ارشيف من :ترجمات ودراسات
اسرائيل لايران: انا قوية، خافوا مني... وإلا
حسان ابراهيم
لا خلاف بأن صانع القرار في تل ابيب، يجد ان السجال الدائر في اسرائيل، حول "قرار" توجيه ضربة عسكرية اسرائيلية للمنشآت النووية الايرانية، يخدم العدو في المواجهة القائمة بينه وبين ايران، وإلا لأوقف السجال، وفي حد ادنى، لا يغذيه. رد الفعل الدولي والمنسوب المرتفع من التحذيرات القادمة من الخارج، يجديان نفعا بالتأكيد. التهويل بالضربة وما يعقبها من ردود فعل، حوّل اسرائيل، واقعاً، الى لاعب اساسي على طاولة البحث الدولية، في العقوبات المقبلة المرجو اتخاذها اسرائيليا في مجلس الامن، حتى قبل تحويل تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى المجلس، المنتظر ان يتضمن اشارة واضحة الى "عسكرة" البرنامج النووي الايراني، بل إن السجال جعل اسرائيل لاعبا، قبل صدور التقرير نفسه.
مرة اخرى، لو كان السجال و"تظهير الخلاف"، لا يجدي اسرائيل نفعا، لكانت منعته وحدّت منه.
كان لافتا من بين الكم الهائل من التقارير والتصريحات الاسرائيلية، حول النووي الايراني، تقرير نشرته صحيفة جيروزاليم بوست قبل ايام، كشف عن مدى تغلغل الاستخبارات الاسرائيلية والاميركية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحسب تقرير الصحيفة الاسرائيلية الناطقة بالانكليزية، فان الاستخبارات الاسرائيلية لعبت دورا بارزا في مساعدة الوكالة في جمع المعلومات التي استعانت بها في اعداد تقريرها المرتقب حول أنشطة إيران النووية، والذي سيتهم ايران، كما بات معلوما من التسريبات الاخيرة، بتطوير سلاح نووي.
اللعبة باتت مكشوفة. يراد للمشهد ان يكون على الشكل الآتي: في طرف اللعبة، توجد اسرائيل، المذعورة والفاقدة لعقلها، والتي توشك على ان توجه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الايرانية، وتصرخ باعلى صوتها بانها لن تتوانى عن فعل ذلك ما لم يقم احد بايقافها، وايقافها يعني فرض عقوبات نوعية على ايران، بل تحدد هذه العقوبات، بان تكون ضد المصرف المركزي الايراني ومنع ايران من تصدير النفط ومشتقاته. في طرف اخر، يوجد الاميركيون، الذين يتسلحون باسرائيل وجنونها، كأداة ضغط على اللاعبين الاخرين في مجلس الامن، وتحديدا روسيا والصين، للقول لهما بان عدم فرض العقوبات المطلوبة تحديدا من اسرائيل، سيعني بشكل تلقائي توجيه ضربة اسرائيلية لايران، اي دخول المنطقة في حرب لا تحمد عقباها، ولا يعرف احد اين تنتهي.
هذه هي اللعبة، وهذا ما يراد ان يتركز عليه المشهد الدولي، حيال المنطقة وايران.
قيل الكثير في دوافع اسرائيل. وقد قيل اكثر من اللازم. لكن ما لم يقل، هو اليوم الذي يلي صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واليوم الذي يلي نقاش مجلس الامن، بلا نتائج. السؤال المهدور حتى الان، يتعلق بهذه النقطة: ماذا ستفعل، وماذا ستقدم عليه، اسرائيل لدى تعرّيها واتضاح زيف جنونها؟
يقال اسرائيليا عمن يحرج نفسه بمواقف لا يقوى عليها، بانه صعد على شجرة عالية جدا، ولا يجد سلّما كي ينزل عنها. المثل الاسرائيلي ينطبق تماما على الثنائي نتنياهو وباراك، اللذين صعدا الى شجرة هي اكثر من عالية، وموعد النزول عنها بلا سلّم، يقترب.
