عن الشرطة والجيش والدبابات والدعوة لإنهاء حكم بشار الأسد؟ كيف يمكن لمجموعات من طبقات إجتماعية ـ إقتصادية مختلفة جداً من المجتمع أن تلتئم وتلتف حول بضع رموز في نقطة مركزية ما والتحرك معاً بإنسجام ضد نظام مترسخ وقوي؟ كيف يتفاعل الديكتاتوريون تجاه تظاهرات شعبية من هذا النوع؟
بإمكاننا أن نجد جواباً جزئياً عن طريق تحليل سلوك الديكتاتوريين ومستشاريهم المباشرين، كما هو الحال في قضية حسني مبارك في مصر. وفي الوقت الذي تستمر فيه العوامل الخارجية بالإزدياد – تظاهرات شعبية ضد الشرطة والجيش ـ برغم موت مدنيين، يمكن للديكتاتوريين أن يعلقوا في فخ مجموعة ردود ضيقة جداً. وعندما لا ينجح هذا الأمر في قمع الثورات الشعبية، يواجههم خيار الفرار، تطبيق إجراءات عنف شديدة الى أقصى حد، أو مواجهة الموت المحتمل.
في الديبلوماسية الدولية يواجه مسؤولو " الخدمة الخارجية" عدداً من المشاكل في محاولة التحري عن معلومات مفيدة. إذ تواجههم دوماً مشكلة الوصول بشكل قريب كاف إلى مسؤولي البلد المضيف الأساسيين وإلى لاعبين كبار ورئيسيين في المجالات السياسية، الثقافية، والإقتصادية ليعلموا ما الذي يجري خلف الستار. ففي حقبة إتصالات الإنترنت السريع الحالية على مواقع الشبكة الإجتماعية، يواجه هؤلاء أيضاً عالماً واسعاً من اللاعبين ممن تعتبر أفعالهم أقل قابلية للتنبؤ. عليهم توسيع تقاريرهم ليس فقط لإجتذاب مناقشات حساسة وعدا ذلك إنتزاع نشاطات وقرارات خفية في أوساط النخب السياسية وإنما أيضاً لتحليل توجهات ثقافية وإجتماعية في أوساط النساء والشباب المتعلم العاطل عن العمل، الأقليات الإجتماعية والدينية المحرومة، والجماعات المنشقة.
من الواضح أن مسؤولي " الخدمة الخارجية" لا يمكنهم القيام بدراسات سوسيولوجية بالعمق للأحداث في بلدان يعملون بها. فتركيزهم ينبغي أن يكون على التطورات التي تؤثر على السياسات الأميركية وأنشطتها. ومع ذلك الأمر يستحق التساؤل عما إذا كان هناك وسائل وطرق تحليلية أفضل قد تحسن عملية التحليل الديبلوماسي وإرسال التقارير بسرعة حول البيئات السياسية والإجتماعية المتغيرة.
إن قسماً من الجواب يقع في إعادة تعريف هدف وطرق إرسال التقارير. قسم آخر سيكون في قبول النظر بطريقة مختلفة الى الأحداث بدلاً من الطرق التقليدية التي يتسم بها قسم كبير من تفكير صناع القرار في واشنطن. هذا الأمر سيحتم وجود تدريب أكبر على اللغة بحيث يكون مسؤولو " الخدمة الخارجية" مرتاحين أكثر في البلدان حيث يخدمون ويكونوا قادرين على التفاعل مع عدد مختلف من الناس بلغتهم الأم. قسم آخر من الجواب يقع في التقبل الأكبر في واشنطن للتقارير المرسلة من بعثات ديبلوماسية عبر البحار بدلاً من إنتقاد مسؤولي " الخدمة الخارجية " بسبب تقييمهم للأحداث على الأرض عندما تتعارض هذه التقييمات مع النظرة الحكيمة التقليدية لواشنطن.
مع ذلك هناك جزء ثالث من الجواب قد يقع في أساليبنا الثقافية بالملاحظة والتركيز.فهناك مقاربات معينة لحل المشاكل قد ترسخت فينا منذ الطفولة. هذه المقاربات تساعد في تشكيل رؤيتنا للعالم ويمكنها أن تخلق عقبات عندما يقوم ديبلوماسيون بتحليل التطورات في ثقافات أخرى، حيث تحدد طرق الإتصالات المختلفة والقيم الأخرى سياسات الحكومة وأفعالها. قد يكون مفيداً أن نسأل كيف يقوم ديبلوماسيون من ثقافات أخرى – الصينية، اليابانية، الروسية، الأندونيسية، والهندية، وهذا غيض من فيض – بتحليل الأحداث في بلدان يتمركزون فيها.
إحدى الفروقات بين الممارسات الأميركية للديبلوماسية وتلك التي لدول أخرى عديدة هي أن مسؤولي " الخدمة الخارجية" لدينا يميلون لتمضية بضع سنوات قصيرة في كل مهمة لهم قبل الإنتقال إلى مكان آخر. أما الديبلوماسيون من بلدان أخرى فغالباً ما يمضون خمس أو عشر سنوات في بلد ما ويتعلمون إستخدام لغتها بطلاقة. فهم مرتاحون أكثر كأنهم في وطنهم بسبب إلمامهم بثقافته وهم قادرون على التفاعل مع جهات الإتصال بوجود خبرة شخصية أكبر. هذا الأمر يعكس إستثمارات السياسة الخارجية الطويلة الأمد لحكوماتهم وقناعة هذه الحكومات بأن الحفاظ على كادر من الديبلوماسيين ذوي الخبرة في نفس البلد أو المنطقة لسنوات عديدة هو الطريقة الأفضل لتعزيز العلاقات الثنائية والحفاظ عليها. هذه ليست الطريقة التي تدير فيها وزارة الخارجية الأميركية " الخدمة الخارجية" التابعة لها اليوم.
