ارشيف من :ترجمات ودراسات
التناغم الأمريكي ـ التركي في مواجهة سوريا وإيران: تحريك أوراق الطائفية والأمن
علي شهاب
تتقاطع السياستان الأميركية والتركية في أكثر من مفصل حين الحديث عن الملف السوري. أحداث سوريا الأخيرة شكلت فرصة أعاد من خلالها الاميركيون تقويم علاقتهم بالأتراك، من بوابة العمل على مواجهة سوريا. في هذا السياق، أدلى الخبير في الشؤون العربية اندروتابلر بشهادة امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي حول الخطوات اللازم تنفيذها بهدف "إسقاط النظام السوري"، في حين استعرض الخبير في الشؤون التركية سونر چاغاپتاي تاريخ العلاقات بين واشنطن وأنقرة في سبيل تعزيزها واستثمارها في إطار سياسة مشتركة، وهنا شهادة تابلر:
" الموقف على الأرض في سوريا ما يزال يتدهور. وقدكان أمل المتظاهرين وكذلك المعارضة السورية في المنفى هوأن تخرج هذه الاحتجاجات ذات الطبيعة السلمية في سورية للشوارع كما حدث في مصر وتونس وتحصد دعماً واضحاً من المجتمع الدولي وتُجبر النظام على الاختيار ما بين التنحي أو مواصلة القبض على السلطة عبر القوة، إلا انه يبدو ان الأسد قد قرر ان يحارب حتى النهاية.
واستراتيجية النظام بسيطة ألا وهي نشر وحدات الجيش والأمن كاملة في مناطق الاضطرابات حول درعا وحماة ودير الزور وإدلب وحمص لمنع المتمردين من نقل الاحتجاجات إلى الميادين الرئيسية لدمشق وحلب والاعتماد على فيتو روسيا والصين ضد قرارات مجلس الأمن والإشارة إلى بيانات الدول الغربية والإقليمية بأن الحل العسكري "غير مطروح على الطاولة" وإنهاك المحتجين حتى يعودوا إلى بيوتهم وإطلاق النظام لمبادرة "إصلاح".
وقد نجحت المناورة حتى الآن، كما استمر المحتجون في الخروج إلى الشوارع يومياً خاصة يوم الجمعة وذلك للمطالبة بإسقاط نظام الأسد، لكن هؤلاء الذين لا يرون ضوءا في نهاية النفق، هم محبطون، ويدعون إلى دعم دولي عبر منطقة حظر طيران أو منطقة عازلة على طول الحدود السورية يستطيع المعارضون للنظام أن يلجأوا إليها وغيرها من الاقتراحات، لكن مع كل إعلان بأن هذه المخططات ليست قيد التنفيذ يواجه المحتجون مستقبلاً يزداد قتامة.
وتسعى المعارضة السورية إلى تولي الأمور بنفسها، فالمنشقون عن الجيش السوري ينضوون تحت لواء "الجيش السوري الحر" وهو جماعة مسلحة قيادتها موجودة في تركيا مع عمليات نشطة في حمص وإدلب وحولها وفي مواقع سورية أخرى.
ويُضاف إلى هذا نوعان آخران من الجماعات المسلحة: عناصر سلفية غير محددة وعصابات إجرامية معينة بدأ أعضاؤها بالأصل في تجارة التهريب النشطة في سوريا، ورغم أن كل هذه المجموعات الثلاث ما تزال أدنى من قوات الأمن من حيث العتاد، إلا أن الكثير من السوريين يرون أنشطة هذه الجماعات، في غياب عمل دولي من أي نوع، سبيلا لإسقاط النظام .