وصحيح ان اللعبة الاسرائيلية مكشوفة، لكن في نفس الوقت، لاعبوها يواصلون اللعب، بلا تعب. لجهة تل ابيب، ان تجد لسجالاتها حول "قرار" الضربة العسكرية لايران ردود فعل دولية، سيعني ذلك مزيد من السجال، لمزيد من النتائج، بل وربما رفع المستوى الى درجات اعلى واوسع. في نفس الوقت، إن لا تجد اسرائيل ردود فعل دولية، فهذا سيعني ايضا، رفع مستوى السجال درجات. معنى ذلك ان المرحلة المقبلة، ستشهد مزيدا من التهويل الاسرائيلي، وكشف مزيد من اوراق اللعب، في المرحلة التي تفصل عن صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وايضا سنشهد مزيدا من التهويل في المرحلة التي تفصل صدور التقرير عن تحويله الى مجلس الامن وما يتوقع من مناقشات ستدور على طاولته، حيال إمكان فرض العقوبات، التي يسميها وزير الحرب الاسرائيلي ايهود باراك، بانها يجب ان تكون "شديدة وقاتلة" لايران.
اذاً، ما قبل قطف الثمار المؤملة اسرائيليا، ستشهد المنطقة تهويلا منطلقا من اسرائيل، وربما من خارجها ايضا، بشكل لم يكن مسبوقا من قبل. فإضافة الى تزايد مطّرد للتصريحات والمواقف الاسرائيلية ضد ايران، من المتوقع ان تعاود اسرائيل بث رسائل جهوزيتها العسكرية واستعدادها لحرب مقبلة مع الجمهورية الاسلامية.. مناورات جوية اضافية، تؤكد فيها انها تدربت على مسافات طويلة وتزود بالوقود، لزوم الضربة الايرانية؛ الكشف عن مزيد من الوسائل القتالية والقنابل الخارقة للتحصينات، التي سيقال انها حصلت عليها حديثا من الولايات المتحدة؛ الحديث عن زيادة في وتيرة التدريبات والتجهز الداخلي لتلقي صواريخ بعيدة المدى على المدن والمستوطنات الاسرائيلية؛ تحصينات خاصة في عدد من المواقع الحساسة في اسرائيل، وايضا تدريبات خاصة لمنظومات اسرائيلية تقول تل ابيب بانها قادرة على اعتراض صواريخ ايران..
ولإضفاء مزيد من الجدية، لا يبعد ان تستغل اسرائيل الموعد السنوي للمناورات المشتركة مع الاميركيين، والمسماة "جنيفر كوبرا"، المقرر ان تجري قريبا في اسرائيل، وتوجيه رسالة من خلالها لايران، وقبل ايران لعدد من العواصم الدولية المؤثرة في مجلس الامن، بان الحرب مقبلة، ما لم يجر تداركها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: كيف لاسرائيل ان تقامر على هذا النحو، بحيث انها ستتعرى تماما في المرحلة المقبلة حيال ايران، ما لم يتحقق لها ما تريد، وبالتالي لن يعود صوتها ليسمع، مهما علا واشتد صراخها؟ الواقع، كما يشير باراك نفسه، ان الفرصة الحالية هي الاخيرة امام "المجتمع الدولي"، لمواجهة ايران، وبعدها، لا يبقى سوى الاستسلام امام البرنامج النووي الايراني.
في هذا الاطار، تشير صحيفة هآرتس قبل ايام الى مكمن الخشية الاسرائيلية: ان هناك شعورا بانه على الرغم من ان العقوبات تضر بايران، فإن الجدول الزمني التكنولوجي اسرع من الجدول الزمني الدبلوماسي.
المعلومات تشير الى انه تجمعت لدى اسرائيل معلومات تقول بان ايران نجحت في المحافظة على وتيرة مستقرة من تخصيب اليورانيوم، بمستوى منخفض رغم العقوبات، حيث يتحدث الايرانيون عن رغبتهم في زيادة وتيرة الانتاج بنسبة ٢٠ % بثلاثة اضعاف، ونقل اجهزة الطرد المركزي الموجودة في منشأة غير محصنة في ناتنز الى منشأة تخصيب في مدينة قم تقع في باطن الارض. وبحسب المعلومات فإن الايرانيين يواصلون في الوقت عينه بناء مفاعل للمياه الثقيلة في مدينة اراك، يمكّنهم من تطوير مسار لانتاج البلوتونيوم المطلوب لقنبلة نووية.