3. إذا ما طبق الديبلوماسيون الأميركيون " القوة الذكية" في جهودهم لفهم التطورات الجارية في بلدان أخرى، فإنهم قد يقومون بعمل جيد بدرس الإجراء النظري لـ " بير باك " والإختبارات التي قام بها الفيزيائي الأميركي غلين أ. هيلد وزملائه لإختبار فرضيته. هذه الإختبارات تعرض الى أن الأنظمة المعقدة تنظم نفسها بنفسها في هيكليات بحيث تصل الى مراحل إستقرار حساسة مما ينجم عنه عدم إستقرار. فإذا كان المراقبون الديبلوماسيون العاملون في دول تسيطر عليها أنظمة قمعية سيحللون صفات وخصائص أنظمة من هذا النوع وفقاً لإختبارات " باك" و " هيلد"، فإنهم قد يكونوا قادرين على تحقيق إستنتاجات أكثر قابلية للإستخدام حول الأحداث المنتشرة في أي وقت من الأوقات.
فهل يستحق الأمر المحاولة؟
الأمر يستحق المحاولة. مع ذلك، وطالما أن القادة المنتخبين والمعينين في واشنطن مستمرين بالعمل من منطلق فرضيات قديمة جداً حول الكيفية التي يعمل بها العالم، فلن يكون هناك أي تغيير هام في تأثير التقارير الديبلوماسية. إذ يتمسك معظم قادتنا السياسيين بمعتقدات متأصلة وعميقة، بأن وجود مجتمعات ديمقراطية أكثر إنفتاحاً سيجعل مسألة التسبب بأزمة دولية يمكنها إعاقة وتهديد السلام أقل ترجيحاً. بعضهم يفترض بأنه بنشر القيم الديمقراطية، فإن بإمكانهم تعزيز الأمن الدولي والإستقرار الإقليمي. ويستتبع ذلك القول بأن دولاً غير ديمقراطية هي دول صانعة للقلاقل والمشاكل وعرضة للعنف الذي بإمكانه تهديد الأمن القومي الأميركي. إن إستنتاجاً كهذا قد يكون هو ما حفز أعضاء إدارة جورج دبليو بوش على الدفع لغزو العراق عام 2003. في نفس الوقت، كان عدد من قادتنا الوطنيين مترددين، أو حتى غير مستعدين، لسحب الدعم من ديكتاتوريين يعتبرون أصدقاء للولايات المتحدة مثل مبارك الذي تلقى مليارات الدولارات بشكل مساعدات أميركية ودعَمَ المصالح الأميركية في مناطق غير مستقرة. وإذا ما لم يتم الأخذ بأفضل التقارير والتوصيات الصادرة عن وزارة الخارجية أو تم تجاهلها على مستويات مراكز صنع القرار الرفيعة، فإن فعالية " القوة الذكية" يتم تقويضها.
لقد إتخذت قيم " الخدمة الخارجية" التي برزت من الإنتصارات على الفاشية ولاحقاً، الشيوعية السوفياتية بعد الحرب العالمية الثانية منحى التحقق من صحة وصلاحية عدد من فرضياتنا بشأن القوة العالمية الأميركية. فقد جاءت كي تحدد الكيفية التي ينبغي بها للولايات المتحدة إدارة الشؤون الدولية وإستخدام قوتها السياسية، الإقتصادية، والعسكرية. أما الآن، في كل الأحوال، فقد أثارت الأحداث الجارية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا حذراً كبيراً في أوساط خبراء السياسة الخارجية والقادة السياسيين في واشنطن عقب الربيع العربي. فالديبلوماسيون والقادة السياسيون يلقون نظرة أخرى على الوعد بوجود إستقرار سياسي وإجتماعي أكبر عند تحدي القادة السلطويين، وفي حالة تونس، مصر، اليمن، ومؤخراً ليبيا، عندما يتم الإطاحة بهم.
في مقالة لمجلة " التايم" الأميركية في 8 آب، دعا ريتشارد هآس، رئيس "مجلس العلاقات الخارجية"، الى تشديد إصلاحي ( تصالحي) جديد في السياسة الخارجية الأميركية، راسماً تمييزاً ثابتاً بين التجديد والإنعزالية. وفي حين أنه لا يشير إلى ويكيليكس، يشدد هآس على الحاجة الى إعادة موازنة الأولويات والموارد الأميركية للإنكباب على معالجة التحديات المحلية وإعادة بناء القوة المؤسساتية والإستراتيجية لأميركا في العالم.
يخفق هآس بمناقشة الحاجة إلى وجود إعتراف وتقبل أكثر لما يقوله مسؤولو " الخدمة الخارجية" لصناع السياسة في واشنطن. فعندما لا تنسجم الكلمة من الميدان مع مفاهيمهم السياسية للقوة والنفوذ الأميركي على المسرح الدولي، فإن صناع السياسة غالباً ما يلقون باللوم على الديبلوماسيين لكونهم متعاطفين جداً تجاه القادة الأجانب ولفهمهم السياسة بشكل خاطئ. لعبة اللوم هذه كانت موجودة منذ إتهام ديبلوماسيي وزارة الخارجية الأميركية بـ " خسارة الصين" في أواخر الأربعينات، على الأقل.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان هدف السياسة الخارجية الأساسي في الولايات المتحدة ولدى إستراتيجيين غربيين آخرين حماية الأمن القومي والحفاظ على السلم من خلال نظام التحالفات الدولية مع وجود ضوابط وموازين قد تقترب من نقطة الحراجة لكنها لا تتخطاها. لقد تم تطبيق القوة السياسية، الإقتصادية، والعسكرية الأميركية في مواصلة هذا الهدف لعقود عديدة بكلفة عظيمة وأحياناً بمكاسب مشكوك بها. هذا الأمر تطلب، بعض الأحيان، صنع صفقات مع أتوقراطيين ومع أنظمة الدعم الموجودة لديهم من الشرطة والجيش الذين داسوا على حقوق الإنسان، في إنتهاك للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948.
