ارشيف من :أخبار لبنانية

«الإغاثة» تنقذ التمويل والحكومة: لبنان يشتري الوقت بالتقسيط

«الإغاثة» تنقذ التمويل والحكومة: لبنان يشتري الوقت بالتقسيط
عماد مرمل ـ "السفير"

وأخيرا .. قضي الأمر.

آلام مخاض تمويل المحكمة الدولية، على مدى أشهر، انتهت بتوقيع رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي على حوالة مالية من حساب الهيئة العليا للإغاثة في مصرف لبنان الى حساب المحكمة الدولية مباشرة، ليتحول فجأة الخطر الذي كان يهدد الاستقرار والحكومة والاقتصاد الى فرصة جديدة، يبقى مصيرها رهنا بطبيعة سلوك اللبنانيين في الفترة المقبلة.


ولئن كان المخرج قد تطلب الكثير من الجهد الذي سبقته تهديدات وواكبته مناورات، إلا انه بدا عند ولادته شديد البساطة، قياسا الى تعقيدات الأزمة. وأغلب الظن، ان غالبية اللبنانيين لم يهمها من التمويل سوى انه أنقذ الاستقرار الهش، وليس المحكمة «المنكوبة» التي شاء حظها السيئ ان يجعلها بحاجة الى إعانة من الهيئة العليا للإغاثة.


ومع دفع لبنان حصته في المحكمة، يكون قد اشترى «نقدا» مساحة من الوقت، ستتيح له التقاط الأنفاس والانحناء امام العاصفة، بانتظار مسار الاستحقاقات المقبلة، من الوضع السوري الى الملف التأسيسي للمحكمة الذي سيفتح مجددا في آذار المقبل، عندما يحين موعد التجديد لها. والأكيد ان كل طرف في الداخل سيتعامل مع هذا «الوقت المستقطع» على طريقته، فقوى 14 آذار ستصرفه وهي تنتظر سقوط النظام السوري، فيما ستعد قوى 8 آذار الايام التي تفصله عن خروجه منتصرا من معركته الحالية مع اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق في أواخر العام.
ويمكن القول ان فريق الأكثرية ككل خرج رابحا من «مقاصة التمويل» مع فارق في النسب، إذ أنه أعاد تثبيت ركائزه التي اهتزت مؤخرا، ونجح في استنهاض حكومته ومشروعه بعدما وقفا لأيام على حافة الهاوية، بينما كان سقوط التمويل سيطلق العنان لسيناريو مضاد من شأنه ان يودي بالحكومة ويفسح المجال امام احتمال عودة 14 آذار الى السلطة او الدوران في دوامة فراغ طويل الأمد، مع ما يعنيه ذلك من تراجع قوى 8 آذار (وعلى رأسها تحالف أمل ـ حزب الله ـ التيار الحر) الى الخطوط الدفاعية وانتقال الخصم الداخلي والخارجي الى الهجوم ومحاولة تضييق الخناق على المقاومة وسوريا، في لحظة إقليمية لا تحتمل ترف المغامرة.


وإذا كان ميقاتي هو بطبيعة الحال الفائز الأكبر، فان نبيه بري نال جائزة «أفضل سيناريو وإخراج» وحصد حزب الله مردودا إستراتيجيا على مستوى حماية الثوابت والحكومة، وتخفف ميشال عون من عبء الظهور بمظهر المعترض على التمويل والذي كان يستغله ضد خصومه في الساحة المسيحية، وارتاح النائب وليد جنبلاط الذي كان مسكونا بهاجس الفراغ وتداعياته المحتملة، علما انه كان من أول المنادين بتمرير التمويل.
ما قبل الولادة
وكانت الاتصالات السياسية قد استمرت طيلة ليل أمس الاول وحتى صباح أمس من أجل وضع اللمسات الأخيرة على «المخرج السحري والسري» الذي توّج أسابيع من المد والجزر. قبل حوالي أسبوعين، التقى بري رئيس الحكومة وقال له: أعتقد انك بدأت تفكر في ان تستقيل، ولكن أنا لدي حل أعمل على بلورته، ومن شأنه ألا يحرج حزب الله وألا يخرجك.
لم يوضح بري مقصده، ولكنه كان قد أمسك بطرف الخيط، مكتفيا بطمأنة القلقين وفي طليعتهم ميقاتي بان الحل سيولد في الوقت المناسب ولا ضرورة للاستعجال. في هذه الاثناء، كان كل فريق يرسم سقفه: حزب الله أوحى بأن التمويل لن يمر في مجلس الوزراء، ورئيس الحكومة المحاصر بالضغوط لوّح بالاستقالة إذا سقط التمويل.
قال رئيس الحكومة كلمته خلال مقابلته التلفزيونية ومشى.. الى الفاتيكان، فيما راح بري يطوّر بعيدا عن الأضواء مشروع حل يكون قادرا على تأمين التمويل، من دون المرور في مجلس الوزراء، وصولا الى الإمساك بالعصا من الوسط.
لم يكن واردا إحالة الأمر الى مجلس النواب، لأن إقرار التمويل بأصوات 14 آذار ونجيب ميقاتي ووليد جنبلاط سيشكل هزيمة للإئتلاف الحالي ولفلسفة وجوده، وسيوحي بأن الأكثرية الحقيقية والحاكمة موجودة في البرلمان وليس في الحكومة. كما سقط من الحسبان إصدار أي مرسوم يتطلب توقيع وزير العدل شكيب قرطباوي، لأن توقيعا من هذا النوع سيعني ان هناك تغطية مباشرة من التيار الوطني الحر للمحكمة، وهذا ما لم يكن بمقدور التيار وحليفه حزب الله ان يحتملاه.


