ارشيف من :أخبار لبنانية
البحرين: "لؤلؤة" المصالحة السنية - الشيعية... ولكن!
بقلم نديم قطيش ـ "النهار"
لا يبالغ المرء كثيرا إذ يقول إن تقرير لجنة التحقيق البحرينية المستقلة في الأحداث الممتدة بين شباط وآذار الماضيين وتداعياتها، يشكل أول عملية توثيق جدية لواحد من أعقد مشاهد الإشتباك السني - الشيعي في المنطقة.
تقرير الصفحات الخمسمئة الذي اعدته لجنة يرأسها الديبلوماسي الأممي و الحقوقي الأميركي من أصل مصري محمد شريف بسيوني صاحب الخبرة الطويلة في التحقيق في جرائم الحروب من يوغوسلافيا الى أفغانستان وغيرها، وُضع في الواقع بناء على طلب من ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة. ومولت اللجنة المعدة للتقرير من موازنة المحكمة الملكية في البلاد بمبلغ 1.4 مليون دولار، الا أن نتائجه جاءت مخالفة لكل التوقعات التي تعتبر ان لجنة كهذه في العالم العربي لا بد وأن يأتي نتاجها مفصلاً على مقاسات من طلبوا تشكيلها.
لم ينتبه كثيرون الى أن إختيار بسيوني لرئاسة اللجنة كان يعني بما لا يدع مجالاً للشك أن الملك قرر سلفاً الوصول الى نتائج رصينة إذ يكفي أن تكون في سيرة الرجل الذاتية رئاسته للجنة الصياغة في المؤتمر الديبلوماسي في روما الذي إنبثق عنه تشكيل محكمة الجنايات الدولية. وعليه كان بديهياً أن يثير التقرير قلق المعارضة الشيعية قبل صدوره بقدر إثارته إستهجان السنة الموالين للحكومة بعد صدوره، في إشارة بالغة الدلالة على تمتعه بأعلى درجات الحياد والنزاهة.
نسف تقرير بسيوني حججاً رئيسة إستخدمها النظام لتبرير أعمال القمع الممنهجة التي مورست ضد المتظاهرين الشيعة، كما للتهرب من البدء في عملية إصلاح جادة وعميقة تستجيب لتداعيات الخلل المتمثل بإقصاء الأكثرية الشعبية الشيعية عن أي دور سياسي ذي معنى في البحرين. ولعل أبرز هذه الحجج القول إن الإنتفاضة في البحرين هي حصيلة تآمر إيراني على المملكة، الامر الذي يقول معدو التقرير صراحة إنهم لم يجدوا دليلاً عليه.
كما وجه التقرير إنتقادات شديدة القسوة للأجهزة الأمنية البحرينية متهماً إياها بممارسة العنف الممنهج ضد المتظاهرين الشيعة بكل أشكاله بالاضافة الى إشارته المهمة الى غياب ثقافة المحاسبة التي تسمح بأبشع أنواع الاستغلال لحق الدول والمنظات الدولتية في إحتكار أدوات العنف، مع ما يعنيه ذلك من نقد غير مباشر للقيادة السياسية في البلاد.
وإذ يسجل لملك البحرين شجاعته في تشكيل لجنة تقصي حقائق ومن ثم القبول بنتائج تقريرها الذي يدين جوانب أساسية من إدارته السياسية للأزمة، يبقى أن الكيفية التي ستنفذ بها توصيات التقرير ستقرر لا مستقبل البحرين السياسي فحسب بل ستؤثر عميقاً في الصراع الجيو- مذهبي المندلع بين السنة والشيعة في عموم العالم الاسلامي.
ولعل البحرين البلد العربي الوحيد الذي تتوافر فيه الظروف الموضوعية لإستيلاد دينامية سنية - شيعية جديدة على قاعدة المصالحة السياسية، لسبب رئيسي بين أسباب كثيرة، هو إنتفاء عنصر السلاح غير الشرعي من بين مكونات وأدوات الصراع القائم في البلاد. يضاف الى ذلك إنطواء كل من المعارضة والسلطة على عناصر معتدلة وأخرى متطرفة تسمح بالمناورة لتوسيع مساحة المشتركات السياسية تمهيدا لتسوية شجاعة وعادلة. في هذا السياق، كانت لافتة مسارعة جمعية الوفاق، أكبر فصائل المعارضة البحرينية، الى إبداء إستعدادها للعمل مع ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة لتطبيق توصيات تقرير بسيوني في الوقت نفسه الذي طالبت فيه بإقالة رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، الذي يعد أعتق سياسي غير منتخب في العالم.
