ارشيف من :أخبار لبنانية
الحريري الغائب الأبرز... والقيادة الزرقاء لمعالجة أسباب ضعف المشاركة
غسان ريفي ـ صحيفة "السفير"
مهما حاول تيار «المستقبل» المكابرة وإظهار نجاحه في التحدي الذي فرضه على نفسه بإقامة مهرجان الاستقلال في معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس، تحت عناوين «إسقاط الحكومة والنظام السوري وسلاح حزب الله»، فإنه ضمناً يعي تماماً أن حجم المشاركة الشعبية في المهرجان لم تكن كما يشتهي أو يتوقع، أو بالقدر الذي يخدم أهدافه وتحركاته المستقبلية. وهي جاءت خجولة إذا ما قيست بالتحضيرات والعناوين التي اختارها لتعبئته العامة واستمرت على مدار أسبوع كامل، أو إذا ما حاول البعض أن يشبهها بالمشاركة الشعبية في مهرجان 18 آذار الذي حضره الرئيس سعد الحريري والتي تشير الاحصاءات الأمنية والمدنية الى أن المشاركة الشعبية في مهرجان الأمس لم تتعد في حدها الأقصى نصف ما كانت عليه في المهرجان السابق.
وربما سيكون على تيار المستقبل اعتبارا من اليوم وبدل أن يستفيد من وهج مهرجانه في التأسيس لمرحلة تصعيدية مقبلة ضمن العناوين التعبوية التي اختارها، أن يدخل في دراسة تحليلية معمقة للأسباب التي أدت الى هذا الانكفاء في الحالة الشعبية التي أظهر مهرجان الاستقلال تراجعاً في التفافها حول التيار الأزرق، لا سيما في طرابلس التي يمكن القول إنها غابت شعبياً عن المهرجان، تاركة معرض رشيد كرامي الدولي لمن يهمه الأمر من القادمين من عكار والمنية والضنية والأقضية الشمالية الأخرى وسائر المناطق اللبنانية، والتي أيضاً، وبحسب كثير من المراقبين، لم يكن التزامها بالمشاركة على النحو الذي كان عليه سابقاً. فضلاً عن تسجيل غياب لافت لمفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار والكثير من المشايخ والعلماء والعديد من القوى الإسلامية التي تتناغم مع تيار المستقبل وطروحاته، وفي مقدمتها الجماعة الاسلامية وقسم كبير من الحركة السلفية.
وبدا واضحاً أن قيادة تيار المستقبل، التي كانت تتوقع حشد ما لا يقل عن 100 ألف، حاولت تلافي الانكفاء الشعبي (قدرت مصادر «المستقبل» العدد بأربعين ألفاً)، لا سيما في طرابلس وقبيل ساعات من بدء المهرجان، فأطلقت العنان في الشارع الطرابلسي وعلى المواقع الالكترونية المختلفة لشائعة مفادها أن الرئيس سعد الحريري وصل الى لبنان ويتجه نحو المشاركة في مهرجان طرابلس، وذلك في خطوة تهدف الى تحفيز وتشجيع المواطنين على الحضور وسط إطلاق نار كثيف في بعض المناطق الشعبية ابتهاجاً بعودة الحريري استمر الى ما بعد المهرجان. لكن ذلك لم يؤد الى أي نتيجة إيجابية، لتبقى الأمور على حالها، ولتشعر القيادة الزرقاء بغياب النبض الطرابلسي تجاهها نتيجة تقصيرها المستمر تجاه المدينة طيلة الفترة الماضية، وعودتها إليها بوعود وعهود غير قابلة للتنفيذ، أقله في المرحلة الراهنة، وفي مقدمتها الوعد بعودة الرئيس الحريري ومشاركته في مهرجان الاستقلال.
ويمكن القول إن الأجواء التي أحيطت بالتحضير لمهرجان الاستقلال منذ الإعلان عنه، قد نجحت وأثمرت في التعبئة أكثر بكثير من المهرجان نفسه الذي مرّ مرور الكرام، ولم يحقق الهدف المنشود لأصحابه في جعله نقطة تحول تصعيدية سواء على الصعيد اللبناني أو على الصعيد الإقليمي، حيث عبر كثير من المشاركين عن امتعاضهم من تقدم الشعارات المناهضة للنظام السوري التي أطلقها النازحون الذين حضروا بكثافة على حساب شعار الاستقلال الذي يحمله المهرجان.
كما لم يحقق المهرجان هدفه في تعبئة أبناء طرابلس ضد الحكومة وضد النظام السوري، حيث بدا الشارع الطرابلسي حذراً ومتمسكاً بموقفه الى أبعد الحدود لجهة النأي بنفسه عن الدخول في القضية السورية التي لا ناقة له فيها ولا جمل، كما وجه الطرابلسيون رسالة واضحة الى القيادة الزرقاء مفادها أنهم ليسوا متحمسين لإسقاط الحكومة التي يترأسها إبن مدينتهم وتضم أربعة وزراء من أبنائها، كونها تشكل الفرصة التاريخية التي لطالما انتظروها ولن يفرطوا فيها بسهولة، خصوصاً أن أي حكومة جديدة لن يكتب لها أن تضم تمثيلاً طرابلسياً بهذا الحجم.
كما بدا واضحاً من خلال سياق اليوم المستقبلي في طرابلس أن كلام الرئيس نجيب ميقاتي في مقابلته التلفزيونية في برنامج كلام الناس مع الزميل مرسال غانم قد فعل فعله وأقنع السواد الأعظم من أبناء المدينة بوجهة نظره. كما أظهر أن ميقاتي مع شركائه الوزراء محمد الصفدي وأحمد كرامي وفيصل كرامي ونقولا نحاس لهم خزين من العاطفة والتأييد ورصيد لم يتم استخدامه بعد، إنطلاقا من مقولة ميقاتي التي يتداولها أكثرية أبناء المدينة بأنه «يقاتل عن طرابلس ولا يقاتل بها».
وتبقى سلسلة من الأسئلة حول اليوم المستقبلي في طرابلس ما تزال تحتاج الى أجوبة شافية وأبرزها: لماذا لم يتحدث الرئيس سعد الحريري كما كانت تروج القيادة الزرقاء؟ وهل أن إحجامه عن الإطلالة على جمهوره يؤشر الى متغيرات في مكان ما قد حصلت وحالت دون إلقائه الكلمة؟ ومن سيتحمل مسؤولية الانكفاء الشعبي الذي شهده المهرجان؟ وهل ستقع تبعات ذلك على عاتق النواب والمنسقين الذين بدا واضحاً صراع النفوذ فيما بينهم؟ أم أن هناك خللاً ما في السياسة الحريرية تجاه الشمال وعاصمته طرابلس؟ أم أن ثمة قراءة خاطئة للشارع الشمالي بعد خمسة أشهر على تشكيل الحكومة؟ أما السؤال الأبرز لدى أبناء طرابلس، الذين حبسوا أنفاسهم طيلة يوم أمس خشية انفلات الوضع الأمني في مدينتهم، فهو: ماذا حقق مهرجان الاستقلال من أهداف وما هي المعادلات التي غيرها؟، لا سيما أنه بدا عاجزاً سياسياًَ عن تقديم أي خطاب يجيب عن الطروحات التي يحاول «المستقبل» منذ أشهر تسويقها، بل جاء في سياق استمرار الصراخ والضرب على وتر «حكومة حزب الله والنظام السوري».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018