لطالما أيد القادة الأميركيون والغربيون نماء وتطور الحكم الديمقراطي والإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية بصفتها الوسائل الأفضل لتأمين الإستقرار السياسي. مع ذلك، لقد رأينا بأن إجراء العمليات الإنتخابية ليست بالضرورة المفتاح لخلق مؤسسات ديمقراطية دائمة في مجتمعات حيث لا وجود لتقليد الحكومة الممثِّلة. فلطالما حافظت الديمقراطيات الغربية منذ عقود مرت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على علاقات وثيقة مع أنظمة سلطوية، بدءاً من إيران والعراق في الخمسينات لتضم أيضاً تونس، مصر، ليبيا، ودولاً عربية أخرى. إذ إختارت الولايات المتحدة الأميركية ودول ديمقراطية أخرى، تكراراً، دعم الإستقرار بظل قيادة قمعية على حساب الإصلاح السياسي والإجتماعي حتى عندما كان يعلم القادة السياسيون وخبرائهم في السياسة الخارجية، أو هم إشتبهوا، بأن الحكام يوظفون ذلك للقيام بإجراءات قمعية ضد شعوبهم، جمع ثروات عظيمة، إدارة أجهزتهم البيروقراطية بالزبائنية والمحسوبية والفساد، مع تجاهل هؤلاء المتزايد للحاجات الإجتماعية التي كانت تتوسل الإصلاح.
بعد العمل على الحفاظ على إضفاء غطاء على الإضطرابات السياسية والإجتماعية المتفجرة في بلدان عربية على مدى النصف قرن الماضي، أصبح على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين التعامل، فجأة، مع موجة من التظاهرات الشعبية المنتشرة والتي فاجأتهم وأقلقتهم بالقدر الذي فاجأت وأقلقت معظم النخب الحاكمة عبر العالم العربي. فلماذا حصل ذلك؟
جزء من الجواب هو أن قادتنا السياسيين وديبلوماسيينا ركزوا إهتمامهم بشكل أكبر، تقليدياً، على نخب السلطات الخارجية. فالنظرة الحكيمة التقليدية تمسكت بالمفهوم القائل بأن هذه النخب هي الجهة الأكثر علماً بالتوجهات السياسية، الإقتصادية، والإجتماعية في بلدانها وبأن لديها الوسائل للسيطرة على أية إضطرابات شعبية تحصل. في نفس الوقت لم يتم إيلاء إهتمام كبير لجماعات أخرى بين السكان ـ بإستثناء، ربما، الإخوان المسلمين ومنظمات إرهابية كحماس وحزب اللهـ لأنها لم تعتبر رقماً كبيراً في معادلات القوة التي تشتمل على علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف.
جزء آخر من الجواب موجود في الرغبة بالحفاظ على الإستقرار السياسي في منطقة مضطربة عن طريق رعاية وتربية " زبائن" مستعدين للتعاون مع متبرعين خارجيين لهم يمدونهم بالمال مقابل وعود بالأمن. هذا الأمر تضمن وجود تعاون عسكري متبادل قوي وبرامج تدريب للشرطة، خاصة بين الولايات المتحدة ومصر، إسرائيل، الأردن، العربية السعودية، وباكستان. لذا، فإن المصالح المكتسبة قد عملت كثقل وازن بالنسبة للدعوات الى القيام بإصلاحات سياسية، إقتصادية وإجتماعية. وقد أظهر التاريخ، تكراراً، بأن " زبائن" الولايات المتحدة غالباً ما عملوا ضد المصالح الأميركية في مواصلتهم أهدافهم الوطنية الخاصة.
جزء ثالث من الجواب موجود في المتابعة غير الكافية والقاصرة للتغيرات الديمغرافية والجيلية الحاصلة وتأثيراتها على الأنظمة القمعية. إن مفاجآت الربيع العربي تعكس هذا الفشل. مع ذلك هناك عدد من الخبراء في حكومتنا وفي الجامعات ومراكز الدراسات ممن يتبعون هكذا توجهات. بإمكان تحليلاتهم، أحيانأً، أن تفرض تأثيراً بناءً على الجدل السياسي الحاصل على مستوى صنع القرار في واشنطن.
ففي الديبلوماسية الأميركية التقليدية، كانت المحادثات المباشرة – المدعومة غالباً بالقوة العسكرية – مفضلة عموماً على حساب أشكال أخرى من الديبلوماسية الغير مباشرة والأكثر حذاقة والتي قد تأخذ وقتاً أطول لتعطي نتائج مستحسنة بالنسبة للمصالح الأميركية. لهذا السبب كان القيام بلا شيئ تقريباً هو خيار سياسي. وقد تغيرت وجهة النظر هذه للشؤون الخارجية بشكل جوهري في السنوات العشر الماضية، وهذه التغيرات هي إنعكاس للبراغماتية الأميركية في مواجهة التحديات للأمن القومي الأميركي في حقبة ما بعد الحرب الباردة.
في مناقشات 16 آب في " جامعة الدفاع الوطني" أشار وزير الدفاع بانيتا إلى أن لدى الولايات المتحدة دور خاص في العالم وبأنها تتحمل مسؤوليات خاصة بالنسبة للشعب الأميركي وتجاه الأمن
خاص لموقع الانتقاد الالكتروني ـ ترجمة إيمان سويد
بروس بايرز : مسؤول متقاعد في " الخدمة الخارجية" (Foreign Service) شغل مهاماً في طهران، مومباي، كابول ومراكز أوروبية عديدة. عمل أيضاً في مانيلا قبل عودته الى واشنطن وتعيينه في وزارة الخارجية. كان منخرطاً في الشؤون الثقافية والمعلوماتية في " وكالة المعلومات الأميركية" (USIA) قبل نقله الى وزارة الخارجية عندما تم دمج (USIA) في الخارجية في العالم 1999.
1. لقد ذهب بن لادن وكانت الولايات المتحدة تقوم بتحليل كنز المعلومات الدفين الذي أخذه مغاوير سلاح البحرية الأميركية معهم من مجمعه في آبوت آباد في 2 أيار. فسجلاته المحفوظة بعناية وفرت للمحللين رؤية غير مسبوقة وقدرة على النظر إلى داخل هيكلية القاعدة وعملها. وقد أظهرت القراءات الأولية بأن بن لادن كان يخطط، بقوة ونشاط، لهجمات مستقبلية على مدن أميركية. في أعقاب موت بن لادن، هناك تحولات تكتونية وإعادة إصطفافات تحدث الآن في داخل الشبكات الإرهابية. سيستلزم الأمر وقتاً قبل أن تصبح تلك التحولات والإصطفافات ظاهرة. وبرغم كل تلك التحولات فإن الحاجة الى تحليل ديبلوماسي وإرسال التقارير لم يكن أكثر أهمية مما هو عليه الحال الآن.
