ارشيف من :أخبار لبنانية
توقيت سيّئ لنزهة مخزية لعملاء «سي آي إيه» في بيروت
جنان جمعاوي - "السفير"
«كل شيء ممكن» عند الحديث عن وكالة الاستخبارات المركزية «سي أي إيه» هذه الأيام، بما في ذلك الحديث عن «النزهة المخزية» التي قام بها العملاء الأجانب الذين استخدمتهم الوكالة للتجسس على «حزب الله» وأصول إيران.
خلال هذه «النزهة المخزية»، تناول العملاء «بيتزا سيئة... لكن الأسوأ كانت الاستخبارات». هكذا وبهذا العنوان استهل بول ماتر، من معهد «آرثر كارتر للصحافة» في نيويورك، تقريرا نشره معهد «فورين بوليسي إن فوكس»، كتب فيه إن أسوا ما في فضيحة «سي أي إيه» في لبنان هو أن «الولايات المتحدة كانت تعلم بأن «حزب الله»، المعرّض هو نفسه بشدة لعمليات التجسس الإلكترونية، سبق أن عزز عملياته وأدواته لاعتراض الإشارات، ومع ذلك فهي لم تغيّر شيئاً في إجراءاتها العملانية».
وبهذا أصابت مجلة «فوربس» في ما كتبته بأن «الدروس التي تعلّمتها «سي أي إيه» من إسرائيل لم تمنع عملاء الوكالة من تجنب القبض عليهم».
وبعدما تساءل عن كيفية «بلوغ وكالة، كانت يوماً ما قادرة على شن انقلابات ناجحة خلال الحرب الباردة، إلى هذا الدرك، ورؤية عملائها يتساقطون جراء شطائر بيتزا؟»، نقل ماتر عن ماكس فيشر ما كتبه في مجلة «ذا اتلانتيك» بأن هذا الفشل على ما يبدو هو «ثمن مكافحة الإرهاب».
فبعدما كانت تعمل تحت شعار «صوّر، تسلّل وحلّل» بات شعار الوكالة «اقتل، اعتقل واحتجز»، كما قال الباحث في «فورين بوليسي ان فوكس»، مضيفاً إن هذه «الوكالة الملطّخة أيديها بالدماء، باتت اكثر دموية بسبب أخطاء ووسائل متنوعة تهدف لإزالة التهديدات بدلاً من تقييمها».
لبنان يؤرّق «سي أي إيه»
عزا ماتر ما أسماه «عقلية اضرب وانسى»، جزئياً، إلى «ما حصل لخدماتنا الاستخباراتية في إيران ولبنان في الثمانينيات»، وأضاف إن هذه العقلية «هي أيضاً نتيجة هجمات 11 أيلول 2001، فمنذ إدارة جورج بوش ثم بطريقة أوسع في ظل إدارة باراك أوباما، باتت الوكالة أكثر تسييساً وأكثر خضوعاً لسلطة البيت الأبيض وموجهة نحو انشطة «القاعدة» وأسلحة الدمار الشامل الإسلامية تحديداً».
وتابع ماتر إنه «على الرغم من الأهمية الاستراتيجية لإيران ولبنان بالنسبة للولايات المتحدة فإن التواجد والنفوذ الأميركيين في كلا البلدين تراجعا منذ الثمانينيات، او الأصح، فإن هذين البلدين تملّصا من عقيدة آيزنهاور منذ الثمانينيات».
وكان الهدف من العقيدة التي اعلن عنها الرئيس الأميركي الأسبق دوايت آيزنهاور في 1957، هو إمداد الأنظمة العربية ببديل عن الوقوع تحت السيطرة السياسية لجمال عبد الناصر، وتقويتهم فيما تعمل الولايات المتحدة على عزل النفوذ الشيوعي، من خلال عزل عبد الناصر.
ووصف ماتر لبنان بأنه تحوّل إلى «قرحة ملتهبة» في عمل الوكالة منذ الثمانينيات، وذلك عائد جزئياً إلى عمليات اختطاف الأميركيين في بيروت آنذاك، ثم «الأهم هو فشل العقوبات والتدخلات الاسرائيلية في الإطاحة بـ«حزب الله»، او على الأقل عزله عن إيران». ومذاك وجدت «المقاومة الإسلامية العالمية، التي بدأت في السبعينيات، أرضاً خصبة في لبنان».
والآن، مع هذا «النجاح في العملية ضد وكالة الاستخبارات المركزية، فإن «حزب الله» يسجّل نصراً جديداً له ضد التحالف الإسرائيلي الأميركي، وإن كان نصراً ليس مدوياً كنصره ضد العدوان الإسرائيلي في تموز 2006»، كما قال ماتر، مشيراً إلى أن «نجاة «حزب الله» لطالما أرّق واشنطن وتل أبيب». واليوم ستحدّ الانتكاسة التي منيت بها الوكالة في لبنان من «قدرتها على تسليم البيت الأبيض المعلومات الاستخباراتية الموضوعية والتحليلات المتعلقة بها، في توقيت سيء بالنسبة للسياسات الإسرائيلية والأميركية على السواء».