خطوات اسقاط النظام
وحتى الآن فقد دعم صناع السياسة الأمريكيون الحركة الاحتجاجية السلمية في سوريا مع زيارات للسفير روبرت فورد لمدن مثل حماة للاطلاع على الأحداث في المدينة، كما قد التقت السفارة أيضاً مع سوريين على أرض الواقع وذلك للوصول إلى أدق قياس لوِجهة الصراع، وقد تقوّى هذا الجهد بنظام عقوبات قوي، وبعد إعلان الرئيس أوباما في آب أن الرئيس الأسد يجب أن "يتنحى"، فعَّلت واشنطن الأجزاء المتبقية من قانون المساءلة السوري من عام 2004 ووسّعت نطاق تصنيفات وزارة الخزانة لمسؤولي ومعاوني النظام وأعلنت حظر مبيعات النفط السوري، كما استطاعت الإدارة أن تجذب الدعم من دول الاتحاد الأوروبي للدعوة أيضاً إلى رحيل الأسد وتبني إجراءات مماثلة.
ومع تصاعد الأحداث في سوريا، تحتاج الولايات المتحدة الآن إلى تطوير خطة موحّدة للتحضير لكل حالات الطوارئ واسقاط النظام، وينبغي أن تشتمل هذه الخطة على بنود العمل التالية:
ـ تشكيل مجموعة اتصال سورية: كانت إدارة أوباما حتى الآن حذرة لئلا "تتصدّر" حركة الاحتجاج السورية أو الحلفاء الإقليميين المتموضعين جيداً للمطالبة بالضغط على نظام الأسد، وأمام فشل نظام الأسد في تنفيذ مبادرة الجامعة العربية مؤخراً ينبغي على إدارة أوباما أن تطالب رسمياً بتشكيل مجموعة اتصال سورية ترعى ضغطاً موحداً متعدد الأطراف، وهي الطريقة التي نجحت مع دمشق تاريخياً كأفضل ما يكون، وتطوير استراتيجية لإنهاء نظام الأسد.
ـ تطوير استراتيجية لحرمان نظام الأسد من داعميه: إن نظام الأسد مكوّن من أقلية طائفية نُشكّل قيادة الهيئات العسكرية والأمنية، بينما يعتمد استقرار النظام أيضاً على مجموعات أخرى لها روابط عائلية وتجارية موسعة مع دول غربية من رجال أعمال يرجعون إلى الطوائف الاخرى، وخطة استخدام عقوبات أمريكية واتحاد أوروبية وتركية مدروسة ضد أعتى مناصري النظام سوف، لو استُخدمت في ظروف سياسية مفصلية، تُضعف قبضة النظام على السلطة بشكل كبير.
ـ تعزيز خطة المعارضة السورية: إن الخوف الذي ولّده عنف النظام والاختلافات الثانوية بين شخصيات المعارضة والحكم الذي استمر فترة تزيد على أربعين عاماً قد أعاقت مقدرة المعارضة السورية على التخطيط، وليس واقعياً أن نتوقع أو نطلب من المعارضة السورية التوصل إلى استراتيجية مقاومة مدنية مثل تلك التي استخدمها المحتجون المعارضون في بلغراد أو القاهرة لإسقاط النظام هناك، لكن الأحرى بالولايات المتحدة أن تساعد المعارضة السورية على تطوير استراتيجية مقاومة مدنية تُوسع الاحتجاجات لتشمل تكتيكات مثل المقاطعة والإضرابات العامة، وسوف يُعظم هذا من القوة السياسية لحركة الاحتجاجات السلمية.
ـ دعوة مراقبي حقوق الإنسان: ينبغي على الولايات المتحدة أن تسهّل، إلى جانب دبلوماسيين من نفس التوجه من دول متحالفة، نشر مراقبين لحقوق الإنسان على أن يكون من بينهم أناس من دول عربية وتركيا وذلك لإبقاء عنف نظام الأسد تحت الضوء.
