ارشيف من :أخبار لبنانية

ما بعد "القابلية للاستعمار"

ما بعد "القابلية للاستعمار"

ادمون صعب -السفير

«ان كثيراً من الرؤساء الأميركيين كانت لديهم مشاكل أخلاقية عميقة، أي انهم كانوا مستعدين للكذب، ومخالفة القوانين، وخيانة المبادئ من أجل تحقيق أهدافهم على طريقة مكيافيلي».جورج فريدمان .

فيما يواصل البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي جولته الراعوية، فيزور العراق ويعد بزيارة سوريا حيث للموارنة وجود تاريخي، تنشط «الثورة المضادة» او «الخريف المسيحي» المتمثل في «لقاء سيدة الجبل».هو «لقاء واجهة» لقوى 14 آذار، في تدبيج الوثائق التي تحاول رسم خط مسيحي مواجه لـ«ربيع بكركي» الذي انطلق مع انتخاب الراعي بطريركياً على إنطاكية وسائر المشرق، ومفاجأته القوى التي تقف وراء اللقاء بثورة حقيقية. ويندر ان نجد في تاريخ الكنيسة المارونية بطريركاً مَلَك من الشجاعة والوطنية كالبطريرك الراعي، ليتحدى الدولة الحاكمة للعالم في شخص الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي رفض استقبال رجل بكركي «عقاباً» له على مواقفه السياسية حيال المقاومة وسلاحها، وإسرائيل وعدوانيتها واحتلالها أراضي لبنانية في الجنوب والبقاع الغربي، فضلاً عن مشروع الدولة اليهودية الصافية العرق واللون والدين واللغة، التي ترفض ان يكون على أراضيها مسيحيون ومسلمون هم المالكون الأصليون للأرض المغتصبة، والذين يرزحون تحت احتلالها منذ ما يزيد على ستة عقود، إضافة إلى موقفه من سوريا والنظام العلماني فيها الذي يشكل ضماناً لكل المكونات فيها والتي ما شكا المسيحيون يوماً من أي تمييز بين مواطنيها، في حين تخشى بكركي ان يدفع المسيحيون هناك، وخصوصاً الموارنة؛ الثمن، في حال تغيّر النظام لمصلحة حكام إسلاميين متشددين بلغت بكركي أصداء هتافات متظاهرين منهم وهي غير مطمئنة لهم ولسواهم، ممن اتهموا بدعم النظام العلماني في سوريا، علماً بأن البطريرك كان دعا إلى إصلاحات تلبي تطلعات الشعب السوري ومتطلباته بطريقة سلمية تحفظ الاستقرار وتضن السلامة العامة لجميع المواطنين.

وكان الراعي تحدى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بصراحته، وفجّر ربيعه من باريس غير عابئ بموقف «الأم الحنون» من المسيحيين ومستقبلهم في لبنان والمشرق، وهو بطريركه.

ونُقل عن رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر، الذي رافق الراعي في زيارته فرنسا، ان شخصيات فرنسية بارزة التقاها البطريرك، عبّرت أمامه عن نظرة جديدة إلى الشرق، لا مكان فيها للحماية التاريخية التي كانت فرنسا تؤمنها للمسيحيين.

وثمة من يرى ان البطريرك الراعي ربما بلغته نسخة من الدراسة الاستراتيجية التي أعدتها مؤسسة «راند» الأميركية، المعروفة بخدماتها الاستشارية للإدارة الأميركية، والتي توصي بترحيل المسيحيين من لبنان وسوريا والعراق وفلسطين ومصر إلى «وطن قومي» يُعد لهم في صحراء سيناء، يكون على غرار الوطن القومي اليهودي في فلسطين، بحيث يعمم نموذج الدولة الدينية، لتكون بمثابة ضمان لليهود في فلسطين، ولاستمرار دولة إسرائيل الصافية الدين والهوية.