كشفت وثائق ويكيليكس 2010 المنشورة والمتعلقة ببرقيات سرية صادرة عن وزراة الخارجية الأميركية سجلاً متسقاً ودقيقاً لـ " الخدمة الخارجية" (Foreign Service)، التي ترسل تقاريرها من مراكز بعيدة عبر البحار. وفي حين هزت المنشورات الغير متوقعة عدداً من الناس في مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن بحيث أدركوا وإعترفوا بأن بإمكان فاعلين غير معروفين فرض تأثير على السياسة الخارجية الأميركية من دون إنذار، فإنهم لم يكشفوا عن أية إخفاقات كبرى في التقارير المرسلة من الميدان. إذا كان هناك من أمر ما، فهو أن التسريبات قد كشفت عن إنقطاع الإتصال بين التقارير الديبلوماسية وعملية الصياغة السياسية لواشنطن. وهذا يعود، في جزء كبير منه، الى سلسلة من القرارات والخطوات الناقصة في واشنطن كانت قد بدأت بإجراءات أمنية زلقة.
يعتبر أسامة بن لادن وويكيليكس، جزئياً، مخلوقين من صنع الولايات المتحدة. ففي الثمانينات شارك بن لادن بصفته مجاهداً عربياً في الحرب المدعومة أميركياً ضد السوفيات في أفغانستان. بعد محاربته " الشيوعيين الكافرين بالله"، تحول بن لادن ضد الولايات المتحدة بسبب وجودها العسكري في العربية السعودية و تدنيسها المزعوم للإسلام. ففي حين أن بن لادن قد حمل السلاح مع حلفائه ضد الولايات المتحدة، فإن أعضاء ويكيليكس والداعمين لها هم، بطريقتهم الخاصة، أعداء للسياسة الأميركية. لقد تحدوا الأمن الإلكتروني الأميركي وعملوا على تصوير أنفسهم كمصب عام لمعلومات سرية قد تكشف عن أساليب العمل الداخلية للديبلوماسية الأميركية وما هو أكثر من ذلك للعالم.
ما هو مثير للسخرية أن عمليات الفضح كانت شكلاً غير مفوض ومصرّح به لـ " الديبلوماسية العامة" والتي أدخلت عنصر فوضى على المسرح الدولي. فقد كشف النشر لإتصالات سرية مختارة عن بعض الجوانب والأوجه الخفية للعلاقات الديبلوماسية بين دول ذات سيادة في عصر " الشفافية العالمية". لن يكون معظم الديبلوماسيين مندهشين بقراءة نشرات ويكيليكس بما أن جمع وتحليل المعلومات حول نشاطات الحكومات الأخرى وقادتها هو من مسؤولياتهم الأولية والرئيسة. من المبكر جداً القول ما هي العواقب الأخرى التي قد تنجم عن نشر ويكيليكس، إلا أن خبراء رفيعي المستوى في السياسة الخارجية يرون الآن حاجة جدية للإصلاح في إستراتيجياتنا الديبلوماسية الدولية.
يعتبر جماعة ويكيليكس أفعالهم منطقية في عالم يعتبرونه مهيمناً عليه من قبل نخب سياسية نصبت نفسها عليه والتي تحدد مصير ملايين المواطنين العاديين من دون أن تجرب هذه النخب الأحداث الصادمة التي أعاقت وحتى مزقت مجتمعات أخرى تمزيقاً شديداً. وفي حين أن لدى هؤلاء قصر نظر في الحكم على الديبلوماسية الأميركية، متجاهلين إنجازاتها الإيجابية العديدة، خاصة في مناطق أزمات كالقرن الأفريقي، يبدو المسربون عازمين على إثارة جدل بإسم " الشفافية" ضمن وبين المؤسسات التي طالما هيمنت على السياسة الخارجية حول العالم.
لقد فضحت تسريبات ويكليكس عن توجه قديم في عمليات صياغة وتركيب السياسة الخارجية الأميركية بالنظر الى العالم والأحداث من خلال منظار إنحيازنا الثقافي والسياسي للحكم على ما يحدث في مجتمعات وحكومات أخرى بناء على هذا الأساس. في نفس الوقت، يظهر عدد من البرقيات المسربة بأن الديبلوماسيين الأميركيين كانوا دقيقين، مجتهدين، ومواظبين في إرسالهم التقارير حول الأحداث عبر البحار. كانوا يقومون بعملهم بإبلاغ وزارة الخارجية ووكالات حكومية أخرى عن التطورات المفاجئة والتوجهات على المدى المتوسط والطويل.
كانت تقاريرهم، أحياناً، تجري بعكس تيار السياسات الراسخة، لكن عملهم هو إبلاغ واشنطن عما يحدث في مجتمعات وحكومات أخرى بدلاً من الإنقياد الى الأذواق السياسية في لحظة راهنة ما. كما أنهم يرسلون التقارير عن الكيفية التي يُنظر بها الى السياسات والنشاطات السياسية الأميركية في الخارج.
ليس خبراً جديداً أن قراصنة الإنترنت يشكلون تهديداً متنامياً لسلامة الإتصالات الديبلوماسية الآمنة. فالأمر الأشد خطورة هنا هو أنهم يتحدون فرضياتنا حول البيئات المعلوماتية الدولية وحدود الديبلوماسية. إن التسريبات هي إحدى نتائج العقلنة المنهجية البالغة لأجل توفير المال وتبسيط تدفق المعلومات الحساسة. وكما أظهرت الأحداث، كان أمن شبكة (SIPRNet ـ Secrete Internet Protocol Router Network)، أي موجه بروتوكول الإنترنت السري الذي طورته وزارة الدفاع الأميركية، يشبه أمن أضعف رابط في سلسلة أولئك الذين إستخدموها وقاموا بحمايتها. فبالنسبة لكل التقسيمات العالية السرية داخل الوحدات المختلفة في وزارة الخارجية، تمكن جيش خاص متمركز عبر البحار ليس فقط من الدخول ونشر إتصالات عسكرية وإنما نشر مئات آلاف البرقيات الديبلوماسية.