ـ الاستعداد لعسكرة الصراع: مع إعاقة روسيا والصين لقرار مجلس الأمن وتزايد القتال على يد المنشقين حول حمص وغيرها فإن فرص الحرب الطائفية تزيد أيضاً، كما أن العناصر الإقليمية (دولاً أو أفراداً) ولكونها ترى في هذا واجباً أخلاقياً واستراتيجياً ستُسحب في الغالب إلى ما يمكن اعتباره صراعاً بالوكالة، ولهذه الغاية سوف تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تستكشف مع حلفائها إمكانية إنشاء مناطق "حظر الطيران" أو"حظر الزيارة" أو مناطق عازلة كسُبُل لاحتواء الصراع والمساعدة على حصد الدعم للمعارضة السورية.
ـ الدعوة لاستصدار قرار من قبل مجلس الأمن الدولي: إن فشَل مبادرة الجامعة العربية من الأسبوع الماضي لإنهاء العنف قد ساعد على فتح الباب للولايات المتحدة والأوروبيين للعودة إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار بشأن سوريا، وعلى الرغم من أن روسيا والصين قد اعترضتا على الإجراءات الماضية إلا أنهما ستجدان من الصعب على نحو متزايد مواصلة ذلك لا سيَّما مع فشل المساعي العربية في التفاوض على تسوية آمنة للأزمة. وسوف تكون قرارات مجلس الأمن بمثابة أساس لتعظيم الضغط المتعدد الأطراف وخاصة بالعقوبات الشاملة والاستخدام المحتمل للقوة في المستقبل.
"الربيع العربي" يعيد الوئام
ونرى ان ما سمي بـ" الربيع العربي" كان له دور كبير في اعادة تنسيق سياسات بين دول كالولايات المتحدة وتركيا، فبعد أن كانت العلاقات التركية ـ الامريكية تشهد اضطرابات عاصفة بسبب خلافات حول عدد من القضايا كعلاقات تركيا مع إسرائيل وكيفية التعامل مع إيران النووية، والتي قوضت الرباط التاريخي لواشنطن مع أنقرة، نجد اليوم ان العلاقات اصبحت أكثر دفئاً، خاصة مع تعمّق التعاون تجاه الأحداث في سوريا، فقد ظهرت تركيا بصفتها الخصم الرئيسي في المنطقة لعنف نظام الأسد تجاه المتظاهرين، وهذا أمر جيد لأوباما، الذي يركز على القضايا الداخلية قبل انتخابات عام 2012، والذي يأمل مع تركيا بحدوث "هبوط آمن" في سوريا ووضع نهاية لحكم بشار الأسد من دون انزلاق البلد إلى الفوضى، ويُقدّر أوباما استعداد أنقرة لتحمل عبء السياسة تجاه سوريا، بدءاً من فرض عقوبات ضد الأسد إلى دعم المعارضة، وفق استراتيجية رعاها وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو.
فالرياح السياسية المتغيرة عبر انحاء الشرق الأوسط تعمل على تقريب واشنطن وانقرة أكثر من ذي قبل منذ التباعد بينهما بسبب حرب العراق في عام 2003، لتقضي اليوم الولايات المتحدة وتركيا شهر عسل بعد ان شهدت علاقتهما في العام الماضي اضطرابا عاصفا، حيث أقام الرئيس أوباما ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ما يحتمل أن تكون العلاقة الأفضل بين رئيس أمريكي ورئيس وزراء تركي خلال عقود.
المصلحة الثنائية تجمع
ويبدو أن أوباما وأردوغان قد أصبحا فعلاً أصدقاء، فقد ذكرت وسائل الإعلام التركية أنه بعد وفاة والدة أردوغان في الشهر الماضي، كان أوباما من بين قادة العالم الذين اتصلوا به وأنهما "تحدثا لمدة 45 دقيقة عن مشاعرهما"، وهذا الوئام الشخصي هو أساس العلاقة الأمريكية ـ التركية الجديدة.