هكذا، ضاق هامش الخيارات والمناورات، وبات مطلوبا إيجاد منطقة عازلة بين مجلس الوزراء ومجلس النواب، يمكن ان يمر من خلالها التمويل.
كثّف بري مشاوراته على اساس هذه القاعدة التي تبين انها تملك قابلية ان تصبح نقطة ارتكاز للتسوية، ليتم الانطلاق منها لاحقا نحو إيجاد إخراج تقني لها. وبالفعل، تقرر في نهاية المطاف ان تتولى السرايا تحويل المبلغ المستحق الى لاهاي بعد اقتطاعه من حساب الهيئة العليا للإغاثة لدى مصرف لبنان، مع لحظ ضرورة ان يُسحب هذا المبلغ من التبرعات والهبات المقدمة الى الهيئة، وليس من خزينة الدولة مباشرة، وذلك مراعاة لموقف حزب الله المبدئي برفض تمويل المحكمة من أموال الشعب اللبناني التي تصب في الخزينة العامة.

وافق ميقاتي على هذا الاقتراح ولم يعارضه عون، فيما نأى حزب الله بنفسه عنه، فلم يؤيده ولكنه في الوقت ذاته قرر عدم مواجهته، ليباشر رئيس الحكومة قبل ظهر أمس في تنفيذ الإجراءات العملانية للمخرج، في موازاة استعداده لتوجيه كلمة الى الرأي العام، كانت مقررة عند الثانية عشرة ظهرا، إلا انه تعمد تأخيرها الى حين تأكد من ان المبلغ قد دخل في حساب المحكمة فعلا.
قرابة الواحدة، أطل ميقاتي من منبر السرايا كاشفا عن أنه حوّل حصة لبنان الى المحكمة، من دون ان يغوص في أي تفاصيل. عبارة قصيرة، من بضع كلمات كانت كافية لإنهاء مرحلة وتدشين أخرى. وبدا واضحا ان الجوهر في صيغة الحل قد تغلب على الشكل القانوني والدستوري، علما ان أوساط ميقاتي أكدت ان طريقة تحويل المبلغ المالي الى حساب المحكمة قد احترمت الأصول، وإلا ما كان مصرف لبنان ليتولى هذه المهمة.
حسابات الربح والخسارة


ولكن، ماذا في تفاصيل جردة الحساب؟
يمكن القول ان الرئيس نجيب ميقاتي حقق ربحا صافيا وفوريا على مختلف المستويات. لقد أثبت ان الحكومة ليست لحزب الله كما كان يروج خصومه، بل هي حكومته بامتياز، وهو استطاع ان يفعل ما لم تفعله حكومة الرئيس سعد الحريري الأخيرة معززا بذلك حضوره السياسي والشعبي في الساحة السنية، ومكرسا ثنائية الزعامة مع الحريري بعدما كانت تبدو ضربا من ضروب الخيال قبل اشهر، ثم انه تمكن من فتح أبواب المجتمع الدولي الذي كان ما زال يتعاطى معه بحذر، حيث لم تتأخر مواقف الترحيب والإشادة بالصدور عن العواصم الغربية.


لقد لعبها ميقاتي باتقان، مستفيدا من حاجة حلفائه إليه في ظل غياب البديل المتاح. هدد بالاستقالة ما لم تسدد حصة لبنان المالية في موعد اقصاه 30تشرين الثاني، فكان له ما أراد قبل ساعات من انقضاء المهلة، مسببا على الأرجح صداعا للرئيس سعد الحريري وحلفائه الذين بدوا مربكين في التعاطي مع المفاجأة الصاعقة.