إن التسريبات إشارة على تنظيم مجهد ومزخرف في حكومتنا بإمكانه الوصول الى نقطة من عدم الإستقرار الخطير. فمرتكبو التسريبات يزعمون بأنهم يتصرفون بشكل أخلاقي ضد قادة سياسيين يشعرون بأنهم غالباً ما يتصرفون بشكل لا أخلاقي وبلا مبالاة. إنهم قوارض يشغلون ما يشبه متاهة منظمة من الدول والحكومات يكافح مسؤولوها للحفاظ على منظومة معلومات حساسة آمنة بإسم السياسة الخارجية والإستقرار الدولي.
في مناقشة تمت يوم 16 آب في " جامعة الدفاع الوطني " في واشنطن، أكد كل من وزيرة الخارجية كلينتون ووزير الدفاع بانيتا على الحاجة إلى وجود تنسيق أفضل لكل الجهود للحفاظ على قوة الأمن القومي الأميركي. وأكد كلاهما على أن الولايات المتحدة قوة عالمية بحيث أن أية إقتطاعات جذرية في موازنة الأمن القومي وموارده يمكن أن يشل الولايات المتحدة بشدة، سواء في أفغانستان، العراق، باكستان، غرب الباسفيك، أو في مناطق أخرى من العالم+. هذا الأمر سيؤدي الى حالة من عدم الإستقرار الدولي أكبر. ويدرك كل من وزير الدفاع بانيتا ووزيرة الخارجية كلينتون بأن الإنخراط الخارجي الأميركي أمر ضروري، وغالباً ما يكون صعباً جداً، ويتطلب موارد كافية للإحتفاظ بالقدرة على التعامل مع أزمات دولية غير متوقعة. وقد عبَّرا عن وعي شديد بخصوص رهانات الولايات المتحدة في أفغانستان ومناطق خطيرة أخرى في العالم. وصرحا بأنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تطوي خيامها وتقفل راجعة. وشددا على القول بأن تخفيضاً مفاجئاً في مخصصات مجلس الشيوخ لقطاعي الديبلوماسية والدفاع القومي سيكون له إرتدادات شديدة على الأمن المحلي والعالمي الأميركي وسيرسل رسالة الى الحلفاء والخصوم،على السواء، بأنه لم يعد بالإمكان الإعتماد على الولايات المتحدة للعب دور كبير ورئيس في تعزيز الإستقرار الدولي.
شددت وزيرة الخارجية كلينتون على أن النتائج مؤثرة أكثرمن الكلام بكثير وبأنها مع وزير الدفاع بانيتا يعملان معاً لتخفيض إنفاق الهدر، تبسيط البرامج المختلفة، وتحقيق دمج أكبر والتوفيق بين النظم المختلفة للمعتقدات الموجودة في السياسة الخارجية الأميركية والدفاع الوطني. وقالت كلينتون بأن هذا الأمر يستلزم وقتاً وموارد. وشدد وزير الدفاع بانيتا على أن المهمات الديبلوماسية والتطويرية لوزارة الخارجية و USAID حيوية لإستمرار وثبات الإنجازات التي أمنتها القوات الأميركية في مناطق أزمات مختلفة من العالم. وعبّر كلاهما عن تفانيهما تجاه أهداف السياسة الخارجية الأميركية الحالية والطويلة الأمد. وحددت الوزيرة كلينتون الحاجة الى تطبيق " قوة ذكية" في المهمات الديبلوماسية والعسكرية الأميركية في الخارج. أما السؤال فهو: هل سيصغي الناس الأسوياء ويستجيبون لكلماتهما؟
في كتابه الصادر عام 2009، " العصر الذي لا يُتخيل: لِم تفاجئنا فوضى العالم الجديدة على الدوام وما الذي يمكننا فعله بشأن ذلك؟
( The Age of the Unthinkable: Why the New World Disorder Constantly Surprises Us and What Can We Do About It? ) يحاجج "جوشوا كوبر" القراء لنبذ طرق التفكير التقليدية بشأن العلاقات الدولية. ففي أحد فصول الكتاب يناقش "كوبر" عمل الفيزيائي والرياضي الدانماركي " بير باك،" الذي طور في التسعينات فرضيات بخصوص نماذج حرجية (خطورة) التنظيم الذاتي. مستخدماً حسابات رياضية، قام " بير باك " بإختبار لأكوام رمل ليرى عند أية نقطة ستولد كومة رمل إنهياراً مفاجئاً. كان هدفه دراسة علاقة التوتر الموجودة بين الحفاظ على الإستقرار والوصول الى نقطة حافة عدم الإستقرر. لقد علم بأن ما بعد مرحلة حرجية التنظم الذاتي، لا بد وأن تحدث إنهيارات. لم يكن بإمكان " باك " التنبؤ بتكرار أو حجم هذه الإنهيارات، لكنه علم بأنها يمكن أن تحدث ما أن يؤدي عدد حاسم من حبات الرمل الى رفع مخروط الرمل الى إرتفاع معين. لم يكن بإمكانه القول متى يمكن الوصول الى هذه النقطة الحرجة أو أين سيحدث الإنهيار في المخروط. كان قادراً على القول فقط بأنه يمكن أن يكون هناك نقاط مختلفة، لكنه لم يتمكن من القول ما الذي كان يحدث داخل ذلك المخروط الرملي أو أين توجد الديناميكيات العميقة.
إن لفرضيته أهمية كبرى بالنسبة لتحليل السلوك الإجتماعي والسياسي في مجتمعات مختلفة. فالنقاط الحرجة تختلف إعتماداً على حشد من العوامل الثقافية وعوامل الأخرى داخل مجتمعات فردية والتي لا تقع بالضرورة تحت سيطرة قادة وطنيين أو حكومات منتخبة ديمقراطياً. فالتظاهرات الشعبية الأخيرة الجارية في اليونان، مصر، سوريا، اليمن، ليبيا وبلدان أخرى على حافة إنهيار فائق الخطورة هي أمثلة عن هذا الأمر. وتظهر أعمال الشغب المفاجئة والمدمرة في لندن ومدن بريطانية أخرى في آب بأن إنهيارات من هذا النوع تحدث حتى في البلدان الديمقراطية. إن مهمة "الخدمة الخارجية" (Foreign Service) هي البحث عن العوامل التي بإمكانها أن تؤدي الى أوضاع فائقة الخطورة ودرسها لصنع إستدلالات إستخباراتية منها حول مسائل قد لا تكون ظاهرة بسهولة.