لقد استغرق الأمر بعض الوقت للوصول إلى هذه النقطة، فحتى العام الماضي، كانت علاقات تركيا مع واشنطن مترنحة، كما إن سياسة أنقرة تجاه إيران كانت متأرجحة، وغالباً ما تحدت جهود واشنطن لفرض عقوبات مدعومة دولياً على طهران، فمثلا في حزيران 2010، صوتت تركيا في مجلس الأمن الدولي ضد اقتراح بفرض عقوبات على إيران ترعاها الولايات المتحدة، وعلى مدار نحو شهرين بدا الأمر وكأن ذلك التصويت سوف يقطع الروابط الأمريكية التركية، لكن المحادثات المباشرة بين أوباما وأردوغان على هامش مجموعة العشرين في تورونتو في تموز 2010 غيّرت كل شيء.
ووفقاً لما أعلمني به مسؤولون أتراك وأمريكيون، أخبر أوباما أردوغان بمدى انزعاجه من تصويت تركيا في الأمم المتحدة كما ساعدت صراحته على تنقية الأجواء بين البلدين، ثم سرعان ما تغيرت سياسة تركيا، فقد توقفت أنقرة عن الدفاع عن طهران وبدأت بالتعاون مع واشنطن.
ومنذ الصيف، بدأت العلاقات تتحسن بصورة ملحوظة، فالزعيمان يتحدثان بشكل متكرر، على الأقل اثنتي عشرة مرة هذا العام وحده، وكثيراً ما يتفقان بشأن الأمور السياسية، ومنها التوافق حول "الربيع العربي"، فتصريحات تركيا حول الانتفاضات في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دفعت أوباما إلى تقدير تركيا، وهي عضو مسلم كبير في حلف شمال الأطلسي يرضي بشكل فريد سعي أوباما إلى إيجاد حلفاء أقوياء، أغلبية سكانهم من المسلمين، ويكونون سعداء للعمل مع الولايات المتحدة.
وبعد أن خلصت أنقرة إلى أن الحكام المستبدين مثل معمر القذافي في ليبيا سوف يسقطون، إن عاجلاً أم آجلاً، بمجرد مجابهتهم معارضة الجماهير، ما دعا البلدين إلى التنسيق بشأن "الربيع العربي".
تركيا حليف منافس لإيران
ومن المرجح أن يستمر التحسن في العلاقات الأمريكية ـ التركية، فعندما تولى أردوغان السلطة في عام 2002، دشنت أنقرة سياسة التقارب تجاه إيران، غير أن عودة تركيا كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط أثارت المنافسة مع إيران، البلد الآخر الساعي للهيمنة في المنطقة، وقد بدأت منافسة "ناعمة" بين البلدين عندما دعم كل منهما فصائل متعارضة في انتخابات عام 2010 في العراق، وقد مهد هذا الصراع الطريق لقيام منافسة كاملة بشأن سوريا، حيث تدعم طهران وتمول نظام الأسد فيما تدعم أنقرة وتستضيف أعضاءً من المعارضة.
ولا تزال هناك توترات بين واشنطن وأنقرة، بما في ذلك تلك المتعلقة بمستقبل العلاقات التركية ـ الإسرائيلية، لكن عندما أبحر أسطول من تركيا إلى غزة في أوائل تشرين الثاني، طلب البيت الأبيض من أنقرة ألا تسمح بوجود أي أتراك على متن السفن، وذلك لتفادي تكرار حادث أيار 2010 الذي قتل فيه الإسرائيليون تسعة أتراك كانوا على متن سفن متجهة إلى غزة، وقد التزمت أنقرة بذلك وتم تجنب وقوع أزمة أخرى.
وعلى المدى الطويل، سوف تعمل المنافسة التركية ـ الإيرانية على تقريب أنقرة من واشنطن، وربما من إسرائيل. فعلى سبيل المثال، عندما تُكمل الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق، سوف تتنافس تركيا وإيران اقتصادياً وسياسياً لكسب النفوذ في العراق.
وبعد عقد من الخلافات مع الولايات المتحدة، أصبحت تركيا أكثر قرباً بعد الجفاء، وفي حين أن العلاقة بين أوباما وأردوغان قد وضعت أسساً جديدة للعلاقات الأمريكية ـ التركية، إلا أن البلدين سيلتزمان بمصالح مشتركة في الشرق الأوسط حتى بعد أن يترك هذان القائدان السلطة.