وما ان أعلن ميقاتي قرار التمويل، حتى انهالت عليه الاتصالات الهاتفية من كل الجهات، في الداخل والخارج، وهو أمضى طيلة بعد الظهر وفترة المساء يجيب المهنئين ويتابع ردود الفعل الغزيرة عبر موقعه على «تويتر»، فيما بلغ عدد الرسائل النصية التي تلقاها هاتفه الخلوي مع حلول المساء 1423 رسالة لم يكن قد قرأها بعد.


وبالنسبة الى بري، فهو أكد مرة أخرى انه عرّاب الحلول المستحيلة، وان الارانب التي تخرج من كمه كلما اقتضت الحاجة لم تنقرض بعد. وليلا، قال بري لـ«السفير» ان أهمية الصيغة التي تم التوصل اليها تكمن في انها أتاحت للبلد ان يخرج رابحا من دون ان يخسر أي طرف، والمفروض ان تنطلق الآن مرحلة جديدة عنوانها الحوار والاهتمام بقضايا الناس.


وقد اتصل ببري للمباركة بالحل كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس ميقاتي، فيما نقل زوار سليمان عنه تأييده للتسوية التي تمت، مؤكدا انه كان على تواصل مع جميع الأطراف للمساهمة في إنضاجها. كذلك تلقى رئيس المجلس اتصالا مماثلا من ميقاتي.
أما حزب الله فهو لم يسجل على نفسه أنه وافق على التمويل وبقي منسجما مع نفسه ولاءاته، وبالتالي لن يرد في محاضر مجلس الوزراء ان حكومة شارك فيها بوزيرين قد دفعت للمحكمة.
في الشكل، رفض الحزب ان يشارك في منح أي شرعية لهذه المحكمة، ملتزما بكلام أمينه العام في مقابلته التلفزيونية الأخيرة حين أكد ان الحزب سيصوت ضد التمويل إذا عُرض على مجلس الوزراء. لكن الحزب، وبرغم انه اختار ألا يكون شريكا في صيغة الحل او موافقا عليها، إلا انه قرر أيضا عدم محاربتها، مغلبا مقتضيات القراءة الإستراتيجية على التفاصيل التكتيكية التي قد يكون مذاقها مرّا، ليثبت مرة أخرى انه يجيد ان يكون براغماتيا متى تطلبت المصلحة الكبرى ذلك، وان عقائديته لا تتعارض مع واقعيته التي جعلته يُغلب الأهم على المهم.


ولأن العماد ميشال عون ليس ملكيا أكثر من الملك، فهو لم يقف حجر عثرة أمام المخرج. وإذا كانت معركة ميقاتي الشخصية قد انتهت أمس مع إقرار التمويل، فان معركة عون ما زالت في بداياتها، وهو ينتظر من رئيس الحكومة الذي سدد للمحكمة مستحقاتها ان يباشر في تسديد ما يستحقه تكتل التغيير والإصلاح على مستوى المشاريع والتعيينات، تحت طائلة تعطيل حكومته.
وعلى المقلب الآخر، يمكن القول ان يوم أمس كان سيئا بالنسبة الى فريق 14آذار الذي كان يمّني النفس بان يفشل ميقاتي في تأمين التمويل ويبادر الى الاستقالة، بما يتيح خلط الأوراق وقلب الطاولة، علما ان ميقاتي تلقى عبر «تويتر» تعليقا من أحد المنتمين الى 14 آذار، جاء فيه انه كان عليه ان يمول ويستقيل!

ترحيب دولي
دوليا، رحب نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية مارك تونر في بيان باعلان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بانه «أمر بتحويل التزام لبنان المالي الى المحكمة الخاصة بلبنان». وقال ان عمل المحكمة يمثل فرصة للبنان ليتجاوز تاريخا طويلا من الافلات من العقاب على العنف السياسي. وأكد ان دعم السلطات اللبنانية وتعاونها مع عمل المحكمة الخاصة للبنان التزام دولي حاسم.
من جهتها قالت نائبة رئيس الاتحاد الأوروبي لشؤون التواصل والعلاقات الأورو متوسطية رودي كراتسا لـ«السفير» إن «قرار تمويل المحكمة أثبت أن لبنان لن يكون بعد اليوم بمنأى عن وقف الإفلات من العقاب، وأن على لبنان العيش مع القانون الدولي والعدالة». وأشارت كراتسا ردا على سؤال «السفير» الى أن: «الرئيس ميقاتي هو رئيس حكومة لبنان وعلاقاتنا كاتحاد أوروبي ستستمر مع لبنان، ولدينا اتفاقات وبرامج مشتركة بيننا سنتابعها بالتأكيد وستكون الحكومة اللبنانية شريكنا الدائم».

2011-12-01