ارشيف من :ترجمات ودراسات
اعتقال حزب الله لـ 12 عميلاً للـ"سي آي إيه" في بيروت دليل آخر على تحسن قدرات "محور الشر" في مواجهة مساعي التجسس من جانب الغرب
المصدر: "يديعوت أحرونوت"
"يشكّل ما نُشر اليوم عن تمكّن حزب الله وإيران من اعتقال اثني عشر عميلاً تابعاً لوكالة الاستخبارات الأميركية المركزيّة (سي آي إيه)، دليلاً إضافيّاً على التحسّن الجوهريّ الذي طرأ في العقد الأخير، على قدرات محور الشرّ في مواجهة مساعي التجسّس والإحباط من جانب الغرب. ويستمرّ حصول "حوادث" غامضة في إيران، فيما تتواصل بين الحين والآخر تصفية عناصر من حزب الله في عمليات مؤثّرة، لكنّ الدولتين تفيدان أكثر فأكثر عن اعتقال جواسيس، سواء كانوا كذلك أم لم يكونوا.
في هذا السياق قالت مصادر رسمية أميركية لإحدى وكالات الأخبار إنّ حزب الله وإيران طوّرا، على مدى سنوات، قدراتهما على توقيف جواسيس، عبر التحلّي بالصبر وضبط النفس إضافة إلى سبل الحيلة التي مكّنتهما من استغلال منافذ في الأجهزة الأميركية المخصّصة لإحباط أنشطة تجسّسية معادية.
في العام 2007، على سبيل المثال، حين اختفى علي رضا أصغري، الجنرال في حرس الثورة الإيراني، في تركيا، سادت الفرضية القائلة بمقتله أو فراره. وفي معرض الردّ، بدأت الحكومة فحصاً دقيقاً لرحلات مواطنيها إلى خارج البلاد، لا سيّما أماكن مثل تركيا التي لا يحتاج الإيرانيون إلى تأشيرات لدخولها، وحيث يمكنهم داخلها الالتقاء بعملاء استخبارات أجانب. وقال مصدر استخباري غربي إنّه لم يمرّ وقت طويل حتى شعرت الولايات المتحدة، بريطانيا وإسرائيل بفقد الاتصال مع بعض الجواسيس الإيرانيين التابعين لها.
وفي العام الفائت وصفت وزارة الخارجية الأميركية حزب الله أنّه "منظّمة إرهابية، ذات قدرات تقنية هي الأكثر تطوّراً في العالم"، كما تقدّر وزارة الدّفاع الأميركية أنّ الحزب يتلقّى مساعدة سنوية تتراوح بين 100 و200 مليون دولار من إيران، وهو بمساعدة إيران أنشأ تشكيلا احترافيّا للتجسّس المضادّ، يصفه الأمين العام لحزب الله (السيد) حسن نصر الله، الذي شخّصته الإدارة الأميركية قبل نحو عقد بالإرهابي الدوليّ، بفخر بـ "وحدة مكافحة التجسّس". وتقدّر مصادر استخبارية أميركية أنّ هذه الوحدة، التي توصف بالمثيرة للرعب والوحشية، بدأت العمل في محيط العام 2004.
وعبر استخدام برامج معلوماتية تجارية متطوّرة جدّاً، بدأ صيّادو العملاء التابعين لوحدة نصر الله، البحث عنهم بشكل ممنهج، بين صفوف حزب الله. وقالت مصادر رسمية في الولايات المتحدة إنّ حزب الله، بغية العثور عليهم، رصد معلومات من هواتف محمولة خلال بحثه عن وقائع شاذة. وكشف رجاله على سبيل المثال هواتف محمولة تستخدم فقط في أوقات متباعدة، أو تُستخدم من أماكن خاصّة ولفترات زمنية قصيرة. بعد ذلك كان عناصر الوحدة يفتحون تحقيقاً ميدانيّاً تقليديّاً هدفه الإجابة عن سؤال واحد: من في المنطقة لديه معلومات يحقق فائدة من وراء بيعها للعدو؟
وتواصلت الجهود هذه لسنوات، لكن في نهاية الأمر بدأ حزب الله، ومن ثمّ الحكومة اللبنانية، بحملات اعتقال. وبحسب أحد التقديرات، اعتقل ما لا يقلّ عن 100 مخبر تابع لإسرائيل في حملة اعتقالات تداولتها عناوين الصحف في المنطقة في العام 2009. وبعض من اعتقل بتهمة التجسّس لحساب إسرائيل كانوا يعملون في شركات اتصالات كما خدموا في الجيش اللبناني.