تتقاطع السياستان الأميركية والتركية في أكثر من مفصل حين الحديث عن الملف السوري. أحداث سوريا الأخيرة شكلت فرصة أعاد من خلالها الاميركيون تقويم علاقتهم بالأتراك، من بوابة العمل على مواجهة سوريا. في هذا السياق، أدلى الخبير في الشؤون العربية اندروتابلر بشهادة امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي حول الخطوات اللازم تنفيذها بهدف "إسقاط النظام السوري"، في حين استعرض الخبير في الشؤون التركية سونر چاغاپتاي تاريخ العلاقات بين واشنطن وأنقرة في سبيل تعزيزها واستثمارها في إطار سياسة مشتركة، وهنا شهادة تابلر:
" الموقف على الأرض في سوريا ما يزال يتدهور. وقدكان أمل المتظاهرين وكذلك المعارضة السورية في المنفى هوأن تخرج هذه الاحتجاجات ذات الطبيعة السلمية في سورية للشوارع كما حدث في مصر وتونس وتحصد دعماً واضحاً من المجتمع الدولي وتُجبر النظام على الاختيار ما بين التنحي أو مواصلة القبض على السلطة عبر القوة، إلا انه يبدو ان الأسد قد قرر ان يحارب حتى النهاية.
واستراتيجية النظام بسيطة ألا وهي نشر وحدات الجيش والأمن كاملة في مناطق الاضطرابات حول درعا وحماة ودير الزور وإدلب وحمص لمنع المتمردين من نقل الاحتجاجات إلى الميادين الرئيسية لدمشق وحلب والاعتماد على فيتو روسيا والصين ضد قرارات مجلس الأمن والإشارة إلى بيانات الدول الغربية والإقليمية بأن الحل العسكري "غير مطروح على الطاولة" وإنهاك المحتجين حتى يعودوا إلى بيوتهم وإطلاق النظام لمبادرة "إصلاح".
وقد نجحت المناورة حتى الآن، كما استمر المحتجون في الخروج إلى الشوارع يومياً خاصة يوم الجمعة وذلك للمطالبة بإسقاط نظام الأسد، لكن هؤلاء الذين لا يرون ضوءا في نهاية النفق، هم محبطون، ويدعون إلى دعم دولي عبر منطقة حظر طيران أو منطقة عازلة على طول الحدود السورية يستطيع المعارضون للنظام أن يلجأوا إليها وغيرها من الاقتراحات، لكن مع كل إعلان بأن هذه المخططات ليست قيد التنفيذ يواجه المحتجون مستقبلاً يزداد قتامة.
وتسعى المعارضة السورية إلى تولي الأمور بنفسها، فالمنشقون عن الجيش السوري ينضوون تحت لواء "الجيش السوري الحر" وهو جماعة مسلحة قيادتها موجودة في تركيا مع عمليات نشطة في حمص وإدلب وحولها وفي مواقع سورية أخرى.
ويُضاف إلى هذا نوعان آخران من الجماعات المسلحة: عناصر سلفية غير محددة وعصابات إجرامية معينة بدأ أعضاؤها بالأصل في تجارة التهريب النشطة في سوريا، ورغم أن كل هذه المجموعات الثلاث ما تزال أدنى من قوات الأمن من حيث العتاد، إلا أن الكثير من السوريين يرون أنشطة هذه الجماعات، في غياب عمل دولي من أي نوع، سبيلا لإسقاط النظام .