تبدو التظاهرات الشعبية ضد الحكام السلطويين وسياساتهم وأفعالهم منطقية، على مستوى من المستويات. فالناس يريدون العيش في بيئة مستقرة وسلمية لكن ليس في بيئة تحُد للغاية من خياراتهم بحيث لا يرون أملاً لمستقبل أفضل. على المستوى الآخر، وكما رأينا في أحداث جرت في سوريا، قد تبدو التظاهرات الشعبية بوجه البندقية والموت أمراً غير منطقي، خاصة عندما تدعم الشرطة والجيش دكتاتوراً غير مستعد لتخفيض مستوى العنف وحماية عموم المواطنين. فبإستخدام فرضية " باك" كأساس للتحليل، على الديبلوماسيين أن يتساءلوا عن العوامل والأحداث التي قادت التونسيين، المصريين وشعوب مقموعة أخرى لتخطي الخوف من الشرطة وردود فعل الحكومة الإنتقامية والتدفق الى الشوارع في تظاهرات حاشدة. ما هي القيم الثقافية التي لا تزال تقود آلاف المدنيين العزل في بلدات ومدن سورية الى الوقوف بشجاعة في وجه إطلاق النار الصادر عن الشرطة والجيش والدبابات والدعوة لإنهاء حكم بشار الأسد؟ كيف يمكن لمجموعات من طبقات إجتماعية ـ إقتصادية مختلفة جداً من المجتمع أن تلتئم وتلتف حول بضع رموز في نقطة مركزية ما والتحرك معاً بإنسجام ضد نظام مترسخ وقوي؟ كيف يتفاعل الديكتاتوريون تجاه تظاهرات شعبية من هذا النوع؟
بإمكاننا أن نجد جواباً جزئياً عن طريق تحليل سلوك الديكتاتوريين ومستشاريهم المباشرين، كما هو الحال في قضية حسني مبارك في مصر. وفي الوقت الذي تستمر فيه العوامل الخارجية بالإزدياد – تظاهرات شعبية ضد الشرطة والجيش ـ برغم موت مدنيين، يمكن للديكتاتوريين أن يعلقوا في فخ مجموعة ردود ضيقة جداً. وعندما لا ينجح هذا الأمر في قمع الثورات الشعبية، يواجههم خيار الفرار، تطبيق إجراءات عنف شديدة الى أقصى حد، أو مواجهة الموت المحتمل.
في الديبلوماسية الدولية يواجه مسؤولو " الخدمة الخارجية" عدداً من المشاكل في محاولة التحري عن معلومات مفيدة. إذ تواجههم دوماً مشكلة الوصول بشكل قريب كاف إلى مسؤولي البلد المضيف الأساسيين وإلى لاعبين كبار ورئيسيين في المجالات السياسية، الثقافية، والإقتصادية ليعلموا ما الذي يجري خلف الستار. ففي حقبة إتصالات الإنترنت السريع الحالية على مواقع الشبكة الإجتماعية، يواجه هؤلاء أيضاً عالماً واسعاً من اللاعبين ممن تعتبر أفعالهم أقل قابلية للتنبؤ. عليهم توسيع تقاريرهم ليس فقط لإجتذاب مناقشات حساسة وعدا ذلك إنتزاع نشاطات وقرارات خفية في أوساط النخب السياسية وإنما أيضاً لتحليل توجهات ثقافية وإجتماعية في أوساط النساء والشباب المتعلم العاطل عن العمل، الأقليات الإجتماعية والدينية المحرومة، والجماعات المنشقة.
من الواضح أن مسؤولي " الخدمة الخارجية" لا يمكنهم القيام بدراسات سوسيولوجية بالعمق للأحداث في بلدان يعملون بها. فتركيزهم ينبغي أن يكون على التطورات التي تؤثر على السياسات الأميركية وأنشطتها. ومع ذلك الأمر يستحق التساؤل عما إذا كان هناك وسائل وطرق تحليلية أفضل قد تحسن عملية التحليل الديبلوماسي وإرسال التقارير بسرعة حول البيئات السياسية والإجتماعية المتغيرة.
إن قسماً من الجواب يقع في إعادة تعريف هدف وطرق إرسال التقارير. قسم آخر سيكون في قبول النظر بطريقة مختلفة الى الأحداث بدلاً من الطرق التقليدية التي يتسم بها قسم كبير من تفكير صناع القرار في واشنطن. هذا الأمر سيحتم وجود تدريب أكبر على اللغة بحيث يكون مسؤولو " الخدمة الخارجية" مرتاحين أكثر في البلدان حيث يخدمون ويكونوا قادرين على التفاعل مع عدد مختلف من الناس بلغتهم الأم. قسم آخر من الجواب يقع في التقبل الأكبر في واشنطن للتقارير المرسلة من بعثات ديبلوماسية عبر البحار بدلاً من إنتقاد مسؤولي " الخدمة الخارجية " بسبب تقييمهم للأحداث على الأرض عندما تتعارض هذه التقييمات مع النظرة الحكيمة التقليدية لواشنطن.
مع ذلك هناك جزء ثالث من الجواب قد يقع في أساليبنا الثقافية بالملاحظة والتركيز.فهناك مقاربات معينة لحل المشاكل قد ترسخت فينا منذ الطفولة. هذه المقاربات تساعد في تشكيل رؤيتنا للعالم ويمكنها أن تخلق عقبات عندما يقوم ديبلوماسيون بتحليل التطورات في ثقافات أخرى، حيث تحدد طرق الإتصالات المختلفة والقيم الأخرى سياسات الحكومة وأفعالها. قد يكون مفيداً أن نسأل كيف يقوم ديبلوماسيون من ثقافات أخرى – الصينية، اليابانية، الروسية، الأندونيسية، والهندية، وهذا غيض من فيض – بتحليل الأحداث في بلدان يتمركزون فيها.
