ارشيف من :أخبار لبنانية

"سي آي إيه" آلة كسولة تسقط في فخ الـ"بيتزا"

"سي آي إيه" آلة كسولة تسقط في فخ الـ"بيتزا"

جنان جمعاوي ـ صحيفة "السفير"

عندما تأسست في العام 1947، كان هدف وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» جمع المعلومات وتحليلها. مع مرور الأيام باتت «آلة جبانة للقتل» في باكستان... وتضم مجموعة من «ملتهمي البيتزا» في لبنان، و«الحمقى» في إيران.

ذلك بعض ما قيل في هذه المؤسسة التي غالباً ما تبجّح المسؤولون الأميركيون بإنجازاتها، وخاصة الإطاحة بالحكومات غير الصديقة للولايات المتحدة، في حديقتها الخلفية، أي أميركا الجنوبية. ولعل أحدث تلك «الإنجازات» عملية قتل اسامة بن لادن في باكستان.

لكن قبل يومين منيت الوكالة بانتكاسة، أقرّت بها، في لبنان، بعد الكشف عن العديد من عملاء الوكالة في البلاد، خلال الصيف، سواء من قبل «عدوها شديد التعقيد» حزب الله، أو من قبل الحكومة اللبنانية، التي استعانت، للمفارقة، بأجهزة زوّدتها بها واشنطن.

ونقل لاري جونسون، الذي عمل في السابق لدى وكالة الاستخبارات الأميركية ووحدة مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الخارجية الأميركية، على مدونته الخاصة «نو كوورتر يو اس آي»، عن المسؤول السابق في الوكالة روبرت باير، الذي شارك في عمليات تجسس ضد حزب الله في بيروت في الثمانينيات وجسّد شخصيته الممثل جورج كلوني في فيلم «سيريانا»، وصفه «الخسارات» التي منيت بها الوكالة في لبنان وإيران بأنها «كارثة»، متهماً «الجيل الجديد من العملاء بالافتقار إلى المهارة. هم إما نسوا او لم يتعلّموا قط الأساليب التقليدية للتجسس»، ليخلص إلى «أننا فقدنا لمستنا في التجسس».

من «مراهقة» إلى «آلة للذبح»!

قال الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب فيليب جيرالدي، الذي عمل مسؤولاً استخباراتياً عسكرياً في «سي آي إيه»، في تقرير نشره على موقع «انتي وور» إنه منذ إنشائها في العام 1947، «كان هناك قلق من أن تتحول سي آي إيه إلى نوع من الشرطة الدولية السرية التي تمتثل للرئيس (الأميركي) فقط». وقد استحال مصدر القلق واقعاً منذ أن بدأت الولايات المتحدة تستخدم «العمليات السرية» لتغيير الأنظمة في اميركا الجنوبية وأفريقيا، وخاصة في إيران، حيث أزيح محمد مصدق عن السلطة في 1953.

بعد «مرحلة المراهقة» تلك في عمليات «سي آي إيه»، بدأ تحول الوكالة الى «قاتل مأجور» براتب عالي وعلاوات مغرية.
في إطار برنامج الفينيق، المثير للجدل، قتلت الوكالة، مثلاً، ما يزيد عن 26 ألف فيتنامي. ثم تفتقت مخيلة الوكالة عن مؤامرات «خيالية جداً» لقتل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو بالسم، وقتل شخصيات دولية أخرى.
في ظل إدارة رونالد ريغان، تزايدت «العمليات السرية»، فحينها «تكاثرت العلاقات التي أقامتها الإدارة مع دكتاتوريات وحكومات عسكرية تؤيد المصالح الاستراتيجية الأميركية».

ثم جاء زمن «الحرب على الإرهاب» (غداة الحادي عشر من أيلول)، الذي شهد العودة إلى «الأيام السوداء» مع استخدام تقنيات التعذيب المحرمة كالإيهام بالغرق والسجون السرية وتسليم المعتقلين.
حالياً، ثلث ميزانية «سي آي إيه» معقودة لعمليات القتل بطائرات بلا طيار ولعمليات الاغتيال، ما جعل الجواسيس التقليديين «الذي يراقبون التطورات في أماكن أخرى من العالم، بلا موارد». في ظل «المذبحة» هذه لا أحد محصّن!

النكسة في لبنان

يقول جيرالدي إن ما جرى في لبنان من خرق لـ«سي آي إيه»، يستدعي التفكير في «ما آلت إليه الوكالة، بعدما كانت على الأقل تتمتع بنوع من الشفافية وخاصة بشأن من وما هو العدو وبشأن الدور المحدد المسموح للعميل بأن يلعبه».
ويعزو جيرالدي الانتكاسة في لبنان إلى «ضعف شديد في مهارة المسؤولين في «سي آي إيه» الذين يديرون العمليات خارج لبنان.

وانتقد الباحث في «انتي وور» اختيار عملاء «سي آي إيه» مكانا مثل «بيتزا هات» برغم أن «بيروت بالكاد تعتبر مكاناً ودوداً»، وبرغم أن العملاء يتلقون تدريبات غالباً ما تحذّرهم من مغبة «استخدام المكان ذاته للقاءات، لأن ذلك يسهل بشدة عملية جذب الأنظار إليهم وضبطهم». وخلص إلى ما خلص إليه العديد من المحللين بشأن «مدى مياعة العملية الاستخباراتية في لبنان واتسامها بالكسل».
ثم يروي كيف كان «سهلاً على «حزب الله زجّ عملاء مزدوجين في محطة بيروت، متمكناً وبسرعة من تحديد جميع المسؤولين الأميركيين العاملين مع الوكالة في لبنان وشركائهم المحليين».