خطوات اسقاط النظام
وحتى الآن فقد دعم صناع السياسة الأمريكيون الحركة الاحتجاجية السلمية في سوريا مع زيارات للسفير روبرت فورد لمدن مثل حماة للاطلاع على الأحداث في المدينة، كما قد التقت السفارة أيضاً مع سوريين على أرض الواقع وذلك للوصول إلى أدق قياس لوِجهة الصراع، وقد تقوّى هذا الجهد بنظام عقوبات قوي، وبعد إعلان الرئيس أوباما في آب أن الرئيس الأسد يجب أن "يتنحى"، فعَّلت واشنطن الأجزاء المتبقية من قانون المساءلة السوري من عام 2004 ووسّعت نطاق تصنيفات وزارة الخزانة لمسؤولي ومعاوني النظام وأعلنت حظر مبيعات النفط السوري، كما استطاعت الإدارة أن تجذب الدعم من دول الاتحاد الأوروبي للدعوة أيضاً إلى رحيل الأسد وتبني إجراءات مماثلة.
ومع تصاعد الأحداث في سوريا، تحتاج الولايات المتحدة الآن إلى تطوير خطة موحّدة للتحضير لكل حالات الطوارئ واسقاط النظام، وينبغي أن تشتمل هذه الخطة على بنود العمل التالية:
ـ تشكيل مجموعة اتصال سورية: كانت إدارة أوباما حتى الآن حذرة لئلا "تتصدّر" حركة الاحتجاج السورية أو الحلفاء الإقليميين المتموضعين جيداً للمطالبة بالضغط على نظام الأسد، وأمام فشل نظام الأسد في تنفيذ مبادرة الجامعة العربية مؤخراً ينبغي على إدارة أوباما أن تطالب رسمياً بتشكيل مجموعة اتصال سورية ترعى ضغطاً موحداً متعدد الأطراف، وهي الطريقة التي نجحت مع دمشق تاريخياً كأفضل ما يكون، وتطوير استراتيجية لإنهاء نظام الأسد.
ـ تطوير استراتيجية لحرمان نظام الأسد من داعميه: إن نظام الأسد مكوّن من أقلية طائفية نُشكّل قيادة الهيئات العسكرية والأمنية، بينما يعتمد استقرار النظام أيضاً على مجموعات أخرى لها روابط عائلية وتجارية موسعة مع دول غربية من رجال أعمال يرجعون إلى الطوائف الاخرى، وخطة استخدام عقوبات أمريكية واتحاد أوروبية وتركية مدروسة ضد أعتى مناصري النظام سوف، لو استُخدمت في ظروف سياسية مفصلية، تُضعف قبضة النظام على السلطة بشكل كبير.
ـ تعزيز خطة المعارضة السورية: إن الخوف الذي ولّده عنف النظام والاختلافات الثانوية بين شخصيات المعارضة والحكم الذي استمر فترة تزيد على أربعين عاماً قد أعاقت مقدرة المعارضة السورية على التخطيط، وليس واقعياً أن نتوقع أو نطلب من المعارضة السورية التوصل إلى استراتيجية مقاومة مدنية مثل تلك التي استخدمها المحتجون المعارضون في بلغراد أو القاهرة لإسقاط النظام هناك، لكن الأحرى بالولايات المتحدة أن تساعد المعارضة السورية على تطوير استراتيجية مقاومة مدنية تُوسع الاحتجاجات لتشمل تكتيكات مثل المقاطعة والإضرابات العامة، وسوف يُعظم هذا من القوة السياسية لحركة الاحتجاجات السلمية.
ـ دعوة مراقبي حقوق الإنسان: ينبغي على الولايات المتحدة أن تسهّل، إلى جانب دبلوماسيين من نفس التوجه من دول متحالفة، نشر مراقبين لحقوق الإنسان على أن يكون من بينهم أناس من دول عربية وتركيا وذلك لإبقاء عنف نظام الأسد تحت الضوء.
ـ الاستعداد لعسكرة الصراع: مع إعاقة روسيا والصين لقرار مجلس الأمن وتزايد القتال على يد المنشقين حول حمص وغيرها فإن فرص الحرب الطائفية تزيد أيضاً، كما أن العناصر الإقليمية (دولاً أو أفراداً) ولكونها ترى في هذا واجباً أخلاقياً واستراتيجياً ستُسحب في الغالب إلى ما يمكن اعتباره صراعاً بالوكالة، ولهذه الغاية سوف تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تستكشف مع حلفائها إمكانية إنشاء مناطق "حظر الطيران" أو"حظر الزيارة" أو مناطق عازلة كسُبُل لاحتواء الصراع والمساعدة على حصد الدعم للمعارضة السورية.