إحدى الفروقات بين الممارسات الأميركية للديبلوماسية وتلك التي لدول أخرى عديدة هي أن مسؤولي " الخدمة الخارجية" لدينا يميلون لتمضية بضع سنوات قصيرة في كل مهمة لهم قبل الإنتقال إلى مكان آخر. أما الديبلوماسيون من بلدان أخرى فغالباً ما يمضون خمس أو عشر سنوات في بلد ما ويتعلمون إستخدام لغتها بطلاقة. فهم مرتاحون أكثر كأنهم في وطنهم بسبب إلمامهم بثقافته وهم قادرون على التفاعل مع جهات الإتصال بوجود خبرة شخصية أكبر. هذا الأمر يعكس إستثمارات السياسة الخارجية الطويلة الأمد لحكوماتهم وقناعة هذه الحكومات بأن الحفاظ على كادر من الديبلوماسيين ذوي الخبرة في نفس البلد أو المنطقة لسنوات عديدة هو الطريقة الأفضل لتعزيز العلاقات الثنائية والحفاظ عليها. هذه ليست الطريقة التي تدير فيها وزارة الخارجية الأميركية " الخدمة الخارجية" التابعة لها اليوم.
3. إذا ما طبق الديبلوماسيون الأميركيون " القوة الذكية" في جهودهم لفهم التطورات الجارية في بلدان أخرى، فإنهم قد يقومون بعمل جيد بدرس الإجراء النظري لـ " بير باك " والإختبارات التي قام بها الفيزيائي الأميركي غلين أ. هيلد وزملائه لإختبار فرضيته. هذه الإختبارات تعرض الى أن الأنظمة المعقدة تنظم نفسها بنفسها في هيكليات بحيث تصل الى مراحل إستقرار حساسة مما ينجم عنه عدم إستقرار. فإذا كان المراقبون الديبلوماسيون العاملون في دول تسيطر عليها أنظمة قمعية سيحللون صفات وخصائص أنظمة من هذا النوع وفقاً لإختبارات " باك" و " هيلد"، فإنهم قد يكونوا قادرين على تحقيق إستنتاجات أكثر قابلية للإستخدام حول الأحداث المنتشرة في أي وقت من الأوقات.
فهل يستحق الأمر المحاولة؟
الأمر يستحق المحاولة. مع ذلك، وطالما أن القادة المنتخبين والمعينين في واشنطن مستمرين بالعمل من منطلق فرضيات قديمة جداً حول الكيفية التي يعمل بها العالم، فلن يكون هناك أي تغيير هام في تأثير التقارير الديبلوماسية. إذ يتمسك معظم قادتنا السياسيين بمعتقدات متأصلة وعميقة، بأن وجود مجتمعات ديمقراطية أكثر إنفتاحاً سيجعل مسألة التسبب بأزمة دولية يمكنها إعاقة وتهديد السلام أقل ترجيحاً. بعضهم يفترض بأنه بنشر القيم الديمقراطية، فإن بإمكانهم تعزيز الأمن الدولي والإستقرار الإقليمي. ويستتبع ذلك القول بأن دولاً غير ديمقراطية هي دول صانعة للقلاقل والمشاكل وعرضة للعنف الذي بإمكانه تهديد الأمن القومي الأميركي. إن إستنتاجاً كهذا قد يكون هو ما حفز أعضاء إدارة جورج دبليو بوش على الدفع لغزو العراق عام 2003. في نفس الوقت، كان عدد من قادتنا الوطنيين مترددين، أو حتى غير مستعدين، لسحب الدعم من ديكتاتوريين يعتبرون أصدقاء للولايات المتحدة مثل مبارك الذي تلقى مليارات الدولارات بشكل مساعدات أميركية ودعَمَ المصالح الأميركية في مناطق غير مستقرة. وإذا ما لم يتم الأخذ بأفضل التقارير والتوصيات الصادرة عن وزارة الخارجية أو تم تجاهلها على مستويات مراكز صنع القرار الرفيعة، فإن فعالية " القوة الذكية" يتم تقويضها.
لقد إتخذت قيم " الخدمة الخارجية" التي برزت من الإنتصارات على الفاشية ولاحقاً، الشيوعية السوفياتية بعد الحرب العالمية الثانية منحى التحقق من صحة وصلاحية عدد من فرضياتنا بشأن القوة العالمية الأميركية. فقد جاءت كي تحدد الكيفية التي ينبغي بها للولايات المتحدة إدارة الشؤون الدولية وإستخدام قوتها السياسية، الإقتصادية، والعسكرية. أما الآن، في كل الأحوال، فقد أثارت الأحداث الجارية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا حذراً كبيراً في أوساط خبراء السياسة الخارجية والقادة السياسيين في واشنطن عقب الربيع العربي. فالديبلوماسيون والقادة السياسيون يلقون نظرة أخرى على الوعد بوجود إستقرار سياسي وإجتماعي أكبر عند تحدي القادة السلطويين، وفي حالة تونس، مصر، اليمن، ومؤخراً ليبيا، عندما يتم الإطاحة بهم.
في مقالة لمجلة " التايم" الأميركية في 8 آب، دعا ريتشارد هآس، رئيس "مجلس العلاقات الخارجية"، الى تشديد إصلاحي ( تصالحي) جديد في السياسة الخارجية الأميركية، راسماً تمييزاً ثابتاً بين التجديد والإنعزالية. وفي حين أنه لا يشير إلى ويكيليكس، يشدد هآس على الحاجة الى إعادة موازنة الأولويات والموارد الأميركية للإنكباب على معالجة التحديات المحلية وإعادة بناء القوة المؤسساتية والإستراتيجية لأميركا في العالم.