كما ان تصريحات مسؤولي جمعية الوفاق للصحافة الدولية تشي بنضوج سياسي حول مستقبل العلاقة الأميركية البحرينية وإتصالها الوثيق بأساسيات الأمن القومي لمنطقة الخليج وليس البحرين وحسب كما قال القيادي في الجمعية جاسم حسين. وفي هذا تنبه حاذق لأبعاد الصراع الإيراني - الخليجي وتأثيراته العميقة على القضية السياسية للمعارضة البحرينية. وقد عبر أكثر من مسؤول في جمعية الوفاق في مقابلات مطولة مع وسائل إعلام غربية عن عدم رغبة الحركة في طلب مغادرة الأسطول الأميركي الخامس الذي يتخذ من البحرين مركزاً لقيادته.
من جهته الأمير سلمان، الذي كاد أن يصل بحواره مع المعارضة الى حلول للأزمة لولا نقطة تحول لا تزال غامضة في مصير الحركة الإحتجاجية وإندفاعها نحو المطالبة بإسقاط النظام، ادلى بتصريحات مشجعة لصحيفة "واشنطن بوست" قال فيها "إما نربح جميعاً وإما أن نخسر جميعاً... ما يقلقني حقاً هو هل لا يزال هناك شيء من التسامح". ولعل الأهم أن الأمير سلمان تحدث عن "تشارك المسؤولية عن الأحداث كسبيل وحيد لحصول تقدم على مسار حل الأزمة".
النقطة الأخيرة التي تضع الكرة في الملعبين تملي على المعارضة البحرينية الشيعية ان لا تسقط في فخ الاستعلاء الاخلاقي من موقع الضحية الذي منحها اياه التقرير، للقفز ربما الى أجندات متطرفة بداخلها مثل الدعوات الى اسقاط النظام وتجييش الناس بدفع من جراحهم المعترف بها. ولعل اولى مهمات المعارضة البحرينية إشهار أكبر قدر ممكن من المسافة عن الأجندة الإيرانية في الخليج لا سيما في ضوء محاولات إيران الدؤوبة لإختطاف الثورة عبر تبرعها بمستويات عالية من الدعم اللفظي والاعلامي.
صحيح ان التقرير لم يعثر على ادلة حول ارتباط المعارضة بإيران، وهذا خبر جيد لشيعة البحرين قبل سنّتهم، الى ان الصحيح ايضا ان ايران تكمن في كل تفاصيل الوعي الجمعي والشعبوي الذي يحتك بملف الاشتباك السني - الشيعي. إن مثل هذا السلوك المقترح على المعارضة البحرينية يمكنه ان يبدد هواجس عميقة لدى ابناء البحرين السنّة. يفيد التذكر هنا ان هذه الهواجس لم تولد من فراغ. بعض متطرفي المعارضة رفع اعلام "حزب الله" وآخرون رفعوا اعلاما بحرينية معدلة تستبدل المسننات الخمسة على العلم البحريني بإثني عشر مسننا في اشارة الى الامامة الاثني عشرية.
غير ان الحلول الجادة والمستدامة للبحرين لا يمكن الوصول اليها فقط بالتسامح وتشارك المسؤولية.
هذه الدولة الصغيرة تشكل من حيث يريد اهلها او لا يريدون خط تماس اسلامي متوتر على جبهة الصراع السني - الشيعي والايراني - الخليجي. وعليه فإن من مكونات نجاح المصالحة في البحرين إقتناع السعودية، التي قادت درع الجزيرة لقمع الإنتفاضة في هذا البلد، بوجود مصلحة أمن قومي فيها للمملكة هي مصلحة اعادة الاعتبار لهوية التشيع العربي بصفته مكونا "طبيعيا" من مكونات امن المنطقة ومجتمعاتها وسلطاتها السياسية.
الدعم الصادق للمصالحة السياسية في البحرين ووضع البلاد على سكة الاصلاح، يعنيان تبديد الإنطباع الذي يقول إن الديموقراطية مرذولة حين تؤدي الى تمكين غير السنة، ويجدد ثقة الشيعة بإنتمائهم العربي.