وقال الباحث في «ستراتفور» سكوت ستيوارت إنه «كلما زاد النشاط الاستخباراتي كلما زاد احتمال وقوع الأخطاء وكلما ظهرت العيوب في مهارة الأداء»، ومع ذلك فأن وكالة الاستخبارات المركزية «حتماً، تريد ان يصدّق الإيرانيون بأنها، أي الوكالة، لم تعد ناشطة في لبنان».
وتابع ستيوارت إنه «حتى لو كانت هذه التقارير (عن توقف عمل محطة بيروت) هي من نسج خيال سي أي إيه»، فإنها تبدو «مثيرة في ضوء ما أعلن عنه في 11 تشرين الأول الماضي عن إحباط محاولة لاغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير، وما أعلن عنه في 12 تشرين الثاني حول اعتقالات لخلية كانت تعتزم شن هجمات ضد الحكومة وأهداف دبلوماسية في البحرين».
الحرب الاستخباراتية... الباردة
في تقرير مطوّل، حول «الحرب الاستخباراتية الخفية ضد إيران»، استعرض ستيوارت فصول هذه الحرب منذ 15 كانون الثاني وحتى اليوم، بدءا من هجوم «ستوكسنت» ثم تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتفجيرات الغامضة التي تقع هنا وهناك في إيران ثم العقوبات الأميركية والأوروبية على الجمهورية الإسلامية، فالجولة الأحدث من التوتر بين طهران ولندن، ثم إعلان طهران عن إسقاط طائرة أميركية بلا طيار من طراز «آر كيو 170».
كل هذه، وقائع تدلّ فعلاً على وجود «حرب باردة» تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما ضد إيران. هذه الحرب الاستخباراتية الخفية، والرد الإيراني عليها، ليست حديثة، ولكن «تسارع وتيرتها منذ أشهر» هو الجديد برأي ستيوارت، منذراً من أن «هذه الحرب لن تهدأ رحاها قريباً».
لماذا؟ لأن الانسحاب الأميركي من العراق، القريب، سيحدِث «فراغا في القوة» ستسعى إيران إلى سدّه. واحتمال امتداد الفلك الإيراني من غربي أفغانستان الى المتوسط «لا يرعب اللاعبين الإقليميين مثل إسرائيل والسعودية وتركيا فقط، وإنما يثير بشدة قلق الولايات المتحدة أيضاً».
معهد «ستراتفور» ليس من مؤيدي الفكرة القائلة بأن الهجوم العسكري على منشآت إيران النووية، وحده، هو الحل للحد من التهديد الإيراني، لأن «قوة طهران تتأتّى من قدرتها على استخدام قواتها التقليدية لا أسلحتها النووية». وبالتالي فإن «الهجمات ضد البرنامج النووي لن تؤثر على قوات إيران التقليدية أو على قدرتها على زعزعة تدفق النفط عند مضيق هرمز، عبر استخدام تلك القوات التقليدية ضد القوات البحرية الأميركية والسفن التجارية»، مشيراً إلى أن «أي هجوم على إيران يجب أن يكون أوسع بكثير من الهجوم (الإسرائيلي) اليتيم على مفاعلات تموز في 1981».
ضرب إيران عبر «حزب الله»
نتيجة هذه «الصعوبات» التي تعترض طريق الحرب على إيران، ها نحن نشهد الإسرائيليين والأميركيين وحلفائهما يهاجمون طهران بوسائل أخرى، أولها «محاولة كبح فلك النفوذ الإيراني، عبر العمل على الإطاحة بالنظام السوري، والحد من النفوذ الايراني في العراق، والسيطرة على «حزب الله» في لبنان»، إلى جانب الهجوم على البرنامج النووي عبر اغتيال العلماء وشن هجمات «ستوكسنت».
لا تقتصر أساليب محاربة إيران على ما شهدناه حتى الآن، بل سنشهد «خلال الأشهر المقبلة، بروز أساليب هجومية جديدة غير معروفة سابقاً، وتطبيقات تكتيكية ثورية لأشكال قديمة من الهجمات». لم يوضح ستيوارت ما يعنيه من هذا، ولكنه ختم بأن «النزوع الى استخدام هذه الاساليب الثورية، بدلاً من الحفاظ عليها، يؤكّد بشدة على اهمية هذه الحرب الخفية ضد إيران، في نظر خصومها».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018