ارشيف من :ترجمات ودراسات

توصية بتعزيز التعاون الاستخباري بين واشنطن وأنقرة: حزب العمال الكردستاني يحدد سياسة تركيا الخارجية

توصية بتعزيز التعاون الاستخباري بين واشنطن وأنقرة: حزب العمال الكردستاني يحدد سياسة تركيا الخارجية

علي شهاب

قفزت قضية حزب العمال الكردستاني الى صدارة الأولويات التركية في هذه المرحلة، نتيجة حسابات داخلية وخارجية معقدة، في لحظة حساسة باتت فيها أنقرة جزءا من الرؤية الأميركية لمشروع "الإسلام المعتدل" في المنطقة، مع ما يحمل هذا التموضع الاستراتيجي التركي من تبعات سياسية وأمنية، وربما عسكرية، اذا ما تطورت حالة الاحتقان الاقليمية.

ولطالما كانت قضية حزب العمال بالنسبة للسياسة التركية متشعبة ما بين موازين ثلاثة تتوزع على ايران والعراق وسوريا؛ غير أن الأعمال العسكرية الاخيرة للمنظمة ضد الجيش التركي أعادت خلط الأوراق وفتحت باب المراجعة لتحديد مصلحة أنقرة ووزن اوراق القوة التي تمتلكها في هذا الصدد عند محاولة معالجة هذا الملف الشائك الذي تزداد تعقيداته منذ عقود.
الخبير في الشؤون التركية سونر چاغاپتاي اهتم على مدى الاسبوعين الماضيين في مقاربة ملف حزب العمال الكردستاني وما يشكله في الحسابات التركية على ضوء التطورات الأخيرة، من خلال تقريرين بحثيين نشرهما تباعا في صحيفة "حرييت" التركية اليومية ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، علما ان المعهد المذكور شهد في الآونة الأخيرة تحولا بارزا على صعيد تغطية الملف التركي ومتعلقاته، بالانتقال من موقف النقد لحزب العدالة والتنمية والتيار الاسلامي التركي عموما الى كيل المديح له، وتصنيفه مع حلفاء واشنطن نتيجة الدور المتقدم الذي تلعبه أنقرة حاليا خاصة في الملف السوري.

تبقى الإشارة الى تلميح تبناه معهد واشنطن موجه الى "اسرائيل" بضرورة العمل على التقليل من حدة الصورة الإعلامية السائدة، والتي تفيد بأن تل أبيب تدعم حزب العمال الكردستاني، وقد زادت من دعمها هذا بعيد " التدهور" المزعوم في علاقاتها مع تركيا؛ وبالتالي على الاسرائيليين "تجنيد صناع سياسة أتراك" لإثبات العكس.


حزب العمال أولوية تركية

إن تمكّن مجموعة من اعضاء حزب العمال الكردستاني في 22 تشرين الأوّل بعد عبورها الى الاراضي التركية من العراق من قتل أربعة و عشرين جنديا، يعدّ الهجوم الأكثر فتكا وتأثيرا منذ العام 1993،عندما ألحقت هذه الجماعة ضررا كبيرا بتركيا دفعها إلى محاربتهم، لتصبح المناقشات السياسية الداخلية والخارجية تشكّل جزءاً فرعياً من سياسة الحكومة تجاه حزب العمال الكردستاني.

ويُنذر هذا الهجوم الأخير بعهد جديد يسيطر فيه حزب العمال الكردستاني على السياسات التركية، كما انه سيفرض نفسه بقوة ضمن المناقشات السياسية التركية الداخلية و الخارجية، بما فيها المناقشات المتعلقة بالدستور الجديد، مع العلم ان ارتفاع وتيرة العنف من قبل حزب العمال الكردستاني يجعل من احتمال إعلان ميثاق جديد لمواجهة المخاوف الوطنية الكردية أمرا لا فائدة منها.

إن مشكلة حزب العمال الكردستاني ستؤثر على علاقات أنقرة الوثيقة مع الأكراد العراقيين وبغداد، وبما أن حزب العمال الكردستاني يستخدم الأراضي العراقية بشكل متزايد لمهاجمة تركيا، فإن ذلك سيدفع بالعديد من الأتراك إلى معارضة إجراءات التقارب الإضافية من هذا النوع، ما يَحُدُّ من قدرة أنقرة فعلياً على موازنة نفوذ إيران داخل العراق.

كما إن تجاهل ايران لوجود حزب العمال الكردستاني على أراضيها، بعد أن أعلن حزب الحياة الحرة في كردستان ـ الذراع المحلي لحزب العمال الكردستاني في ايران ـ مؤخراً عن وقف إطلاق النار مع طهران، سيثير حفيظة العديد من الاتراك، غير أن اعلان وزيري خارجية تركيا وايران في 21 تشرين الاول نيّة التعاون بين البلدين في قتال حزب العمال الكردستاني قد يجعل من طهران صديقاً لتركيا في حال تبلور هذا الإعلان في سياسة رسمية.

