ارشيف من :أخبار عالمية

تقرير بسيوني بين القبول والرفض

تقرير بسيوني بين القبول والرفض
المنامة ـ محمد البحراني

على سبيل ما لا يدرك كله لا يترك جله، وعلى غرار انتهاج الوسطية في قبول الأشياء، يبدي القادة البحرانيون من مرجعيات دينية وسياسية قبولهم الحذر لما جاء في تقرير الدكتور محمود شريف بسيوني رئيس لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الملك، ويحاولون أن يؤسسوا عليها مبدأ الحق الذي يجب أن يؤخذ من القوي ويعطى الى الضعيف. ولقد جاء قبول المرجعيات الدينية والسياسية الحذر لتقرير بسيوني انطلاقاً من مفهوم أضعف الإيمان ومن دون الانشغال بجدلية القبول والرفض ـ كما جاء في كلمة سماحة السيد عبد الله الغريفي ـ الذي وصف التقرير بأنه ممتاز .

ويبدو لي أن سماحة السيد الغريفي وصف التقرير بما قد تقدم من حيث الاعتبارات المرحلية التي تُظهر أنه ليس في الإمكان أكثر مما كان في ظل ظروف إقليمية مترابطة بين سورية والعراق ومصر وايران ولبنان، وبين التصور الملحوظ الذي أخذ البحرين من قبَل الأمريكيين الى مساحة لعبة الأمم وأنه لا يجب التفريط فيها خوف أن تكون ساحة للخصم من دون أن يراعي الأمريكيون حقوق هذا الشعب وحقه في أن يعيش كريماً عزيزاً.

ولا يغيب عن سماحة السيد الغريفي مدى فاعلية هذا التقرير المحدودة وغياب آلية التنفيذ الجدي لما ورد فيه من توصيات محدودة لا تتصل بالنظام كنظام، وتنشغل بأدوات صغيرة يمكن استبدالها مثلها مثل التروس الصغيرة في المحركات الضخمة، قطع غيار يُستغنى عنها متى ما تلفت، ولكن الأخذ بالتقرير على نحو حذر وفق أبعاد ظرفية وتخدم المستقبل بوصفه وثيقة على طريقة من فمك أدينك.
غير أن هناك جانباً لا يمكننا أن نغفله في التقرير وهو الحديث ـ مثلاً ـ عن إغلاق الشوارع، ولا شك بأن اغلاق الشوارع يشكل حافزاً لاستفزاز الحكومة، كما أصاب هذا المعنى بسيوني على نحو خفي، وإن رد الحكومة من حيث مبدأ إعطاء الأوامر لتلك القوات من جيش وشرطة وقوات الجيش السعودي، إن هي إلا حماية للبلد مما يُخشى عليه من عدم الاستقرار وتعطيل أعمال المؤسسات والأفراد، ومن هنا اكتسب النظام ـ في نظر بسيوني - مشروعيته. وعلى هذا المستوى فإن النظام في مبدأ بسيوني غير ملوم ولا حرج عليه وما اتخذه من تدابير تصب في خدمة الوطن والمواطنين واستقرار البلاد والنأي بها عن الفوضى.

غير أن ما وقع من الاستخدام المفرط للقوة، كان صادراً عن أفراد قاربوا الوضع على نحو انفعالي وشخصي وليد لحظته، ولم يكن مرسوماً من قبل السلطة، والحق أن هذا الكلام مردود عليه حيث إن استخدام الرصاص في البحرين منذ قديم الزمان لا يأتي إلا جراء تفويض من قيادة سياسية مطلقة تتجاوز وزير الداخلية وتتجاوز حتى رئيس الوزراء، وإن إعلان حالة السلامة الوطنية التي ارتكبت فيها الانتهاكات والمجازر كانت بأمر الملك، وإن تلك الحالة أطلقت يد العسكر في القتل وانتهاك حقوق الانسان .

وعليه فإن المسؤول الأول عن هذه الجرائم هو ملك البلاد، وإن قتل نحو ما يفوق الأربعين بين امراة ورجل، لهو في عنق ملك البلاد ويتحمل المسؤولية الكاملة عنه، وما أفراد الشرطة الذين مارسوا القتل والتنكيل في الناس إلا عبيد يأتمرون بأمر مولاهم يشاطرونه في الجرم على مستوى التنفيذ، ويتحمل هو وزر ما أمر به وكذلك الجنود والعناصر العائدون إلى أكثر من جهاز امني بحريني وغير بحريني.

أما الحسنة التي يجب أن تذكر بشكل واضح في التقرير، فهي عدم الزج بإيران في تلك الثورة الباسلة وعدم إلصاق التهم بها، وهذا يظهر الحق للشعب البحريني في أنه كان ينطلق من أجندة وطنية محضة ويبين أن إيران بريئة مما ينسبه لها ملك البحرين وإعلامه وأفراد إعلامه غير المتعقلين ، هذه الإعلام الذي لا يتصل بأسباب الصناعة الإعلامية الحديثة التي تنم عن مستوى راقٍ في صناعة الإعلام والصحافة، ذلك أن هذا الجهاز الإعلامي ما زال موجهاً في شكل سافر على الطريقة القديمة البالية.
ومع ما تقدم، فإن الشعب اليوم أكثر من أي يوم، مدعو إلى أن يثبت وجوده على الشارع وأن يضاعف من حركته الإعلامية وأن يستثمر الأحداث على نحو إعلامي ويطلق الميديا في صورة واضحة حتى يعيد القضية البحرينية إلى الواجهة.

2011-11-28