شجاعة التحقيق، الكبيرة، في أحداث البحرين هي بعض الشجاعة المطلوبة للمضي قدما.
لا يبالغ المرء كثيرا إذ يقول إن تقرير لجنة التحقيق البحرينية المستقلة في الأحداث الممتدة بين شباط وآذار الماضيين وتداعياتها، يشكل أول عملية توثيق جدية لواحد من أعقد مشاهد الإشتباك السني - الشيعي في المنطقة.
تقرير الصفحات الخمسمئة الذي اعدته لجنة يرأسها الديبلوماسي الأممي و الحقوقي الأميركي من أصل مصري محمد شريف بسيوني صاحب الخبرة الطويلة في التحقيق في جرائم الحروب من يوغوسلافيا الى أفغانستان وغيرها، وُضع في الواقع بناء على طلب من ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة. ومولت اللجنة المعدة للتقرير من موازنة المحكمة الملكية في البلاد بمبلغ 1.4 مليون دولار، الا أن نتائجه جاءت مخالفة لكل التوقعات التي تعتبر ان لجنة كهذه في العالم العربي لا بد وأن يأتي نتاجها مفصلاً على مقاسات من طلبوا تشكيلها.
لم ينتبه كثيرون الى أن إختيار بسيوني لرئاسة اللجنة كان يعني بما لا يدع مجالاً للشك أن الملك قرر سلفاً الوصول الى نتائج رصينة إذ يكفي أن تكون في سيرة الرجل الذاتية رئاسته للجنة الصياغة في المؤتمر الديبلوماسي في روما الذي إنبثق عنه تشكيل محكمة الجنايات الدولية. وعليه كان بديهياً أن يثير التقرير قلق المعارضة الشيعية قبل صدوره بقدر إثارته إستهجان السنة الموالين للحكومة بعد صدوره، في إشارة بالغة الدلالة على تمتعه بأعلى درجات الحياد والنزاهة.
نسف تقرير بسيوني حججاً رئيسة إستخدمها النظام لتبرير أعمال القمع الممنهجة التي مورست ضد المتظاهرين الشيعة، كما للتهرب من البدء في عملية إصلاح جادة وعميقة تستجيب لتداعيات الخلل المتمثل بإقصاء الأكثرية الشعبية الشيعية عن أي دور سياسي ذي معنى في البحرين. ولعل أبرز هذه الحجج القول إن الإنتفاضة في البحرين هي حصيلة تآمر إيراني على المملكة، الامر الذي يقول معدو التقرير صراحة إنهم لم يجدوا دليلاً عليه.
كما وجه التقرير إنتقادات شديدة القسوة للأجهزة الأمنية البحرينية متهماً إياها بممارسة العنف الممنهج ضد المتظاهرين الشيعة بكل أشكاله بالاضافة الى إشارته المهمة الى غياب ثقافة المحاسبة التي تسمح بأبشع أنواع الاستغلال لحق الدول والمنظات الدولتية في إحتكار أدوات العنف، مع ما يعنيه ذلك من نقد غير مباشر للقيادة السياسية في البلاد.
وإذ يسجل لملك البحرين شجاعته في تشكيل لجنة تقصي حقائق ومن ثم القبول بنتائج تقريرها الذي يدين جوانب أساسية من إدارته السياسية للأزمة، يبقى أن الكيفية التي ستنفذ بها توصيات التقرير ستقرر لا مستقبل البحرين السياسي فحسب بل ستؤثر عميقاً في الصراع الجيو- مذهبي المندلع بين السنة والشيعة في عموم العالم الاسلامي.
ولعل البحرين البلد العربي الوحيد الذي تتوافر فيه الظروف الموضوعية لإستيلاد دينامية سنية - شيعية جديدة على قاعدة المصالحة السياسية، لسبب رئيسي بين أسباب كثيرة، هو إنتفاء عنصر السلاح غير الشرعي من بين مكونات وأدوات الصراع القائم في البلاد. يضاف الى ذلك إنطواء كل من المعارضة والسلطة على عناصر معتدلة وأخرى متطرفة تسمح بالمناورة لتوسيع مساحة المشتركات السياسية تمهيدا لتسوية شجاعة وعادلة. في هذا السياق، كانت لافتة مسارعة جمعية الوفاق، أكبر فصائل المعارضة البحرينية، الى إبداء إستعدادها للعمل مع ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة لتطبيق توصيات تقرير بسيوني في الوقت نفسه الذي طالبت فيه بإقالة رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، الذي يعد أعتق سياسي غير منتخب في العالم.
