ارشيف من :ترجمات ودراسات
وجود أمني بستار دبلوماسي لمواجهة النفوذ الايراني: أوجه الاحتلال الأميركي للعراق بعد الانسحاب العسكري!
علي شهاب
لم تقرر الولايات المتحدة الاميركية سحب قواتها من العراق الا بعد ان وجدت الوسائل البديلة التي تضمن بقاء نفوذها فيه، ومن دون ان تترك للنفوذ الايراني حرية التحرّك وحده على الساحة العراقية في ظل ما تمرّ به المنطقة من ظروف دقيقة وحساسة.
ويتمثّل البديل الأميركي للانسحاب العسكري في خدمات أمنية تأخذ تارة عناوين اجهزة تعاون استخباراتي واخرى تلبس لباس التواجد الدبلوماسي.
الخبير في برنامج الدراسات العسكرية والأمنية مايكل نايتس تناول في تقرير بحثي نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى النفوذ الامريكي بعد الانسحاب من العراق وأوجه الحفاظ عليه ما بعد عام 2011.
لا علاقة طبيعية مع احتلال
سعى الرئيس أوباما في 21 من تشرين الأوّل إلى رسم خط خطابي تحت الانخراط العسكري لأمريكا في العراق وأعلن عن مرحلة جديدة في العلاقة الثنائية بين البلدين، إلا أن الواقع لا يُظهر ذلك، فالعراقيون لن يكونون قادرين على الفصل بدقّة بين معايشتهم للاحتلال وتعاملاتهم المستقبلية مع الولايات المتحدة، وعلى الأرجح سيواصلون إظهار الكثير من خصائص الدولة المستقلة حديثا بعد المرحلة الاستعمارية وذلك مثل الرفض الجامح لبعض النصائح أو المساعدة الأمريكية مع ظهور نوبات متطرفة من الشوفينية.
وبالرغم من ان الرئيس الامريكي قد اعلن عن تاريخ 1 كانون الثاني كبداية علاقة طبيعية بين دولتين مستقلتين، إلا ان العلاقة لن تكون طبيعية في السنوات التالية، ولتحقيق أهداف الاستقرار والامن والاعتماد على النفس التي حددها الرئيس اوباما فسيكون على واشنطن ان تخطو برفق على الحساسيات المحلية وألا تبالي بالإساءات المتكررة وأن توسع مدى الأصوات الدولية القادرة على التأثير إيجابيا على الحكومة العراقية.
ما بعد الانسحاب الامريكي
ولقد استشهد الرئيس أوباما بتاريخ 31 كانون الأول 2011 باعتباره اللحظة التي "سيعبر فيها آخر الجنود الأمريكيين الحدود خارجين من العراق" لكن الواقع أكثر تعقيدا، فالحقيقة أنّ أعدادا صغيرة من أفراد الجيش الأمريكي سيبقون هناك تحت سلطة رئيس البعثة (أي الدبلوماسيين تحت رئاسة السفير الأمريكي وهو الوضع المُبيَّن في البند 3927، الباب 22 من القانون الأمريكي).
وربما يكون وجود الحكومة الأمريكية في العراق من النوع الضخم حيث يتكون من حوالي 16000 فرد وذلك طبقا لمكتب منسق نقل السلطة في العراق التابع لوزارة الخارجية الأمريكية. ومن هذا المجموع فإن حوالي 14000 فرد سيكونون متعاقدين، من بينهم 4000 إلى 5000 متعاقدون أمنيون مسلحون مكلفون بحماية البعثة. وبالنظر إلى رفض بغداد المدربين العسكريين الأمريكيين الذين يعملون خارج سلطة رئيس البعثة فإن جهود المساعدة الأمنية ستكون مقصورة على:
ـ مكتب التعاون الأمني ـ العراق: (OSC-I). وسيشمل هذا المكتب مؤقتا 157 فردا تابعين لوزارة الدفاع و763 متعاقدا يعملون في فرق المساعدة الخاصة وطاقم الدعم، ومهمة المكتب هي "نُصح وتدريب ومساعدة وتجهيز" قوات الأمن العراقية، وسيركز أفراد البنتاغون على مراقبة القادة العراقيين وبناء قدرة مؤسساتية في الوزارات الأمنية وإدارة الاجتلاب الواسع لمعدات عسكرية أمريكية تحت مظلة برنامج المبيعات العسكرية الخارجية وكذلك نقل المعدات العسكرية الأمريكية الزائدة إلى العراق، أما فرق المساعدة الخاصة فسوف تدعم عقود اجتلاب الدفاع العراقية الفردية، ويمكن لعدد هذه الفرق أن يزيد لو جلب العراق المزيد من الأسلحة الأمريكية في المستقبل.