وماذا حلّ بمصير العملاء الذين ألقي القبض عليهم؟
قادت الاعتقالات إلى تحقيق داخلي في مركزية الـ سي آي إيه. وبحسب مصادر رسمية رفيعة المستوى، أجرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تحقيقاً وتحريّاً لنقاط ضعفها. وكانت النتيجة أنّ الـ سي آي إيه، غير حصينة ومعرّضة لنفس المشاكل مثل إسرائيل. وتلقّى مسؤولو الـ سي آي إيه، توجيهات بمزيد من الحذر فيما يرتبط بعلاقاتهم مع مصادر داخل لبنان. فيما قال مصدر أميركي رسمي إنّ التوصيات قُدّمت بغية مواجهة المشكلة الكامنة.
رغم ذلك، لم يكن واضحاً إذا ما اتخذت خطوات وقائية أميركية فيما يتعلّق بمعالجة حزب الله وما يجري في لبنان. ويقول موظّفون سابقون في الإدارة إنّ الشخص المسؤول عن متابعة ملفّ حزب الله يدرك غاية التجسّس المضاد ويعلم مخاطره. وكان مسؤول الوحدة عمل ما وراء البحار في بيئات معادية مثل أفغانستان كما لعب دوراً هامّاً في القبض على مسؤول مخرّبين رفيع المستوى عندما كان يخدم في منطقة الخليج الفارسي بعد هجمة 11 أيلول الإرهابية. وممّا قاله مصدر أميركي اشتغل سابقا في شؤون شرق أوسطية ومطلّع على الوضع: "خسرنا أشخاصا في بيروت على مدى السنين، ولذا على الجميع أن يتعرّفوا الى التجربة العملية".
وأيّاً تكن الخطوات التي اعتمدتها الـ سي آي إيه، فهي لم تكن كافية. فبحسب مصادر أجنبية، كما في حالة الإسرائيليين، إنّ غياب الخبرة في العمل التجسّسي عرّض عملاء الـ سي آي إيه للاعتقال وبالتالي لم تنجح الوكالة في حمايتهم. وقد نجح حزب الله في كشف عملاء وفي تفكيك جزء من شبكات التجسس التابعة للـ سي آي إيه في لبنان. في هذا الإطار تحدّثت مصادر رسمية عن عدم وجود رغبة حقيقية داخل الـ سي آي إيه، لإشراك أشخاص كثر في مواضيع معيّنة مرتبطة بالتجسّس داخل إيران ولبنان، كما شخّصت بعض الملفّات بذات السرّية العالية جدّا، ما قيّد جوهريّا عدد الأشخاص المطلعين على هويّة المصدر، على أنّه قلّل عدد الخبراء الذين كان يمكنهم مسبقاً، رصد مشاكل قد تؤدّي إلى كشف العملاء.
في غضون ذلك يبدو مصير الجواسيس الذين اعتقلوا مجهولاً. ماثيو لابيت، خبير في الاستخبارات وفي مكافحة الإرهاب في معهد أبحاث الشرق الأوسط في واشنطن، يقول إنّ "كلّ شيء مرتبط بالسؤال عن هويّة هؤلاء الأشخاص وعمّا كان لديهم ليقولونه. حزب الله أخفى أشخاصاً في الماضي، آخرون أبقوهم في الجوار".
من المسؤول عن الفوضى في لبنان؟ ليس واضحاً. رئيس قسم حزب الله في السي آي إيه يستمرّ في ترؤس الوحدة، التي تعمل أيضا في الموضوعين الإيراني والفلسطيني. الضابطة الكبيرة في السي آي إيه لشؤون مكافحة الإرهاب والتي كانت من بين النساء الأرفع مستوًى في أجهزة الاستخبارات الأميركية، اعتزلت موخّرا بعد نحو خمس سنوات في المنصب. وتنسب لها معالجة ناجحة لعدّة مواضيع مهمّة، بما في ذلك ما شهده العام الفائت من اعتقال عملاء روس عاشوا في الولايات المتحدة طوال سنوات. وقالت مصادر رسمية إنّ ضابط عمليات متمرّساً جدّا حلّ مكان هذه المرأة. وقد تنقّل في وظائف هامّة في موسكو، في جنوب شرق آسيا، في أوروبا والبلقان، وكلّها جبهات لها حيثيّاتها في حروب الجاسوسية التي تخوضها المخابرات الأميركية مقابل أجهزة استخبارية أجنبية ومنظّمات إرهابية".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018