نفس الصحيفة كشفت عن اهداف الحملة التهويلية الاسرائيلية، بمشاركة من الولايات المتحدة وعدد من الدول الاوروبية، اذ تقول: ان الوفود الاسرائيلية طرحت في مشاروات عقدت اخيرا مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والمانيا، ثلاثة انواع من العقوبات، من شأنها ان تؤذي بالفعل النظام الايراني، وهي: حظر العلاقات مع البنك المركزي في ايران، وحظر شراء النفط الخام الايراني، وفرض عقوبات اضافية على شركات الطيران والملاحة البحرية الايرانية.
لكن ماذا لو لم يجار مجلس الامن، وتحديدا الروسي والصيني، الامال الاسرائيلية؟ ماذا لو انسحب السياق السوري على الايراني، ورفضت كل من موسكو وبكين الانجرار وراء المطلب الاسرائيلي؟ سؤال يستأهل كثيرا انتظار الاجابة عنه، والتي ستكون، بالتأكيد كارثة على اسرائيل وقادتها، بعد المقامرة الحالية ضد ايران.
بحسب المشهد الاسرائيلي، والسجال القائم في تل ابيب، الصورة باتت معلومة: ما لم يقدم الغرب على فرض عقوبات "قاتلة" ضد ايران، فان الثنائي نتنياهو وباراك سيدفعان الى شن هجوم عسكري على المنشآت النووية الايرانية. الارجح، أن الغرب لن يقدر على فرض عقوبات على ايران، وإن فعل فستكون عقوبات شكلية كما هي حال العقوبات السابقة. اذ ان موازين القوى باتت مختلفة عن ذي قبل، تبعا لتراجع نفوذ الولايات المتحدة دوليا، التي سمحت، كما هو واضح، لشهية موسكو وبكين بالتحرك لملء الفراغ..
عدا ذلك، للاجابة صلة ايضا بالقدرات الاسرائيلية المادية على توجيه ضربة عسكرية لايران. في هذا الاطار، من الصعب القفز، تحليليا، عن معطيات وحقائق مادية لا يمكن جعلها موضوع مواربة وتحايل اسرائيليين. يجري الحديث عن اكثر من اربعين مركزاً ومنشأة ايرانية مرتبطة بالبرنامج النووي الايراني، منتشرة على مدى مساحة ايران الشاسعة، بعض منها تحت الارض ومحصن تحصينا لا يقوى عليه كل ما يحكى عنه من قنابل ذكية وخارقة للتحصينات.. كما ان المسافة ما بين اسرائيل وايران طويلة جدا، ويستعصى على تل ابيب خوض مغامرة من مسافة بعيدة كهذه. الامر الذي يعني، بحسب تعبيرات اسرائيلية مهنية صدرت في الايام القليلة الماضية، ان كل سلاح الجو الاسرائيلي لا يقوى بداهة على معالجة عدة مواقع، هذا ان استطاع فعلا، وبلا رادع ولا اعتراض ايراني دفاعي، فكيف به إن طلب منه معالجة البرنامج النووي بأسره.؟.
من ناحية ثانية، يفترض باسرائيل ان تفكر كثيرا، في اليوم الذي يلي الضربة.. وبحسب تعبير وزير الحرب الاسرائيلي السابق، شاؤول موفاز، اليوم الذي يلي الضربة، سيكون كارثة على اسرائيل.
عدم القدرة المادية، وعدم القدرة على تحمل الثمن، وعدم اليقين حيال نتائج الفعل، تدفع بالتأكيد اي متابع للشأن الاسرائيلي، لتفسير السجال حول قرار الضربة من عدمه، بانه تهويل يراد منه الحث على مواجهة ايران، بأيدٍ غير اسرائيلية... هل تنجح تل ابيب؟ نصف الخسارة قد تحققت في انكشاف زيف سجالها، لدى نفسها، ولدى ايران، ولدى المستهدفين في مجلس الامن.. اما النصف الاخر، فما زال ينتظر ان يتحقق.
