ارشيف من :أخبار لبنانية
لبـنان يصـوّت ضـد عـزل سوريـا.. ولمصلحتـه أولاً
نبيل هيثم ـ صحيفة "السفير"
لماذا قرر لبنان التصويت ضد تجميد عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، ولماذا لم يستجب للضغوط التي مورست عليه للمضي في سياسة «النأي بالنفس» التي انتهجها حيال الحدث السوري وتجلت في امتناعه عن التصويت ضد سوريا في مجلس الأمن الدولي؟ واستطراداً، هل كان بمقدور لبنان أن يذهب الى غير الموقف الذي اتخذه، وهل كان في مقدوره أن يصوت ضد سوريا، او حتى ان يمتنع؟
ينطلق مرجع رسمي من مداخلة وزير الخارجية عدنان منصور في المجلس الوزاري العربي في القاهرة لعرض الأسباب التي بني عليها موقف لبنان في الجامعة العربية، على الشكل الآتي:
اولاً، إن قراراً كمثل الذي اتخذ ضد سوريا تتخذه القمم العربية وليس وزراء الخارجية، ويتطلب إجماعاً من قبل كل الدول عدا الدولة المطلوب تجميد عضويتها.
ثانياً، لبنان لا يستطيع أن يكون إلا الى جانب سوريا، وإن تصويته ضد عزل سوريا ليس موقفاً جريئاً خرق فيه توجه اغلبية العرب، بقدر ما هو موقف طبيعي او موقف الحد الأدنى الذي يتخذه لبنان، ليس لمصلحة سوريا فقط بل بالقدر نفسه وربما اكثر لمصلحته، فكأن لبنان في هذه الحالة قد صوّت لنفسه. كما أن تصويت لبنان ضد تجميد عضوية سوريا في الجامعة، انطوى على دعوة للعرب لمراعاة الخصوصية اللبنانية ولعدم توريط لبنان في التعقيدات السورية.
ثالثاً، إن تصويت لبنان ضد سوريا، معناه واحدٌ من اثنين إما الانتحار وإما الاختناق، وكان في إمكان لبنان أن يمتنع عن التصويت في المجلس الوزاري العربي، إلا أن الامتناع في هذه الحالة لا يعبر عن سياسة النأي بالنفس كما حصل في مجلس الأمن، فالامتناع هنا يعادل التصويت مع عزل سوريا، وخاصة أن أصوات الممتنعين لا تحتسب، وبالتالي فإن الامتناع معناه إما التسهيل غير المباشر او المساهمة غير المباشرة في بناء الإجماع ضد سوريا. وهذا ما سيترك اثراً سلبياً على علاقة الحكومة اللبنانية بالنظام في سوريا.
رابعاً، هناك بعض القوى الداخلية تسعى لأن تزج لبنان ونفسها في الشأن السوري وتسعى لتحويل لبنان أحد فكي الكماشة الضاغطة على نظام الأسد، وبالتالي فإن التصويت ضد سوريا، معناه الاستجابة غير المباشرة لما يريده الفريق المتصادم مع سوريا، وبالتالي زج لبنان في معركة مفتوحة وطويلة الأمد مع دمشق قد تترتب عليها تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية خطيرة.
خامساً، إن كلفة التصويت ضد عزل سوريا وإن كان يثير حفيظة بعض العرب وكل الغرب، إلا أن أكلافه تبقى أقل بكثير من أكلاف ذهاب لبنان الى تصويت من نوع آخر، وانطلاقا من الجغرافيا السياسية للبنان، فإن التصويت ضد سوريا، كما الامتناع، من شأنهما ان يستدرا ردة فعل سورية، لبنان بغنى عنها، فلبنان وكما هو معروف بلد لا توجد له الى جانب رئته البحرية، سوى رئة واحدة يتنفس منها اقتصادياً وعلى مستوى التجارة البرية وحركة انتقال البضائع هي الرئة السورية، وبالتالي فإن القيام بأية خطوة تثير حفيظة النظام في سوريا قد تستدعي تداعيات لا يقدر لبنان على تحملها، وثمة مقولة تاريخية تدلـّل على اهمية الرئة السورية مفادها أنه «عندما يُسكّر السوري الحدود، لبنان يهتزّْ، وعندما يفتح السوري الحدود، لبنان يعتزّ». وما زالت ذاكرة اللبنانيين طرية عندما تعالت الاستغاثات بالأمس القريب من الداخل اللبناني، يوم أقفل الجانب السوري الحدود مع لبنان وطلب الرئيس فؤاد السنيورة وساطة السيد حسن نصرالله مع الرئيس السوري بشار الأسد لفتح الحدود آنذاك بعدما ارتفعت صرخة اللبنانيين.
سادساً، إن التصويت ضد سوريا، كما الامتناع معناه النكث بكل الاتفاقيات القائمة بين لبنان وسوريا، وتحديداً معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق الموقعة بين البلدين والمسجلة في جامعة الدول العربية.
سابعاً، إن لبنان محكوم باتفاق الطائف الذي رعته السعودية، وما تصويته في المجلس الوزاري العربي إلا من باب تأكيد التزامه بهذا الاتفاق نصاً وروحاً، وقد يكون مفيداً هنا التذكير بأن البند المتعلق بالعلاقات اللبنانية السورية الوارد ضمن اتفاقية الطائف هو البند الأكبر من حيث الحجم، والأعمق من حيث المضمون، وهو أن توجه الى العرب جميعاً كـ«أشقاء»، إلا أنه خص سوريا بالنص على علاقات مميزة معها، ومعنى العلاقات المميزة تقديم أولوية العلاقة مع سوريا على كل العلاقات الأخرى.
ثامناً، يجب ألا يغيب عن البال سبب اكثر من جوهري لتصويت لبنان الى جانب سوريا، وهو أن الحكومة اللبنانية الحالية، وبرغم تمايز بعض مكوناتها، ليست حكومة 14 اذار، بل هي حكومة حليفة لسوريا وتحمل نظرة مختلفة جذرياً عن نظرة الفريق الذي اخرجته من معادلة الحكم، وبالتالي لم يجتهد وزير الخارجية في الجامعة العربية بل ترجم الوجهة السياسية الأكثر من طبيعية لهذه الحكومة. فضلاً عن أن القرار الذي عبر عنه وزير الخارجية في القاهرة، مغطى رئاسياً وسياسياً.
تاسعاً، لعل أبلغ سبب موجب لتصويت لبنان ضد عزل سوريا، هو أن لبنان، ونظراً لخصوصية العلاقة مع سوريا وللجغرافيا السياسية القائمة بينهما، معني مباشرة بكل ما يجري في سوريا، فهو في موقع تلقي التداعيات مهما كانت، فسوريا تعاني اليوم مرضاً خطيراً ولبنان أول من يتمنى شفاءها بالقول والفعل، ذلك أن تفشي المرض في الجسد السوري، معناه أن لبنان، ونظراً لضعف مناعته الداخلية وحجم الجراثيم والفيروسات السياسية والمذهبية الكامنة في الجسد اللبناني الهش، جاهز لالتقاط العدوى... وساعتئذ لا ينفع لوم ولا ندم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018