ـ هيئة تنفيذ القانون ومكافحة المخدرات الدولية. وسوف ينشر برنامج الهيئة حوالي 1200 مدرب شرطي في العراق.
عدد أقل... لكن التحديات أكبر
سيحتفظ مكتب التعاون الأمني في العراق في 2012 عند بدء عمله بــ "موقع دائم" في السفارة ببغداد إلى جانب مكاتب تابعة في تكريت تلك التي تركز على مشكلات القوات الجوية وقاعدة أم القصر البحرية "للشؤون البحرية" ومركز تاجي الوطني للوجيستيات ومركز بسمايا التدريبي الذي سوف يبقى في الخدمة حتى 2015 على الأقل، وربما يعيّن مكتب التعاون الأمني أيضا طاقما في مكاتب وزارة الخارجية الأمريكية في البصرة وإربيل وكركوك وكذلك قاعدة ساثر الجوية "وهي جزء من مطار بغداد الدولي" ووزارة الداخلية العراقية، كما وتخطط وزارة الخارجية لإنشاء فرق استشارية شرطية في ثلاث كليات تدريبية في البصرة وإربيل وبغداد، وسيقوم هؤلاء الأفراد أيضا بزيارات دورية لما يصل إلى ثمانية وعشرين مكتبا شرطيا في عشر محافظات.
ولكن على الرغم من هذا الوجود الأمريكي المخفَّض إلا أنّ العديد من التحديات ستطرح على الحكومتين في السنوات المقبلة، حيث إنّ ضرورة التحركات الأرضية والجوية بين القواعد السابق ذكرها ستخلق تحديات أمنية هائلة، وعلى نحو أوسع، فإن الفشل في التوصل إلى اتفاق جديد لوضع القوات مع العراق سوف يجعل اتفاقية الإطار الاستراتيجي 2008 الأساس المهيمن على أنشطة مكتب التعاون الأمني، وهو الوضع الذي يمكن أن يطرح عقبات أمام الأفراد على الأرض بل ويثير أزمات دبلوماسية أيضا.
الصبر لمواجهة العقبات!
وعلى الرغم من أنّ رئيس الوزراء نوري المالكي قد دعم علنا هذا الخيار، إلا ان اصواتا عراقية اخرى من بينها اقرب مستشاريه أظهرت دعما اقل، كما في تصريح مساعد المالكي سامي العسكري في 16 تشرين الاول الذي رأى ضرورة اقتصار مكتب التعاون الامني على 200 او 300 فرد امريكي فقط بحسب رويترز.
وفي الواقع إن عدم وجود اتفاقية جديدة يسمح بالتصيّد العراقي للأخطاء، فمثلا تُعرِّف اتفاقية 2008 "القوات الأمريكية" التي يجب أن تنسحب بأنها "الكيان الذي يتألف من أفراد القوات المسلحة الأمريكية والمكون المدني المصاحب لهم وكل الممتلكات والمعدات والمواد التي تضعها القوات المسلحة الأمريكية في أراضي العراق"، كما أن اتفاق "فيينّا" للعلاقات الدبلوماسية يعطي الدول المُضيفة الحق في إشعارها بكل شيء عن الأفراد المُعينين في البعثات الخارجية وكذلك الحق في منع الأفراد العسكريين الأجانب من حمل بنادق أو ارتداء زيٍّ رسمي، كما أن الكثيرين من أفراد وزارة الخارجية قد تعرضوا لمضايقات في نقاط بغداد المرورية بينما يعاني آخرون من احتجاز مؤقت للمرافقين واحتجاز المعدات أحيانا وبالتالي فإن احتمالية الإعاقات الدبلوماسية والأزمات القانونية بعد 2011 مرتفعة.
وسوف يفرح خصوم الشراكة الاستراتيجية الأمريكية العراقية ـ وبخاصة الحكومة الإيرانية ومقتدى الصدر ـ بالمشاحنات المتكررة بين بغداد والسفارة الأمريكية، وقد يسعون إلى استثارة مثل هذه الحوادث عن طريق وكلائهم داخل القوات المسلحة والوزارات الأمنية، لذا فإن العلاج المعتاد لهذه المشكلات، وهو اتفاقية مكانة القوات على أن تكون واضحة المعالم وموقعة من الطرفين، قد لا يكون متاحا لبعض السنوات بسبب حساسيات ما بعد الاحتلال لدى القادة العراقيين ودوائرهم الانتخابية وهي الحساسيات التي يُشعلها وكلاء إيران، فإن أفضل طريقة والتي ربما تكون هي الطريقة الوحيدة لبناء إجماع لتطبيع حقيقي للعلاقات هو الصبر الجميل في تحمّل بلادة السنوات المقبلة والاستفادة عوضا عن ذلك بالاتفاقيات غير الرسمية مع العمل باستمرار على مواجهة النفوذ الإيراني.
