ارشيف من :أخبار لبنانية

واقعة الطفّ: كيف روت دماء الحسين (ع) نواة الصّدقة؟

واقعة الطفّ: كيف روت دماء الحسين (ع) نواة الصّدقة؟
فاطمة شعيتو
إنه اليوم الثالث الذي يحلّ فيه الصيام المستحبّ ضيفاً على بيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). ها قد انطوت ساعات النهار بطاعة الله تعالى. غاب قرص الشمس وراء الأفق، وصدح صوت المؤذن متهادياً الى الملكوت الأعلى، بينَما نزلت ملائكة السماء الى بيت الإمامة المتواضع ترفع صالح العمل من صلاةٍ وذكرٍ ودعاء...

اجتمعت أنوار الوحي عند مائدة الإفطار، ها هما الحسن والحسين (ع) يهمّان بخشوع لتناول أقراص الشعير التي خبزتها سيدة نساء العالمين فاطمة (ع) بيديها المباركتين، عساها تسدّ رمق الصائمين لليوم الثالث على التوالي بعد أن آثروا على أنفسهم الزكيّة مسكيناً في الليلة الأولى، ويتيماً في الليلة الثانية... لم تكد العروق تبتلّ بشربة ماء، حتى علا صوتٌ خائرٌ يقول "يرحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله"... كان ذاك نداء أسيرٍ شاء الله أن يطعمه أيضاً من مائدة الكرم الإلهي، من مائدة أهل بيت الوحي، مَن نزلت بحقهم "ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً"!(1)

تحت سقف القداسة هذا، ظلّلت رحمة الإله الحسينَ بن علي (ع) طفلاً عالماً يغترف من فيض النبوة والإمامة أطيب الخصال وأعظمها أبداً، وقد بدا رغم سنوات عمره المعدودات راجح العقل، سخيّ النفس، حسَن التصدّق، لا بل من نوره نواة الصّدقة قد جُبلت، ومن طهر دمائه ارتوت ذات محرّم، فحُفِظت...

إنْ نظر رسول الله (ص) إلى وجهه الوضّاح ترقرقت العبرات في عينيه، وأقبل إليه يلثم سيماء الشهادة المتلألئة أنواراً على نحره الناصع، يعفّر برياحين الجنة وجنتي ذاك السبط العزيز، ويمسح الجزع والحزن عن جبينه الشريف، حيث حفر علي (ع) بصمات الولاية بعد أن تصدّق بخاتمه وهو راكع يصلّي!

وكأن طيف الحسين (ع) كان حاضراً في مجلس الصدقة ذاك، تنهمر على مسامعه كلمات الله جلّ وعلا، يردّد مع ملاك الوحي "إِنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون"، بل هو الحسين (ع) نفسه كان مرّة هائماً في محراب صلاته، يناجي ربّه، فوقف بإزائه أعرابي وقال :

لم يخــبِ الآن من رجـاكَ    ومن حرَّكَ من دون بابك الحلقة
أنت كـــريـمٌ وأنت معتــمدٌ     أبــوك قـــد كان قاتــلَ الفسقة
لولا الذي كان من أوائلكــم   كانتِ الجحيمُ علينا اليوم منطبقه

خفّف الإمام (ع) صلاته، قال (ع) لخادمه قنبر "هات ما بقي عندنا من أموال العراق"، فجاءه بأربعة آلاف درهم، لفّها بعباءته المباركة، ودفعها الى الأعرابي من وراء الباب قائلاً:

خـذها فـإني إليـك معـــتذرٌ     واعلمْ بأني عليـك ذو شفقة
لو كان مَن أمرنا الغَداة عَصا  كانتْ سمَانا عليكَ اليوم منطبقه

بكا الإعرابي عندها، فقال الحسين (ع) "أخ العرب، هل استقللت المال؟"، فأجاب "لا سيدي، وإنما أبكي على كفك وجودك كيف يأكله التراب" (3)...ولكن، هنيئاً حقاً لذاك التراب، فقد نال شيئاً من قداسة سيد الشهداء (ع)، فأضحى لأشقى العلل خير شفاء، طوبى لذاك التراب، وقد مشى عليه أبو الأحرار ليلة عاشوراء، يؤدي زكاة المال، لا العشر وربع العشر، بل جميعه، فدفع أثواباً قيمتها ألف دينار من أجل عتق الرقاب!(4).