لا خلاف بأن صانع القرار في تل ابيب، يجد ان السجال الدائر في اسرائيل، حول "قرار" توجيه ضربة عسكرية اسرائيلية للمنشآت النووية الايرانية، يخدم العدو في المواجهة القائمة بينه وبين ايران، وإلا لأوقف السجال، وفي حد ادنى، لا يغذيه. رد الفعل الدولي والمنسوب المرتفع من التحذيرات القادمة من الخارج، يجديان نفعا بالتأكيد. التهويل بالضربة وما يعقبها من ردود فعل، حوّل اسرائيل، واقعاً، الى لاعب اساسي على طاولة البحث الدولية، في العقوبات المقبلة المرجو اتخاذها اسرائيليا في مجلس الامن، حتى قبل تحويل تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى المجلس، المنتظر ان يتضمن اشارة واضحة الى "عسكرة" البرنامج النووي الايراني، بل إن السجال جعل اسرائيل لاعبا، قبل صدور التقرير نفسه.
مرة اخرى، لو كان السجال و"تظهير الخلاف"، لا يجدي اسرائيل نفعا، لكانت منعته وحدّت منه.
كان لافتا من بين الكم الهائل من التقارير والتصريحات الاسرائيلية، حول النووي الايراني، تقرير نشرته صحيفة جيروزاليم بوست قبل ايام، كشف عن مدى تغلغل الاستخبارات الاسرائيلية والاميركية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحسب تقرير الصحيفة الاسرائيلية الناطقة بالانكليزية، فان الاستخبارات الاسرائيلية لعبت دورا بارزا في مساعدة الوكالة في جمع المعلومات التي استعانت بها في اعداد تقريرها المرتقب حول أنشطة إيران النووية، والذي سيتهم ايران، كما بات معلوما من التسريبات الاخيرة، بتطوير سلاح نووي.
اللعبة باتت مكشوفة. يراد للمشهد ان يكون على الشكل الآتي: في طرف اللعبة، توجد اسرائيل، المذعورة والفاقدة لعقلها، والتي توشك على ان توجه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الايرانية، وتصرخ باعلى صوتها بانها لن تتوانى عن فعل ذلك ما لم يقم احد بايقافها، وايقافها يعني فرض عقوبات نوعية على ايران، بل تحدد هذه العقوبات، بان تكون ضد المصرف المركزي الايراني ومنع ايران من تصدير النفط ومشتقاته. في طرف اخر، يوجد الاميركيون، الذين يتسلحون باسرائيل وجنونها، كأداة ضغط على اللاعبين الاخرين في مجلس الامن، وتحديدا روسيا والصين، للقول لهما بان عدم فرض العقوبات المطلوبة تحديدا من اسرائيل، سيعني بشكل تلقائي توجيه ضربة اسرائيلية لايران، اي دخول المنطقة في حرب لا تحمد عقباها، ولا يعرف احد اين تنتهي.
هذه هي اللعبة، وهذا ما يراد ان يتركز عليه المشهد الدولي، حيال المنطقة وايران.
قيل الكثير في دوافع اسرائيل. وقد قيل اكثر من اللازم. لكن ما لم يقل، هو اليوم الذي يلي صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واليوم الذي يلي نقاش مجلس الامن، بلا نتائج. السؤال المهدور حتى الان، يتعلق بهذه النقطة: ماذا ستفعل، وماذا ستقدم عليه، اسرائيل لدى تعرّيها واتضاح زيف جنونها؟
يقال اسرائيليا عمن يحرج نفسه بمواقف لا يقوى عليها، بانه صعد على شجرة عالية جدا، ولا يجد سلّما كي ينزل عنها. المثل الاسرائيلي ينطبق تماما على الثنائي نتنياهو وباراك، اللذين صعدا الى شجرة هي اكثر من عالية، وموعد النزول عنها بلا سلّم، يقترب.