ـ الدعوة لاستصدار قرار من قبل مجلس الأمن الدولي: إن فشَل مبادرة الجامعة العربية من الأسبوع الماضي لإنهاء العنف قد ساعد على فتح الباب للولايات المتحدة والأوروبيين للعودة إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار بشأن سوريا، وعلى الرغم من أن روسيا والصين قد اعترضتا على الإجراءات الماضية إلا أنهما ستجدان من الصعب على نحو متزايد مواصلة ذلك لا سيَّما مع فشل المساعي العربية في التفاوض على تسوية آمنة للأزمة. وسوف تكون قرارات مجلس الأمن بمثابة أساس لتعظيم الضغط المتعدد الأطراف وخاصة بالعقوبات الشاملة والاستخدام المحتمل للقوة في المستقبل.
"الربيع العربي" يعيد الوئام
ونرى ان ما سمي بـ" الربيع العربي" كان له دور كبير في اعادة تنسيق سياسات بين دول كالولايات المتحدة وتركيا، فبعد أن كانت العلاقات التركية ـ الامريكية تشهد اضطرابات عاصفة بسبب خلافات حول عدد من القضايا كعلاقات تركيا مع إسرائيل وكيفية التعامل مع إيران النووية، والتي قوضت الرباط التاريخي لواشنطن مع أنقرة، نجد اليوم ان العلاقات اصبحت أكثر دفئاً، خاصة مع تعمّق التعاون تجاه الأحداث في سوريا، فقد ظهرت تركيا بصفتها الخصم الرئيسي في المنطقة لعنف نظام الأسد تجاه المتظاهرين، وهذا أمر جيد لأوباما، الذي يركز على القضايا الداخلية قبل انتخابات عام 2012، والذي يأمل مع تركيا بحدوث "هبوط آمن" في سوريا ووضع نهاية لحكم بشار الأسد من دون انزلاق البلد إلى الفوضى، ويُقدّر أوباما استعداد أنقرة لتحمل عبء السياسة تجاه سوريا، بدءاً من فرض عقوبات ضد الأسد إلى دعم المعارضة، وفق استراتيجية رعاها وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو.
فالرياح السياسية المتغيرة عبر انحاء الشرق الأوسط تعمل على تقريب واشنطن وانقرة أكثر من ذي قبل منذ التباعد بينهما بسبب حرب العراق في عام 2003، لتقضي اليوم الولايات المتحدة وتركيا شهر عسل بعد ان شهدت علاقتهما في العام الماضي اضطرابا عاصفا، حيث أقام الرئيس أوباما ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ما يحتمل أن تكون العلاقة الأفضل بين رئيس أمريكي ورئيس وزراء تركي خلال عقود.
المصلحة الثنائية تجمع
ويبدو أن أوباما وأردوغان قد أصبحا فعلاً أصدقاء، فقد ذكرت وسائل الإعلام التركية أنه بعد وفاة والدة أردوغان في الشهر الماضي، كان أوباما من بين قادة العالم الذين اتصلوا به وأنهما "تحدثا لمدة 45 دقيقة عن مشاعرهما"، وهذا الوئام الشخصي هو أساس العلاقة الأمريكية ـ التركية الجديدة.
لقد استغرق الأمر بعض الوقت للوصول إلى هذه النقطة، فحتى العام الماضي، كانت علاقات تركيا مع واشنطن مترنحة، كما إن سياسة أنقرة تجاه إيران كانت متأرجحة، وغالباً ما تحدت جهود واشنطن لفرض عقوبات مدعومة دولياً على طهران، فمثلا في حزيران 2010، صوتت تركيا في مجلس الأمن الدولي ضد اقتراح بفرض عقوبات على إيران ترعاها الولايات المتحدة، وعلى مدار نحو شهرين بدا الأمر وكأن ذلك التصويت سوف يقطع الروابط الأمريكية التركية، لكن المحادثات المباشرة بين أوباما وأردوغان على هامش مجموعة العشرين في تورونتو في تموز 2010 غيّرت كل شيء.
