ارشيف من :أخبار لبنانية
لمـاذا يرفـض «المسـتقبل» المشـاركة فـي الحـوار؟
نبيل هيثم ـ صحيفة "السفير"
هناك من أعطى فكرة العودة الى الطاولة الحوارية التي اطلقها الرئيس نبيه بري بعداً تكتيكياً، منطلقه الإدراك المسبق لرفض «تيار المستقبل» لها، وأن الغاية من طرحها إظهار «التيار الأزرق» خارجاً على المنحى الحواري لا بل معطلاً له. وهناك، في المقابل، من أدرج الفكرة في سياق التعبير عن الحاجة للتلاقي من جديد وعلى قاعدة أن لا احد يستطيع ان يلغي احداً.
ولكن هناك أيضاً من أعطى الفكرة بعداً إقليمياً، منطلقه الرغبة في توليد عناصر تحصين داخلي مسبق من تداعيات محتملة قد تظهر على الساحة اللبنانية ربطاً بنتائج الحدث السوري تحديداً. ومن هنا قد تنطوي تلك الفكرة على محاولة لإلقاء «حبل النجاة» الى بعض القوى السياسية في لبنان من تلك التداعيات، وخاصة تلك القوى المنغمسة بالحدث السوري، وفي مقدمها تيار المستقبل الذي لم يتوان بعض محلليه عن قلب المسألة بإشارتهم الى خشية بري من سقوط النظام في سوريا، وبالتالي سعيه من خلال الحوار الى إلقاء حبل نجاته وحلفائه من أية تداعيات محتملة لما يسمونه «الانهيار الوشيك».
لماذا بادر بري الى طرح الفكرة الحوارية؟
في الوقت الذي اصبح فيه الحوار «ماركة رئاسية مسجلة»، هناك من يعيد التذكير بأن بري هو اول من اطلق فكرة الحوار قبل حرب تموز 2006، وأنه برغم انتقال المبادرة الحوارية الى كنف رئاسة الجمهورية، ما يزال بري يعتبر نفسه «أم الصبي» في موضوع الحوار. وبالتالي جاء اقتراحه بمعاودة استئناف طاولة الحوار كمحاولة تحفيزية من قبل بري لرئيس الجمهورية ميشال سليمان لتلقف تلك الفكرة والتحرك بناء عليها.
بمعزل عن تلك الأسباب والدوافع جميعها، فقد سارع تيار المستقبل الى رفض العودة الى طاولة الحوار، والى تغليف رفضه بتحديد بند وحيد للحوار المقبول بالنسبة إليه وحصره بسلاح «حزب الله»، ما يقود الى السؤال التالي: هل ان جدول اعمال الحوار هو سبب رفض تيار المستقبل للحوار ام ان الرفض يحمل في طياته أبعاداً أخرى؟
يستدعي السؤال طرح المعطيات الآتية:
اولاً: إن آخر جلسة حوارية انعقدت في الرابع من تشرين الثاني من العام الماضي، اي قبل سنة من الآن، وخلال هذه السنة حصل انقلاب جذري بالمعنى السياسي اخرج المستقبل وزعيمه سعد الحريري من السلطة وحدد أحجام القوى كلها، وكشف حجم الضعف أو التراجع الذي أصاب بعض القوى ومن ضمنها تيار المستقبل.
ثانياً: يدرك تيار المستقبل أن حجم التحول الذي حصل في موازين القوى الداخلية، قد أفقده موقعه الذي اعتاد عليه في الصف الأمامي سياسياً وحكومياً، ومن الطبيعي ان يترجم هذا التحول، او بالأحرى التراجع، في أية محطة حوارية مقبلة مهما كان عنوانها سواء كان السلاح او الاستراتيجية الدفاعية او حتى زحمة السير، وبالتالي سيدخل الى الحوار مكشوفاً سياسياً ومتضرراً معنوياً، وبدل ان يجلس في الصف الأمامي، كما كان حاله في زمن الطاولة الحوارية قبل سنة، سيجلس في المقاعد الخلفية.
ثالثاً: إن التحوّل في موازين القوى الداخلية تجلى في الخلل الكبير الذي أرخاه الموقف الأخير للبطريرك الماروني بشارة الراعي من سلاح «حزب الله»، والذي أفقد تيار المستقبل وحلفاءه الغطاء البطريركي الذي كان يوفره البطريرك السابق نصرالله صفير لفريق 14 آذار.
رابعاً: إن التحول الذي حصل في السنة الاخيرة، وسع مروحة الاشتباكات السياسية التي يخوضها التيار الازرق، فوصلت الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان، الذي بات تحت المرمى المباشر لسعد الحريري وفريقه السياسي، وحالياً تمر علاقة المستقبل مع سليمان في أسوأ مراحلها منذ تبوء الأخير رئاسة الجمهورية، وآخر تجلياتها رفض رئيس الجمهورية توقيع مرسوم ترقية رئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن.
خامساً: يعتبر تيار المستقبل أن أية محطة حوارية وتحت أي عنوان كان، تخدم نجيب ميقاتي، وأن مشاركة التيار الازرق فيها معناها الإقرار بتقدم ميقاتي عليه، وتلك حقيقة يسعى المستقبل الى الهروب منها وعدم الإقرار بها، على ان المزعج بالنسبة الى هذا التيار شعوره أن ميقاتي سيدخل الى الحوار على حصان ابيض، اذ سيجلس في الصف الأمامي كرئيس للحكومة بكامل الهالة والمواصفات والمعنويات، وما يخشاه المستقبل هو أن يكسب ذلك رئيس الحكومة مساحات إضافية في الوعي السني، خاصة أن التيار الازرق بدأ يلاحظ ان حكومة ميقاتي وبعد مضي ما يزيد عن مئة يوم على تأليفها، قد اصبح لها من الريش على الجسم ما قد يقيها كل شرور الرغبة في النيل منها.
سادساً: يعتقد تيار المستقبل ان مشاركته في الحوار تحت عنوان البحث في الاستراتيجية الدفاعية معناها نجاح خصومه في استدراجه الى التسليم بثالوث الجيش والشعب والمقاومة، وإفقاده الورقة الوحيدة التي يرفعها، أي موضوع السلاح.
سابعاً: إن تيار المستقبل متمترس حالياً خلف الرهان على سقوط النظام في سوريا، وما قد يتولد عن ذلك من معطيات لبنانية تعيده الى الصف الأمامي في لبنان وتجعل «حزب الله» قابعاً في زاوية ضيقة يبحث عن حماية، وساعتئذ يدخل سعد الحريري الى الحوار من الباب او العنوان الذي يريده.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018