كما ان تصريحات مسؤولي جمعية الوفاق للصحافة الدولية تشي بنضوج سياسي حول مستقبل العلاقة الأميركية البحرينية وإتصالها الوثيق بأساسيات الأمن القومي لمنطقة الخليج وليس البحرين وحسب كما قال القيادي في الجمعية جاسم حسين. وفي هذا تنبه حاذق لأبعاد الصراع الإيراني - الخليجي وتأثيراته العميقة على القضية السياسية للمعارضة البحرينية. وقد عبر أكثر من مسؤول في جمعية الوفاق في مقابلات مطولة مع وسائل إعلام غربية عن عدم رغبة الحركة في طلب مغادرة الأسطول الأميركي الخامس الذي يتخذ من البحرين مركزاً لقيادته.
من جهته الأمير سلمان، الذي كاد أن يصل بحواره مع المعارضة الى حلول للأزمة لولا نقطة تحول لا تزال غامضة في مصير الحركة الإحتجاجية وإندفاعها نحو المطالبة بإسقاط النظام، ادلى بتصريحات مشجعة لصحيفة "واشنطن بوست" قال فيها "إما نربح جميعاً وإما أن نخسر جميعاً... ما يقلقني حقاً هو هل لا يزال هناك شيء من التسامح". ولعل الأهم أن الأمير سلمان تحدث عن "تشارك المسؤولية عن الأحداث كسبيل وحيد لحصول تقدم على مسار حل الأزمة".
النقطة الأخيرة التي تضع الكرة في الملعبين تملي على المعارضة البحرينية الشيعية ان لا تسقط في فخ الاستعلاء الاخلاقي من موقع الضحية الذي منحها اياه التقرير، للقفز ربما الى أجندات متطرفة بداخلها مثل الدعوات الى اسقاط النظام وتجييش الناس بدفع من جراحهم المعترف بها. ولعل اولى مهمات المعارضة البحرينية إشهار أكبر قدر ممكن من المسافة عن الأجندة الإيرانية في الخليج لا سيما في ضوء محاولات إيران الدؤوبة لإختطاف الثورة عبر تبرعها بمستويات عالية من الدعم اللفظي والاعلامي.
صحيح ان التقرير لم يعثر على ادلة حول ارتباط المعارضة بإيران، وهذا خبر جيد لشيعة البحرين قبل سنّتهم، الى ان الصحيح ايضا ان ايران تكمن في كل تفاصيل الوعي الجمعي والشعبوي الذي يحتك بملف الاشتباك السني - الشيعي. إن مثل هذا السلوك المقترح على المعارضة البحرينية يمكنه ان يبدد هواجس عميقة لدى ابناء البحرين السنّة. يفيد التذكر هنا ان هذه الهواجس لم تولد من فراغ. بعض متطرفي المعارضة رفع اعلام "حزب الله" وآخرون رفعوا اعلاما بحرينية معدلة تستبدل المسننات الخمسة على العلم البحريني بإثني عشر مسننا في اشارة الى الامامة الاثني عشرية.
غير ان الحلول الجادة والمستدامة للبحرين لا يمكن الوصول اليها فقط بالتسامح وتشارك المسؤولية.
هذه الدولة الصغيرة تشكل من حيث يريد اهلها او لا يريدون خط تماس اسلامي متوتر على جبهة الصراع السني - الشيعي والايراني - الخليجي. وعليه فإن من مكونات نجاح المصالحة في البحرين إقتناع السعودية، التي قادت درع الجزيرة لقمع الإنتفاضة في هذا البلد، بوجود مصلحة أمن قومي فيها للمملكة هي مصلحة اعادة الاعتبار لهوية التشيع العربي بصفته مكونا "طبيعيا" من مكونات امن المنطقة ومجتمعاتها وسلطاتها السياسية.
الدعم الصادق للمصالحة السياسية في البحرين ووضع البلاد على سكة الاصلاح، يعنيان تبديد الإنطباع الذي يقول إن الديموقراطية مرذولة حين تؤدي الى تمكين غير السنة، ويجدد ثقة الشيعة بإنتمائهم العربي.
شجاعة التحقيق، الكبيرة، في أحداث البحرين هي بعض الشجاعة المطلوبة للمضي قدما.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018