وشاءت رسالة السماء في مصاب العاشر أن يُرى أثرٌ على ظهر شهيد كربلاء (ع)، لم يكن ذاك الأثر موضع السيوف والسهام، فالحسين (ع) لم يعطِ ظهره للأعداء، بل تلك علاماتٌ خلّفها الجراب الذي كان يطوف به الإمام (ع) ليلاً على الفقراء متحنّناً متصدّقا، ولو كانت روحه تلازم جسده الشريف حين قطع جدل بن سليم الكلبي (لعنه الله) خنصره ليسرق خاتمه، والله لما كان بخل به عليه! (5).

يوم الطفّ، بذل الحسين (ع) مهجته، وقربة الى العلياء أهداها، هي صدقةٌ ما بعدها صدقة، وعلى مرّ الزمان ليست كسِواها، فنواتها عُجنت من خبز فاطمة (ع)، وبنور الولاية خاتمُ علي (ع) كسَاها ... تلك نواةٌ أزهرت ثورةً في كربلا، ونحر الحسين (ع) بالخُلد رواها!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هوامش
(1) ورد في تفسير القمي: 2/398 : عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان عند فاطمة عليها السلام شعير فجعلوه عصيدة، فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين، فقال المسكين رحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله، فقام علي عليه السلام فأعطاه ثلثها، فما لبث أن جاء يتيم فقال اليتيم رحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله ، فقام علي عليه السلام فأعطاه ثلثها الثاني، فما لبث أن جاء أسير فقال الأسير يرحمكم الله أطعمونا مما رزقكم الله ، فقام علي عليه السلام فأعطاه الثلث الباقي ، وما ذاقوها ! فأنزل الله فيهم الآية الكريمة (ويُطعِمونَ الطَعامَ على حُبّهِ مِسْكيناً ويتيماً وأَسيراً) إلى قوله تعالى (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً)/ سورة الإنسان: الآيتان 8 و9.

(2) ورد في الأمالي للصدوق: 185: قال الإمام الباقر(ع) إنّ رهطاً من اليهود أسلموا، منهم: عبد الله بن سلام، وأسد، وثعلبة، وابن يامين، وابن صوريا، فأتوا النبي(ص)، فقالوا"يا نبيّ الله، إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيُّك يا رسول الله؟ ومن وليّنا بعدك؟"، فنزلت هذه الآية (إِنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) / سورة المائدة: الآية 55.

ثمّ قال رسول الله(ص) "قوموا"، فقاموا، فأتوا المسجد، فإذا سائلٌ خارج، فقال "يا سائل، أما أعطاكَ أحد شيئاً"؟، قال "نعم، هذا الخاتم".

قال(ص) "مَن أعطَاك"؟، قال "أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلِّي"، قال "على أيِّ حالٍ أعطاك؟"، قال "كان راكعاً"، فكبّر النبيُّ(ص)، وكبّر أهل المسجد.

فقال(ص) "عليٌّ وليُّكم بعدي"، قالوا "رضينا بالله ربّاً، وبمحمّدٍ نبيّاً، وبعليٍّ بن أبي طالب وليّاً"، فأنزل الله عزّ وجلّ (وَمَن يَتَوَلّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُواْ فَإِنّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ)/ سورة المائدة: 56.

(3) الطريق الى منبر الحسين(ع)/ الشيخ عبد الوهاب الكاشي/ 172.

(4) بحار الانوار 44: 394

(5) الطريق الى منبر الحسين(ع)/ الشيخ عبد الوهاب الكاشي/ 173: هذا الخبيث أقبل إلى الحسين (ع) وهو جثة بلا رأس، فلم يجد عليه شيئاً يسلبه، فنظر، وإذا خاتم في خنصره (ع)، كلما عالجه ليخرجه لم يتمكن، لأن التراب والدماء قد جمدت عليه، فتناول قطعة سيف من الأرض، وصار يحزّ خنصر الحسين (ع)، الى أن فصله، وأخذ الخاتم.
2011-12-02