ارشيف من :أخبار لبنانية
أخطر من التمويل
حسناً فعل «الإطفائي» نبيه بري، بتلقفه كرة النار التي هدّد الرئيس نجيب ميقاتي بإلقائها على بيدر الاستقرار في البلاد، إذا لم يلبّ طلبه بدفع حصة لبنان من موازنة المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومرافقيه وسائر الشهداء الذين سقطوا في ما بعد.
وفي اعتقادنا أن ثمة خطأ ارتكب في هذا الشأن وأدى إلى وصول الرئيس ميقاتي إلى التهديد بالاستقالة، هو عدم تواصله مع الأطراف الرافضين للمحكمة من حيث المبدأ، ثم في ضوء ممارسات لجنة التحقيق الدولية وانحرافاتها عن الأصول المهنية والمسلكية والأخلاقية، وصولاً إلى مواقف المدعي العام للمحكمة القاضي دانيال بلمار في ما يتعلق بشهود الزور، وفي احتمالات تورط أطراف عديدين في عملية الاغتيال، وهذا ما أشار إليه سلفه سيرج برامرتس في أحد تقاريره.
وبدلاً من أن يحاور رئيس الحكومة الأطراف الرافضين للمحكمة أو المعترضين على مسلكيتها، أدار لهم الاذن الطرشاء، وراح يغدق الوعود على مسؤولي الأمم المتحدة المعنيين بموضوع التمويل، وكذلك رؤساء الدول الذين التقاهم خلال الأشهر الخمسة الماضية بأن لبنان ملتزم القرارات والمعاهدات الدولية، وأنه سيؤدي تالياً حصته من موازنة المحكمة.
ولم يكتف الرئيس ميقاتي بالخروج على التقاليد الديموقراطية التي تعتبر الحوار جوهر النظام الذي أراده الشعب أداة للحكم بواسطته، بل رفع السلاح الطائفي والمذهبي في وجه كل من كان يعترض من غير طائفته على أداء حكومته وطريقة إدارته شؤون الحكم.
إن مثل هذا الموقف يهدد بإحداث صدع خطير في البلد بين المسلمين والمسيحيين، جراء تطييف رئيس الحكومة للموقع الذي وصل إليه بقوة الأكثرية الوطنية غير الطائفية، وهو القادم برصيد مذهبي متواضع بإزاء الرصيد الكبير داخل طائفته الذي يمثله
رئيس الحكومة الخارج من السلطة. ولا ترفع رصيده الطائفي إثارة حساسيات مذهبية تنذر بفتن، لبنان في غنى عنها. بل إن الذي يطلب من المواطنين «التعاون لحماية الوطن وأبنائه» لا يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب الذي يُضعف الوحدة الوطنية ويزيد تشتيت الصفوف، في واحدة من أدق المراحل التي تمر بها المنطقة.
والذي يدقق بما أزعج الرئيس ميقاتي في انتقاد وزراء «تكتل التغيير والإصلاح» له، لا يجد له عذراً، ولأنه يضخّم مسألة إنشائية بسيطة جداً، ويجعل منها متراساً طائفياً في وجه الفريق الآخر. وهذه مسألة يحوط تفسيرها خلاف، وتحلها الروح الوفاقية والحرص على الحوار في سبيل تحقيق الشعار الذي أطلقه الرئيس ميقاتي على حكومته، أي «كلنا للعمل». ولا يطلب منه وزراء التكتل إلا العمل، ولا شيء سواه.
ويدور الخلاف حول المادة 64 من الدستور التي تنص على الآتي: «يدعو رئيس مجلس الوزراء مجلس الوزراء إلى الانعقاد ويضع جدول أعماله. ويطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع الطارئة التي ستبحث».
ولأن رئيس مجلس الوزراء هو الذي يُعدّ جدول الأعمال ويحدد الأولويات.
ولأن مجلس الوزراء بعد الطائف بات «موقع الحكم الجماعي والمشاركة الجماعية لبناء وطن، والأخذ من الامتيازات الطائفية ووضع الدولة على طريق إلغاء التمايزات الطائفية»، على ما ورد في دراسة للدكتور ألبير منصور، أحد مهندسي الطائف والمشاركين في وضع نصوصه وتضمّنها كتابه «الانقلاب على الطائف»، فإن رئيس الحكومة ملزم، باسم المشاركة، في مشاورة الوزراء في ترتيب البنود التي تعنيهم في الجدول، على ان يبقى اطلاع رئيس الجمهورية على الجدول قبل عرضه على مجلس الوزراء شكلياً ورفعاً للعتب.
إن مثل هذا الكلام يظهر خطر انتقال عدوى التسلط والهيمنة على القرار من رئيس الجمهورية في عهود ما قبل الطائف، إلى رئيس مجلس الوزراء الذي يعتقد خطأ أن صلاحيات رئيس الجمهورية (السياسية والمالية والعسكرية والأمنية والقضائية والتربوية والإدارية والإعلامية)، قد انتقلت إليه، بينما الصواب أنها انتقلت إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وأن رئيس مجلس الوزراء مجبر بحسب القانون بإشراك الوزراء في القرارات التي تتخذ في المجلس، وكذلك في تحضير جدول الأعمال لأن الوزراء معنيون به قبل أي مسؤول آخر.
وما دام تحويل المال إلى المحكمة قد تمّ أمس من حساب الهيئة العليا للإغاثة، أكبر بالوعة للمال في البلاد، فإن خطر الاستقالة قد زال، فلتكن الفترة التي تفصلنا عن الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، فسحة تأمّل ليس في سبيل توفير التمويل مستقبلاً، بل لإعادة التفكير في طريقة الحكم في البلاد، ولفتح حوار مع «حزب الله» حول المحكمة وشهود الزور بحيث يجري الفصل بين موقف الحكومة الملتزمة القرارات الدولية، وموقف الحزب الرافض للمحكمة بسبب تسييسها. على أن يُشترط لاستمرار التمويل، تصحيح الأخطاء في آذار المقبل لدى تجديد البروتوكول مع الأمم المتحدة، وهذا يطمئن «كتلة التغيير والإصلاح» ويجعلها تعود عن قرارها مقاطعة جلسات مجلس الوزراء. وهي تنتظر طمأنة من الرئيس ميقاتي بأنه سيتعاون معها، بعيداً من التطييف والتمذهب.
علماً ان رئيس الحكومة يدرك جيداً لماذا جاء إلى السرايا. وما كان المطلوب منه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018