يخفق هآس بمناقشة الحاجة إلى وجود إعتراف وتقبل أكثر لما يقوله مسؤولو " الخدمة الخارجية" لصناع السياسة في واشنطن. فعندما لا تنسجم الكلمة من الميدان مع مفاهيمهم السياسية للقوة والنفوذ الأميركي على المسرح الدولي، فإن صناع السياسة غالباً ما يلقون باللوم على الديبلوماسيين لكونهم متعاطفين جداً تجاه القادة الأجانب ولفهمهم السياسة بشكل خاطئ. لعبة اللوم هذه كانت موجودة منذ إتهام ديبلوماسيي وزارة الخارجية الأميركية بـ " خسارة الصين" في أواخر الأربعينات، على الأقل.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان هدف السياسة الخارجية الأساسي في الولايات المتحدة ولدى إستراتيجيين غربيين آخرين حماية الأمن القومي والحفاظ على السلم من خلال نظام التحالفات الدولية مع وجود ضوابط وموازين قد تقترب من نقطة الحراجة لكنها لا تتخطاها. لقد تم تطبيق القوة السياسية، الإقتصادية، والعسكرية الأميركية في مواصلة هذا الهدف لعقود عديدة بكلفة عظيمة وأحياناً بمكاسب مشكوك بها. هذا الأمر تطلب، بعض الأحيان، صنع صفقات مع أتوقراطيين ومع أنظمة الدعم الموجودة لديهم من الشرطة والجيش الذين داسوا على حقوق الإنسان، في إنتهاك للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948.
لطالما أيد القادة الأميركيون والغربيون نماء وتطور الحكم الديمقراطي والإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية بصفتها الوسائل الأفضل لتأمين الإستقرار السياسي. مع ذلك، لقد رأينا بأن إجراء العمليات الإنتخابية ليست بالضرورة المفتاح لخلق مؤسسات ديمقراطية دائمة في مجتمعات حيث لا وجود لتقليد الحكومة الممثِّلة. فلطالما حافظت الديمقراطيات الغربية منذ عقود مرت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على علاقات وثيقة مع أنظمة سلطوية، بدءاً من إيران والعراق في الخمسينات لتضم أيضاً تونس، مصر، ليبيا، ودولاً عربية أخرى. إذ إختارت الولايات المتحدة الأميركية ودول ديمقراطية أخرى، تكراراً، دعم الإستقرار بظل قيادة قمعية على حساب الإصلاح السياسي والإجتماعي حتى عندما كان يعلم القادة السياسيون وخبرائهم في السياسة الخارجية، أو هم إشتبهوا، بأن الحكام يوظفون ذلك للقيام بإجراءات قمعية ضد شعوبهم، جمع ثروات عظيمة، إدارة أجهزتهم البيروقراطية بالزبائنية والمحسوبية والفساد، مع تجاهل هؤلاء المتزايد للحاجات الإجتماعية التي كانت تتوسل الإصلاح.
بعد العمل على الحفاظ على إضفاء غطاء على الإضطرابات السياسية والإجتماعية المتفجرة في بلدان عربية على مدى النصف قرن الماضي، أصبح على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين التعامل، فجأة، مع موجة من التظاهرات الشعبية المنتشرة والتي فاجأتهم وأقلقتهم بالقدر الذي فاجأت وأقلقت معظم النخب الحاكمة عبر العالم العربي. فلماذا حصل ذلك؟
جزء من الجواب هو أن قادتنا السياسيين وديبلوماسيينا ركزوا إهتمامهم بشكل أكبر، تقليدياً، على نخب السلطات الخارجية. فالنظرة الحكيمة التقليدية تمسكت بالمفهوم القائل بأن هذه النخب هي الجهة الأكثر علماً بالتوجهات السياسية، الإقتصادية، والإجتماعية في بلدانها وبأن لديها الوسائل للسيطرة على أية إضطرابات شعبية تحصل. في نفس الوقت لم يتم إيلاء إهتمام كبير لجماعات أخرى بين السكان ـ بإستثناء، ربما، الإخوان المسلمين ومنظمات إرهابية كحماس وحزب اللهـ لأنها لم تعتبر رقماً كبيراً في معادلات القوة التي تشتمل على علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف.
جزء آخر من الجواب موجود في الرغبة بالحفاظ على الإستقرار السياسي في منطقة مضطربة عن طريق رعاية وتربية " زبائن" مستعدين للتعاون مع متبرعين خارجيين لهم يمدونهم بالمال مقابل وعود بالأمن. هذا الأمر تضمن وجود تعاون عسكري متبادل قوي وبرامج تدريب للشرطة، خاصة بين الولايات المتحدة ومصر، إسرائيل، الأردن، العربية السعودية، وباكستان. لذا، فإن المصالح المكتسبة قد عملت كثقل وازن بالنسبة للدعوات الى القيام بإصلاحات سياسية، إقتصادية وإجتماعية. وقد أظهر التاريخ، تكراراً، بأن " زبائن" الولايات المتحدة غالباً ما عملوا ضد المصالح الأميركية في مواصلتهم أهدافهم الوطنية الخاصة.
جزء ثالث من الجواب موجود في المتابعة غير الكافية والقاصرة للتغيرات الديمغرافية والجيلية الحاصلة وتأثيراتها على الأنظمة القمعية. إن مفاجآت الربيع العربي تعكس هذا الفشل. مع ذلك هناك عدد من الخبراء في حكومتنا وفي الجامعات ومراكز الدراسات ممن يتبعون هكذا توجهات. بإمكان تحليلاتهم، أحيانأً، أن تفرض تأثيراً بناءً على الجدل السياسي الحاصل على مستوى صنع القرار في واشنطن.
ففي الديبلوماسية الأميركية التقليدية، كانت المحادثات المباشرة – المدعومة غالباً بالقوة العسكرية – مفضلة عموماً على حساب أشكال أخرى من الديبلوماسية الغير مباشرة والأكثر حذاقة والتي قد تأخذ وقتاً أطول لتعطي نتائج مستحسنة بالنسبة للمصالح الأميركية. لهذا السبب كان القيام بلا شيئ تقريباً هو خيار سياسي. وقد تغيرت وجهة النظر هذه للشؤون الخارجية بشكل جوهري في السنوات العشر الماضية، وهذه التغيرات هي إنعكاس للبراغماتية الأميركية في مواجهة التحديات للأمن القومي الأميركي في حقبة ما بعد الحرب الباردة.
في مناقشات 16 آب في " جامعة الدفاع الوطني" أشار وزير الدفاع بانيتا إلى أن لدى الولايات المتحدة دور خاص في العالم وبأنها تتحمل مسؤوليات خاصة بالنسبة للشعب الأميركي وتجاه الأمن
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018