صديق تركيا عدو حزب العمال

يترتب على واشنطن مستقبلا أن تبرز تعاونها ضد حزب العمال الكردستاني، لا سيما المساعدات الاستخباراتية التي توفرها إلى أنقرة. وفي الوقت ذاته، يتعين عليها أن تجد طرقاً لمنع تحول حزب العمال الكردستاني إلى إسفين بين تركيا والعراق أو جسر بين أنقرة وطهران، فتركيا تحدد صداقاتها تجاه أي دولة بناءً على مساعدتها ضد حزب العمال الكردستاني، فبعد أن ألقت أنقرة القبض على القائد السابق لحزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في عام 1999، لم يعد الحزب يمثل تهديداً كبيراً لبعض السنوات، ما دفع الأتراك إلى التخلي عن منظور حزب العمال الكردستاني. غير أنه مع الارتفاع الأخير في هجمات حزب العمال الكردستاني (حيث قتل حزب العمال الكردستاني 73 شخصاً منذ حزيران/ يونيو)، أصبح منظور حزب العمال الكردستاني مرة أخرى يصوغ الرؤية العالمية للأتراك.

وترى تركيا ان واشنطن قد تراخت في تقديم العون لها ضد حزب العمال الكردستاني، فواشنطن التي صَنّفت حزب العمال الكردستاني على أنه كيان إرهابي في عام 1997، وساعدت تركيا في إلقاء القبض على أوجلان في عام 1999. كما انها زودت تركيا بالدعم الاستخباراتي، شكلت وجهة النظر المشوهة في أذهان الاتراك في بداية حرب العراق، حيث كانت واشنطن منشغلة جداً بمقاتلة المتمردين العراقيين بما لا يتيح لها تخصيص الموارد لمكافحة وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، كما إن الهجمات الإرهابية التالية لحزب العمال الكردستاني التي انطلقت من العراق أدت بالأتراك إلى القفز إلى الاستنتاج السابق لأوانه بأن واشنطن، بعدم منعها هجمات حزب العمال الكردستاني، كانت تدعم تلك المنظمة.

وحتى بعد أن بدأت واشنطن في تزويد تركيا بمزيد من الاستخبارات ضد هجمات حزب العمال الكردستاني النابعة من العراق، عقب سحق التمرد في العراق في 2007، كان قد فات الأوان، فحزب العمال الكردستاني كان قد أحدث تأثيره الضار بالفعل.

ولعلّ ما حدث مع واشنطن قد يكون درسا تستفيد منه الدول الأخرى للحيلولة دون أن يشكل منظور حزب العمال الكردستاني الطريقة التي ينظر بها الأتراك إليها، فبحسب ما تظهره التجربة الأمريكية، فإنه مجرد أن تظهر مزاعم الدعم لحزب العمال الكردستاني، تكون الدول متهمة حتى تثبت براءتها. كما بالنسبة لمعضلة ألمانيا واسرائيل مع تركيا، فالمزاعم الأخيرة بأن المنظمات غير الحكومية الألمانية بل وحتى الحكومة نفسها قد تحول الأموال إلى حزب العمال الكردستاني سوف تفسد وجهات النظر التركية وتجعلها معادية لألمانيا إذا لم يتم التعامل مع المسألة الآن.

كما ان ظهور مزاعم في تركيا بأن إسرائيل تدعم حزب العمال الكردستاني عقب تدهور العلاقات الاسرائيلية ـالتركية، يفرض على الإسرائيليين، ليس فقط أن يثبتوا عدم وجود أساس لتلك المزاعم، بل ايضا أن يجنّدوا دعم صناع السياسة الأتراك حتى يقولوا العكس.

في سوريا، وبعد ان سادت علاقات الصداقة بينها وبين تركيا عقب توقفها عن إيواء حزب العمال الكردستاني، عادت العلاقات السورية ـ التركية لتفسد مرة أخرى في الوقت الراهن، واذا تم اللجوء لاستعمال بطاقة حزب العمال الكردستاني ضد تركيا من قبل الأسد سيدفع ذلك بتركيا إلى رد فعل قوي وربما عمل عسكري تجاه سوريا.

إن تركيا تسمح عبر منظور حزب العمال الكردستاني بفهم سياستها الخارجية المباشرة: أنت تقدّم العون لتركيا ضد هذه الجماعة فأنت اذاً صديق، وعكس ذلك فأنت عدو تركيا.

2011-11-11