وبهذا فإن المهمة التي تقودها وزارة الخارجية يمكن أن تستفيد دروسا نافعة من تكيف الجيش الأمريكي مع التحديات في السنوات المقبلة مثل القيود على التحرك العسكري الأمريكي داخل المدن العراقية بعد 30 حزيران 2009 وإنهاء الدوريات الأمريكية الأحادية، وللطرفين تاريخ في مسألة إيجاد حلول وسط لمعظم المشكلات، وأكثر ما يهم هنا هو ألا تتعثر بعثة المساعدة الأمنية لما بعد 2011 بسبب تحديات مقصودة أو غير مقصودة لبرامج مكتب التعاون الأمني وهيئة تنفيذ القانون ومكافحة المخدرات.
خدمات أمريكية لدعم العلاقة الثنائية
كما أنّ واشنطن أبقت عرض تمديد الوجود الأمريكي العسكري على الطاولة حتى قبل أسبوع واحد فقط من خطاب الرئيس أوباما في 21 تشرين الأول، وبالنظر إلى أن أوباما أتى إلى السلطة واعدا بإنهاء التدخل في العراق، فإن هذا العرض يظهر جدية التزام الولايات المتحدة تجاه العراق، وبالإضافة إلى "التكاليف الباهظة" لمصرع 4482 وإنفاق أكثر من تريليون دولار فإن الادارة تدرك أنّ الولايات المتحدة لديها أسهم أخرى باقية في العراق تستحق دفع ضريبة سياسية لحمايتها، حيث ان العراق ما يزال شكّل مَحكّا للشخصية والعزم الأمريكي على الصعيدين العالمي والإقليمي: فلو أمكن الوصول بجهود الاستقرار إلى الإثمار فإن واشنطن ستكون بهذا قد أظهرت أن بوسعها دعم حلفائها والوفاء بوعودها،كما أن العراق هو الميدان الرئيسي في الحرب الباردة الآخذة في النمو بين إيران وشركاء أمريكا العرب والأكراد في المنطقة، وبالتالي فإن الارتباط الأمريكي ببغداد يعطي قادة العراق ثقلا موازيا للنفوذ الإيراني،أضف إلى أن العراق مصدر ضخم للطاقة واستقراره ضروري لو أرادت الأسواق العالمية الاستمرار في تلبية الطلب على الطاقة.
وبناءً عليه فإن العلاقات الثنائية يجب أن تتغلب على العقبات القصيرة المدى التي تنتج عن الآثار العاطفية للاحتلال والتي تشعل المشاعر الملتهبة والمعقدة حتى بين أقوى المناصرين لأمريكا في العراق، وتوسيع إشراك الشركاء الدوليين من نفس الاتجاه هو احدى وسائل العمل باتجاه تحقيق الأهداف الأمريكية في وقت ربما لا يتم استقبال النصائح الأمريكية دوما بالشكل المناسب.
وعلى سبيل المثال فإن بعثة تدريب الناتو في العراق تشتمل على ثلاثة وعشرين عضوا متحالفا يدعمون التعليم العسكري الاحترافي داخل الدولة تحت رعاية قرار مجلس الأمن 1546. ويمكن توسيع هذه المهمة في المقام الأول بدون أفراد أمريكيين.
ويمكن ايضا للمشاركة التركية الناجحة في العراق أن تقدم أيضا دروسا مهمة حول التكيف لتصير الحليف الذي تبغيه الدولة وتحتاج إليه، فقد كسبت أنقرة الكثير من العراقيين لصفّها بتسهيل زيارتهم لتركيا وتشجيع التجارة التركية المنتشرة في العراق، وينبغي لواشنطن تسهيل الدور المتنامي لأنقرة كثقل سياسي واقتصادي مواز للنفوذ الإيراني، وكذلك تشجيع المشروعات الاقتصادية التركية العراقية الأمريكية المشتركة.
ولعل الولايات المتحدة تستفيد أيضا من دعم الرغبة الملحة لبغداد في العودة للدخول في المجتمع الدولي على سبيل المثال بدعم طلب العراق أن يكون عضوا غير دائم في مجلس الأمن، كما وينبغي على الصعيد التعليمي أن تعزز الولايات المتحدة دعمها الجوهري لمؤسسات مثل الجامعة الأمريكية في العراق وربما العمل على التخفيف من قيود الحصول على التأشيرة للطلبة العراقيين للمحاور الإقليمية مثل مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة حيث يمكن هناك أن يتواصلوا مع الخدمات الأمريكية العالية الجودة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018