ارشيف من :أخبار لبنانية
«المحكمة الدولية» بميزان وقف تمويل منظمة «اليونسكو»: يحقّ لأميركا ما لا يحق للبنان... والتهديد بالعقوبات نموذجاً!
عندما صدر القرار الأميركي بوقف تمويل منظمة «اليونيسكو» عقاباً لها على حصول فلسطين على العضوية الكاملة فيها، وجد «حزب الله» في ذلك هدية ثمينة سرعان ما عبّر عنها النائب حسن فضل الله بتصريح من المجلس النيابي، أشار فيه إلى أنه من المفترض أن يكون لذلك انعاكاسات على الولايات المتحدة لأنها أخلت بالتزاماتها الدولية وخرجت عن إرادة المجتمع الدولي. رأى أن ذلك يجب أن يؤدي إلى فرض عقوبات دولية وعزلة دولية عليها. فضل الله غمز حينها من قناة ازدواجية المعايير لدى القوى السياسية المحلية، داعياً إياها من منطلق حرصها على القرارات الدولية، إلى اتخاذ موقف حاسم للعمل على فرض عقوبات على الولايات المتحدة.
بعدما نال النائب محمد قباني تصفيق المتواجدين في الهيئة العامة لمجلس النواب حين استنكر موقف الولايات المتحدة، وجدها الرئيس فؤاد السنيورة أمس. قدّم الحل الذي يحمي منظمة «اليونيسكو» من العقاب الأميركي. ناشد جامعة الدول العربية والملوك والرؤساء العرب والدول الإسلامية والدول الغربية الصديقة «المبادرة إلى جمع وتسديد المبالغ التي كانت ستدفعها الولايات المتحدة وإسرائيل». بهذه الخطوة يمكن ببساطة، بحسب السنيورة، «إحباط الابتزاز الإسرائيلي والتهويل والضغوط الأميركية من أجل الهيمنة».
لم يسمع السنيورة اقتراح فضل الله أو ربما سمعه جيداً، فابتدع موقفاً مناقضاً لمواقفه السابقة يصلح لأميركا ولا يصلح للبنان: تخلف لبنان عن تمويل المحكمة قد لا يقلّ ثمنه عن العقوبات والعزلة الدولية، أما تخلف أميركا عن تمويل «اليونيسكو» فيمكن استبداله بتمويل عربي. أي أن المعيار الواحد لا يمكن أن يتحقق في هذه الحالة للتعامل مع الفعل الواحد والمتمثل برفض تمويل هيئة منشأة بموجب قرار أممي.
الحل السنيوري تلقفته الأكثرية سريعاً، ولأن الشيء بالشيء يذكر، لم يشأ الأكثريون أن يبدأوا إجازة العيد من دون شكره على موقفه، الذي لا يعتبر حلاً لمسألة تمويل «اليونيسكو»، فحسب بل حلاً لأي إشكالية تتعلق بالتمويل قد تشهدها أي من الهيئات والمنظمات المنشأة بقرارات أممية، والمحكمة الدولية في هذه الحالة هي بيت القصيد.
عندما قررت الولايات المتحدة أن توقف تمويل المنظمة التي يوجد إجماع على دورها الريادي في العالم، لم يخرج أي صوت معترض على السلوك الأميركي ومن بعده الإسرائيلي، بل مناشدات واستجداءات، وفي الحد الأقصى لوم وعتاب. السنيورة كان له دور في استهجان القرار غير المقبول على الإطلاق، فلم ينس، قبل تقديم اقتراحه، أن ينصح أميركا بمراجعة قرارها والعودة عنه لأنه يشكل مخالفة للقيم والمبادئ التي ينادي بها الشعب الأميركي ويشكل انحيازاً فاضحاً من الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب إسرائيل في مواجهة حقوق الشعب الفلسطيني».
دولياً لم يهدّد أحد أميركا بفرض العقوبات عليها أو معاقبتها على تخليها عن التزاماتها تجاه المنظمة الدولية وخرقها للتضامن الإنساني الدولي المستمرّ منذ لحظة إنشاء منظمة «اليونيسكو» في العام 1946.
بالنسبة للمجتمع الدولي لا يمكن المقارنة بين الدور الذي تضطلع به «اليونيسكو» وبين الدور الذي تلعبه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ومع ذلك فإن أحداً لم يتجرأ على رفع أصبع التهديد بالعقوبات بوجه القرار الأميركي. معظمها رأى أن ذلك قرار سيادي للدول وهي عندما تلتزم بتمويل إحدى المنظمات المنشأة بقرار أممي فإن التزامها يكون طوعياً، وبالتالي فالتراجع عنه يبقى صلاحية مطلقة للدولة المعنية لا يمكن مناقشته إلا من باب التمني أو محاولة الإقناع.
التعامل مع مسألة المحكمة الدولية لا يشبه ما سبق. فازدواجية المعايير تجيز لأميركا أن تكون أكثر المحذرين من التأثير السلبي لامتناع لبنان عن التمويل، من دون أن تبالي بأنها فعلت ما تحذر لبنان من فعله. وآخر المواقف المكررة أطلقه مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان أمس عبر قناة «العربية». قال إن «قرارات قاسية ستُتخذ بحق لبنان إذا لم يلتزم بدفع حصته من تمويل المحكمة». وعلى المنوال نفسه، سارت دول عدة بمواكبة ضغوط داخلية على ميقاتي تؤكد أن الحل الوحيد لإنقاذ اللبنانيين من الغضب الدولي لا يكون إلا عبر طريق وحيدة تبدأ بالتمويل.
المعايير لم تتوافق في هذه الحالة، ولم يشر أحد إلى الحق السيادي للبنان بالامتناع عن التمويل، فيما هو كذلك بالنسبة للولايات المتحدة. «ومع التسليم بأن السنيورة لن يدعو لا إلى إدانة الموقف الأميركي ولا إلى معاقبة أميركا على موقفها، فالأولى به، عندها أن ينطلق باقتراحه من لبنان، فيدعو من يهمه الأمر إلى تغطية حصة لبنان في المحكمة، حرصاً على استمراريتها، لا سيما أن نظامها الأساسي ينص على مصادر تمويل بديلة في حال تخلف أي من الأطراف على الالتزام بحصته» يقول أحد أعضاء كتلة التحرير والتنمية.
لحسن فضل الله رأي آخر. فهو يعتبر أنه إذا كان المطلوب أن يلتزم كل فريق بالخطة المالية للقضية المعني بها، فالعرب ومنهم لبنان هم أصحاب القضية الفلسطينية، فيما أميركا هي صاحبة المحكمة وراعية عملها وقد أوقفت تمويل «اليونيسكو» لمصلحة إسرائيل وتتبنى المحكمة ومشروعها الذي يستهدف المقاومين.. لمصلحة إسرائيل أيضاً».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018