وصحيح ان اللعبة الاسرائيلية مكشوفة، لكن في نفس الوقت، لاعبوها يواصلون اللعب، بلا تعب. لجهة تل ابيب، ان تجد لسجالاتها حول "قرار" الضربة العسكرية لايران ردود فعل دولية، سيعني ذلك مزيد من السجال، لمزيد من النتائج، بل وربما رفع المستوى الى درجات اعلى واوسع. في نفس الوقت، إن لا تجد اسرائيل ردود فعل دولية، فهذا سيعني ايضا، رفع مستوى السجال درجات. معنى ذلك ان المرحلة المقبلة، ستشهد مزيدا من التهويل الاسرائيلي، وكشف مزيد من اوراق اللعب، في المرحلة التي تفصل عن صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وايضا سنشهد مزيدا من التهويل في المرحلة التي تفصل صدور التقرير عن تحويله الى مجلس الامن وما يتوقع من مناقشات ستدور على طاولته، حيال إمكان فرض العقوبات، التي يسميها وزير الحرب الاسرائيلي ايهود باراك، بانها يجب ان تكون "شديدة وقاتلة" لايران.
اذاً، ما قبل قطف الثمار المؤملة اسرائيليا، ستشهد المنطقة تهويلا منطلقا من اسرائيل، وربما من خارجها ايضا، بشكل لم يكن مسبوقا من قبل. فإضافة الى تزايد مطّرد للتصريحات والمواقف الاسرائيلية ضد ايران، من المتوقع ان تعاود اسرائيل بث رسائل جهوزيتها العسكرية واستعدادها لحرب مقبلة مع الجمهورية الاسلامية.. مناورات جوية اضافية، تؤكد فيها انها تدربت على مسافات طويلة وتزود بالوقود، لزوم الضربة الايرانية؛ الكشف عن مزيد من الوسائل القتالية والقنابل الخارقة للتحصينات، التي سيقال انها حصلت عليها حديثا من الولايات المتحدة؛ الحديث عن زيادة في وتيرة التدريبات والتجهز الداخلي لتلقي صواريخ بعيدة المدى على المدن والمستوطنات الاسرائيلية؛ تحصينات خاصة في عدد من المواقع الحساسة في اسرائيل، وايضا تدريبات خاصة لمنظومات اسرائيلية تقول تل ابيب بانها قادرة على اعتراض صواريخ ايران..
ولإضفاء مزيد من الجدية، لا يبعد ان تستغل اسرائيل الموعد السنوي للمناورات المشتركة مع الاميركيين، والمسماة "جنيفر كوبرا"، المقرر ان تجري قريبا في اسرائيل، وتوجيه رسالة من خلالها لايران، وقبل ايران لعدد من العواصم الدولية المؤثرة في مجلس الامن، بان الحرب مقبلة، ما لم يجر تداركها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: كيف لاسرائيل ان تقامر على هذا النحو، بحيث انها ستتعرى تماما في المرحلة المقبلة حيال ايران، ما لم يتحقق لها ما تريد، وبالتالي لن يعود صوتها ليسمع، مهما علا واشتد صراخها؟ الواقع، كما يشير باراك نفسه، ان الفرصة الحالية هي الاخيرة امام "المجتمع الدولي"، لمواجهة ايران، وبعدها، لا يبقى سوى الاستسلام امام البرنامج النووي الايراني.
في هذا الاطار، تشير صحيفة هآرتس قبل ايام الى مكمن الخشية الاسرائيلية: ان هناك شعورا بانه على الرغم من ان العقوبات تضر بايران، فإن الجدول الزمني التكنولوجي اسرع من الجدول الزمني الدبلوماسي.
المعلومات تشير الى انه تجمعت لدى اسرائيل معلومات تقول بان ايران نجحت في المحافظة على وتيرة مستقرة من تخصيب اليورانيوم، بمستوى منخفض رغم العقوبات، حيث يتحدث الايرانيون عن رغبتهم في زيادة وتيرة الانتاج بنسبة ٢٠ % بثلاثة اضعاف، ونقل اجهزة الطرد المركزي الموجودة في منشأة غير محصنة في ناتنز الى منشأة تخصيب في مدينة قم تقع في باطن الارض. وبحسب المعلومات فإن الايرانيين يواصلون في الوقت عينه بناء مفاعل للمياه الثقيلة في مدينة اراك، يمكّنهم من تطوير مسار لانتاج البلوتونيوم المطلوب لقنبلة نووية.