ووفقاً لما أعلمني به مسؤولون أتراك وأمريكيون، أخبر أوباما أردوغان بمدى انزعاجه من تصويت تركيا في الأمم المتحدة كما ساعدت صراحته على تنقية الأجواء بين البلدين، ثم سرعان ما تغيرت سياسة تركيا، فقد توقفت أنقرة عن الدفاع عن طهران وبدأت بالتعاون مع واشنطن.
ومنذ الصيف، بدأت العلاقات تتحسن بصورة ملحوظة، فالزعيمان يتحدثان بشكل متكرر، على الأقل اثنتي عشرة مرة هذا العام وحده، وكثيراً ما يتفقان بشأن الأمور السياسية، ومنها التوافق حول "الربيع العربي"، فتصريحات تركيا حول الانتفاضات في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دفعت أوباما إلى تقدير تركيا، وهي عضو مسلم كبير في حلف شمال الأطلسي يرضي بشكل فريد سعي أوباما إلى إيجاد حلفاء أقوياء، أغلبية سكانهم من المسلمين، ويكونون سعداء للعمل مع الولايات المتحدة.
وبعد أن خلصت أنقرة إلى أن الحكام المستبدين مثل معمر القذافي في ليبيا سوف يسقطون، إن عاجلاً أم آجلاً، بمجرد مجابهتهم معارضة الجماهير، ما دعا البلدين إلى التنسيق بشأن "الربيع العربي".
تركيا حليف منافس لإيران
ومن المرجح أن يستمر التحسن في العلاقات الأمريكية ـ التركية، فعندما تولى أردوغان السلطة في عام 2002، دشنت أنقرة سياسة التقارب تجاه إيران، غير أن عودة تركيا كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط أثارت المنافسة مع إيران، البلد الآخر الساعي للهيمنة في المنطقة، وقد بدأت منافسة "ناعمة" بين البلدين عندما دعم كل منهما فصائل متعارضة في انتخابات عام 2010 في العراق، وقد مهد هذا الصراع الطريق لقيام منافسة كاملة بشأن سوريا، حيث تدعم طهران وتمول نظام الأسد فيما تدعم أنقرة وتستضيف أعضاءً من المعارضة.
ولا تزال هناك توترات بين واشنطن وأنقرة، بما في ذلك تلك المتعلقة بمستقبل العلاقات التركية ـ الإسرائيلية، لكن عندما أبحر أسطول من تركيا إلى غزة في أوائل تشرين الثاني، طلب البيت الأبيض من أنقرة ألا تسمح بوجود أي أتراك على متن السفن، وذلك لتفادي تكرار حادث أيار 2010 الذي قتل فيه الإسرائيليون تسعة أتراك كانوا على متن سفن متجهة إلى غزة، وقد التزمت أنقرة بذلك وتم تجنب وقوع أزمة أخرى.
وعلى المدى الطويل، سوف تعمل المنافسة التركية ـ الإيرانية على تقريب أنقرة من واشنطن، وربما من إسرائيل. فعلى سبيل المثال، عندما تُكمل الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق، سوف تتنافس تركيا وإيران اقتصادياً وسياسياً لكسب النفوذ في العراق.
وبعد عقد من الخلافات مع الولايات المتحدة، أصبحت تركيا أكثر قرباً بعد الجفاء، وفي حين أن العلاقة بين أوباما وأردوغان قد وضعت أسساً جديدة للعلاقات الأمريكية ـ التركية، إلا أن البلدين سيلتزمان بمصالح مشتركة في الشرق الأوسط حتى بعد أن يترك هذان القائدان السلطة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018