وينتقد جيرالدي، المسؤول الأميركي الذي قال لقناة «إي بي سي» الأميركية إن «التجسس بيزنس ينطوي على مجازفة»، واصفاً إياه بـ«البيروقراطي السمين القابع في واشنطن والذي يصف التجسس بأنه بيزنس وينظّر عن المجازفة» التي تجعل «أحمقاً فقيراً في بيروت يضع حياته على المحك آملاً بأن يكون المسؤول الأميركي الذي يلتهم البيتزا في وجهه عالماً بما يقوم به وضامناً لسلامته».

هنا تحديداً تكمن المشكلة التي «ورّطت» الوكالة بكل هذه الانتكاسات، برأي جيرالدي. وفق مفهوم «هم ونحن»، بات التعذيب «مسموحاً به»، وبات تفجير الأعراس والمدارس «أداة نموذجية» لقتل «الإرهابيين»، وبات «العملاء المحليون الذين يساعدوننا عناصر يمكن استبدالهم».
ويضيف جيرالدي إن «انعدام كفاءة» الوكالة ليس أمراً جديداً، إذ يعرف عن المسؤولين في «سي أي آيه» «عدوانيتهم في الحصول على عملاء يزودونهم بالمعلومات. والعدوانية غالباً ما تعني التهور وحتى الاستهتار».

أمثلة على الاستهتار

هو الاستهتار نفسه و«الرغبة في الحصول على معلومات استخباراتية بأي ثمن»، الذي تسبب في مقتل 7 من مسؤولي الاستخبارات في خوست في أفغانستان في كانون الأول 2009، عندما تم إدخال عميل مزدوج أردني الى موقع «آمن» تابع للوكالة.
هو الاستهتار نفسه الذي أدّى الى الكشف عن 23 مسؤولاً استخباراتياً اختطفوا رجل دين يدعى اسامة مصطفي حسن ناصر، والملقب بأبو عمر، من شارع في ميلانو في إيطاليا في 2003، فقط لأنهم «استخدموا أسماءهم الحقيقية خلال سفرياتهم واتصالاتهم الهاتفية».

الانتكاسة في إيران

يقول لاري جونسون، الذي عمل في السابق لدى وكالة الاستخبارات الأميركية ووحدة مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الخارجية الأميركية، إن الأنباء التي تحدثت مؤخراً عن كشف طهران عن شبكة أميركية للتجسس(من 30 شخصا) ليست الأولى من نوعها.

في كتابه «إرث الرماد» يقول تيم واينر إنه حتى العام 1989 «كان لدى وكالة الاستخبارات المركزية شبكة تضم أكثر من 40 عميلاً إيرانياً»، وقد تمكن الإيرانيون من كشفها «فقط لأن المسؤولة عن عمليات إيران في فرانكفورت (ألمانيا) تكاسلت وارسلت التعليمات دفعة واحدة لجميع عملائها. وجهت إليهم رسائل في اليوم ذاته، مستخدمة البريد الألماني العادي». كان «سهلاً جداً» على «الإيرانيين ان يشتبهوا بالرسالة المكررة 19 مرة، تحمل الطوابع ذاتها وخط اليد نفسه».
بعد هذه «الفضيحة»، بحسب توصيف جونسون، استطاعت الوكالة إقامة شبكة أخرى من الجواسيس داخل إيران، لكن في العام 2004، قام «عميل للوكالة، من غير قصد، بتوجيه رسالة إلكترونية الى عميل مزدوج، تضم لائحة بأسماء جميع عملائنا داخل إيران»، حسبما روى الكاتب في «التايمز» جيمس رايزن.

في كتابه «حالة حرب»، يقول رايزن إن «العديد من العملاء الإيرانيين اعتقلوا، ولا نعلم ماذا حدث للباقين. لكن (الانتكاسة) تركت الوكالة عمياء في إيران، غير قادرة على تزويد واشنطن بأيه معلومة استخباراتية مهمة عن أي من المسائل الأكثر حيوية التي تواجهنا، وخصوصاً ما إذا كانت طهران على وشك الحصول على السلاح النووي».

مؤسسة كسولة بأموال كثيرة

وفيما يعزو فيليب جيرالدي، الباحث في «انتي وور»، الانتكاسة الأحدث في إيران إلى «شبكات الانترنت غير الآمنة التي تمكنت الأجهزة الأمنية الإيرانية من كشفها»، يقول لاري جونسون، على مدونته، إن الوكالة مثلها مثل «العديد من المؤسسات البيروقراطية في واشنطن مغرورة وكسولة»، منتقداً من جهة أخرى «آلية استخدام العملاء»، التي «تركّز على المظهر الخارجي أكثر منه على الكفاءات»، بسبب تلقيها تعليمات «بزيادة عدد النساء والأقليات الاثنية» بين عملائها، «الذين غالباً ما يعملون في بلدان لا يتقنون لغاتها، فهم لا يتكلمون العربية او الأوردو أو الباشتونية». والأنكى أن هؤلاء يُمنحون «علاوات بنسبة تصل الى 75 في المئة على رواتبهم العالية أصلاً».
 







2011-11-25