نفس الصحيفة كشفت عن اهداف الحملة التهويلية الاسرائيلية، بمشاركة من الولايات المتحدة وعدد من الدول الاوروبية، اذ تقول: ان الوفود الاسرائيلية طرحت في مشاروات عقدت اخيرا مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والمانيا، ثلاثة انواع من العقوبات، من شأنها ان تؤذي بالفعل النظام الايراني، وهي: حظر العلاقات مع البنك المركزي في ايران، وحظر شراء النفط الخام الايراني، وفرض عقوبات اضافية على شركات الطيران والملاحة البحرية الايرانية.
لكن ماذا لو لم يجار مجلس الامن، وتحديدا الروسي والصيني، الامال الاسرائيلية؟ ماذا لو انسحب السياق السوري على الايراني، ورفضت كل من موسكو وبكين الانجرار وراء المطلب الاسرائيلي؟ سؤال يستأهل كثيرا انتظار الاجابة عنه، والتي ستكون، بالتأكيد كارثة على اسرائيل وقادتها، بعد المقامرة الحالية ضد ايران.
بحسب المشهد الاسرائيلي، والسجال القائم في تل ابيب، الصورة باتت معلومة: ما لم يقدم الغرب على فرض عقوبات "قاتلة" ضد ايران، فان الثنائي نتنياهو وباراك سيدفعان الى شن هجوم عسكري على المنشآت النووية الايرانية. الارجح، أن الغرب لن يقدر على فرض عقوبات على ايران، وإن فعل فستكون عقوبات شكلية كما هي حال العقوبات السابقة. اذ ان موازين القوى باتت مختلفة عن ذي قبل، تبعا لتراجع نفوذ الولايات المتحدة دوليا، التي سمحت، كما هو واضح، لشهية موسكو وبكين بالتحرك لملء الفراغ..
عدا ذلك، للاجابة صلة ايضا بالقدرات الاسرائيلية المادية على توجيه ضربة عسكرية لايران. في هذا الاطار، من الصعب القفز، تحليليا، عن معطيات وحقائق مادية لا يمكن جعلها موضوع مواربة وتحايل اسرائيليين. يجري الحديث عن اكثر من اربعين مركزاً ومنشأة ايرانية مرتبطة بالبرنامج النووي الايراني، منتشرة على مدى مساحة ايران الشاسعة، بعض منها تحت الارض ومحصن تحصينا لا يقوى عليه كل ما يحكى عنه من قنابل ذكية وخارقة للتحصينات.. كما ان المسافة ما بين اسرائيل وايران طويلة جدا، ويستعصى على تل ابيب خوض مغامرة من مسافة بعيدة كهذه. الامر الذي يعني، بحسب تعبيرات اسرائيلية مهنية صدرت في الايام القليلة الماضية، ان كل سلاح الجو الاسرائيلي لا يقوى بداهة على معالجة عدة مواقع، هذا ان استطاع فعلا، وبلا رادع ولا اعتراض ايراني دفاعي، فكيف به إن طلب منه معالجة البرنامج النووي بأسره.؟.
من ناحية ثانية، يفترض باسرائيل ان تفكر كثيرا، في اليوم الذي يلي الضربة.. وبحسب تعبير وزير الحرب الاسرائيلي السابق، شاؤول موفاز، اليوم الذي يلي الضربة، سيكون كارثة على اسرائيل.
عدم القدرة المادية، وعدم القدرة على تحمل الثمن، وعدم اليقين حيال نتائج الفعل، تدفع بالتأكيد اي متابع للشأن الاسرائيلي، لتفسير السجال حول قرار الضربة من عدمه، بانه تهويل يراد منه الحث على مواجهة ايران، بأيدٍ غير اسرائيلية... هل تنجح تل ابيب؟ نصف الخسارة قد تحققت في انكشاف زيف سجالها، لدى نفسها، ولدى ايران، ولدى المستهدفين في مجلس الامن.. اما النصف الاخر، فما زال ينتظر ان يتحقق.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018