ماذا يريد جبليو السيدة التي رفضت لقاءهم تحت سقفها؟ وأين هو «الربيع العربي» في وثيقتهم؟ وأي نموذج يقدمون إلى العرب؟ بل ماذا بقي لديهم ليقدموا بعدما ربطوا أنفسهم بأكبر نظام استبدادي في المنطقة، فسقطوا مع سقوط بطريركهم السياسي حسني مبارك، ولم يجدوا في بقية المنظومة التي كانوا يتكئون عليها، ما يخدم «الربيع العربي»؟ ثم، أين فلسطين في الوثيقة؟ وأين إسرائيل ويهوديتها؟ وأين المقاومة؟ والتوطين؟ والصراع الدولي على سوريا؟

وهل يكفي الكلام على الدولة المدنية حتى تقوم، في ظل الشعارات التي تُرفع في تونس وليبيا بعد مصر، والدور الذي تؤديه الطائفية والمذهبية اللتين غابتا عن اللقاء، في تمزيق النسيج الاجتماعي، فضلاً عن تحفّظ المسيحيين عن إلغاء الطائفية السياسية، فكيف بإلغاء الطائفية عموماً، التي ستعتبر، في حال تحققها، ثورة حقيقية تقدم نموذجاً للحكم في العالم العربي؟ وحبذا لو تعمّق «أركان» اللقاء ومفكروه ومنظروه وفلاسفته، في ما جرى في «الربيع العربي». وذهبوا في استقراء ما حصل، خصوصاً في تونس، حتى استكشاف عمق التحولات التي يقبل عليها العرب.

ذلك أن الانتفاضات التي شهدتها تونس ومصر واليمن وحتى البحرين، هي تحرير للشعب، المسلم بأكثريته الساحقة، من حالة تعرف بـ«القابلية للاستعمار»، بمعنى التبعية للخارج والخضوع لنوع من الديكتاتورية التي يحميها هذا الخارج ويوظّف في خدمتها طبقات سياسية وقيادات وأحزاباً وحتى طوائف ومذاهب.
إلا ان الثورة وجدت نفسها أمام تحدي اختراع نموذج للحكم، خصوصاً بعد فوز حزب «النهضة» الإسلامي بأكثرية المقاعد، يوفّق بين الإسلام والحداثة، وخصوصاً ان النظام الذي قامت الثورة عليه كان ذا طابع علماني.

وهنا يطرح خطان قد لا يلتقيان. الأول إسلامي سلفي يعود إلى ماضٍ يعتبره الإسلاميون المعاصرون ميتاً، في حين يدعو هؤلاء إلى إسلام قد يبدو مميتاً في نظر السلفيين. من هنا مأزق الحكم المدني في المجتمع الإسلامي الذي تعتبر فيه الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع.

وهذا طرحه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في وثيقته الأخيرة التي صدرت اثر ثورة «25 يناير» المصرية وتضمنت مشروعاً لـ«تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديموقراطية الحديثة التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة؛ ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب، بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولا في حضارته ولا تاريخه ما يعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس.
وكان بعض الإصلاحيين، وفي مقدمهم المفكر الجزائري مالك بن نبي، حذروا
من استيحاء النموذج الغربي للحكم على «العمياني»، على أساس انه سيكون دليلاً على «نهضة إسلامية معاصرة». وقال: «ثمة من أراد تفصيل ثوب حديث بحسب الموديل (الباترون) الغربي، قد تبع حركة مقص معلمه، في حين اننا عندما نحاول التفصيل في المسائل التاريخية، ينبغي ان نعرف أنفسنا جيداً أولاً، قبل معرفة الموديل، من أجل ممارسة الحريات الضرورية للمحافظة على الشخصية، وليس نسخ شخصية صاحب الموديل».

وأشار إلى ان المطلوب هو التوفيق بين تشديد السلفيين على الواجب، والإصلاحيين على الحقوق، وهذا ما على «لقاء سيدة الجبل» التعمق فيه للمشرق، انطلاقاً من نموذج لبناني مدني، غير طائفي، يؤمن العدالة والمساواة بين جميع المواطنين ويمنع رجال الدين من التدخل في شؤون الدولة. وربما كان أفضل جدول أعمال للمؤتمر الوطني حول «دور لبنان في الربيع العربي».
 

2011-11-03