ارشيف من :ترجمات ودراسات
النووي الإيراني ونحن: المعادلة الخاطئة
المصدر: "إسرائيل اليوم ـ دوري غولد(*)"
إن انتشار المفهوم الذي يقول إن الضغط على إسرائيل هو المفتاح لإيقاف البرنامج النووي الإيراني ـ خطير جداً. سيكون من الأسهل على دول كثيرة الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات أكثر من التركيز على إيران وحدها.
أُجريت مقابلة الأسبوع الماضي مع زفيغنايف بججينسكي، مستشار الأمن القومي في حكومة الرئيس جيمي كارتر، في برنامج صباحي على المحطة التلفزيونية الأميركية MSNBC وسُئل عن الموضوع الإيراني. لا يحظى برنامج "Morning Joe" بنسبة عالية من المشاهدين لكن الشريحة التي تتابعه نوعيّة ومؤلفة من الذين يؤثرون على الرأي العام، الأمر الذي يمنحه تأثيراً كبيراً، خصوصاً في واشنطن.
في السنوات الأخيرة طلب بججينسكي من إدارة الرئيس أوباما تفعيل ضغط أكبر على إسرائيل. حين أُثيرت قضية إيران، تطرّق فجأة لما سمّاه "دراسة هامة جداً"، التي نُشرت فقط الآن من قبل مركز سبان لسياسة الشرق الأوسط في واشنطن، الذي وفق بججينسكي "لديه علاقات قوية مع إسرائيل".
وفي الواقع، اجتمع الأسبوع الماضي وزراء وقادة سياسيون إسرائيليون في واشنطن بغية المشاركة في المنتدى السنوي لـ سبان، الذي يضم في كل عام ممثلين سياسيين من الإدارة الأميركية، محلّلين رفيعي المستوى وجهات رسمية سابقة لا يزال لديها تأثير كبير.
ووفق كلام بججينسكي، أظهرت دراسة مركز سبان أنه بغية جعل إيران تتخلى عن برنامج تطوير السلاح النووي، ينبغي أن يكون معظم الإسرائيليين مستعدين للتخلي عن القدرة النووية، التي تمتلكها إسرائيل وفق التقارير.
أيّد بججينسكي هذه الفكرة بحماسة. وأشار إلى أن هذا الموقف يؤكّد على "المهارة الاستخباراتية" لدى الشعب الإسرائيلي.
يظهر من خلال موقع الانترنت التابع لمركز سبان أن صيغة السؤال كانت: "هناك احتمالان: الأول ـ إسرائيل وإيران تمتلكان معاً سلاحاً نووياً، والثاني ـ أي منهما لا تمتلك سلاحاً نووياً"، فضّل 65% من اليهود الإسرائيليين الاحتمال الثاني وفقط 19% فضّلوا الاحتمال الأول.
تجدر الإشارة إلى أن الدراسة لا تضع احتمالاً ثالثاً أمام الشعب الإسرائيلي: احتمال أن تتخلى إيران عن سلاحها النووي في حين تُترك إسرائيل على راحتها. كما تجدر الإشارة إلى أن الدراسة، التي أعدّها الدكتور "شيبلي تلحمي"، لم تحظَ بتغطية إعلامية كبيرة في كافة الوسائل الإعلامية لكنها أصبحت حتماً حديث اليوم في الوسائل الإعلامية الرائدة التي تُعنى بالشرق الأوسط.
بالون اختبار
هناك سؤال أساسي ينبغي طرحه حول الدراسة: لماذا سُئل منذ البداية هذا السؤال الذي خلق ارتباطاً بين إسرائيل وإيران في مسألة النووي؟ تحاول استفتاءات رأي الشعب في إسرائيل عموماً أن تختبر تأييد الشعب الإسرائيلي للخطوات الحقيقية التي من الممكن أن تواجه سكان إسرائيل. لم يطرح أي حزب من التيار الأساسي في الكنيست اقتراحاً دبلوماسياً كهذا بشأن المواجهة مع إيران.
بدلاً من ذلك، يمكن استخدام دراسات كـ "بالون اختبار، أي طرح على جدول الأعمال القومي الفكرة التي يريد معدّ الدراسة أن يثيرها. هذا ما يجعل الدراسة غريبة جداً ـ لِمَ يريد شخص ما الربط بين البرنامج النووي الإيراني وإسرائيل؟
هذا الربط لا يظهر في القرارات الستة التي اتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بخصوص تجميد برنامج تخصيب اليورانيوم في إيران.
بالطبع يدور دائماً وسط المستويات السياسية الرسمية حديث حول ضرورة وجود منطقة خالية من سلاح نووي كجزء من رؤية بعيدة المدى، لكن اليوم حتى السعوديون لم يرغبوا بإدخال إسرائيل في عملية مراقبة السلاح كشرط مسبق لإيقاف السباق الإيراني لإحراز النووي. على الرغم من ذلك، حين تصبح دراسة كهذه جزءاً من النقاش العام في واشنطن، لا يمكن إنكار احتمال أن تتسلّل هذه الفكرة مستقبلاً إلى الساحة السياسية في العواصم الغربية.
العالم العربي ضد إيران أيضاً
بالنسبة للعالم العربي الأخطار الكامنة في إيران تتضح أكثر فأكثر. أظهرت الدراسة التي نُشرت في حزيران 2011 من قبل "جايمس زوغبي، برعاية المعهد العربي ـ الأميركي أن الدعم العربي لإيران تدنى في السنة الأخيرة، والأغلبية الساحقة تثق بأن إيران تلعب دوراً سلبياً في العراق والخليج الفارسي.
إن نظر 85% من السعوديين إلى إيران نظرة إيجابية عام 2006، فإن هذه النسبة تدنّت بصورة دراماتيكية 6% عام 2011. في مصر هبطت هذه النسبة من 89% إلى 37، وفي الأردن هبطت هذه النسبة من 75% إلى 23%. حيال المخاوف المتزايدة من الطموح الإيراني للسيطرة الإقليمية وسط الشعب العربي برمته، وليس فقط وسط الحكومات الرائدة، الرأي الذي ستضطر وفقه إسرائيل لدفع الثمن حيال سياسة عربية صارمة أكثر إزاء إيران ـ بعيد عن الواقع.
الفشل المنطقي الحقيقي في أساس السؤال عن إسرائيل وإيران في الدراسة التي أعدّها مركز سبان، هو الرأي بأن طموح إيران لإحراز سلاح نووي مرتبط خصوصاً بدولة إسرائيل وتحرّكاتها. وحقيقة أن إيران تحاول إحراز قدرة نووية بغية السيطرة على الشرط الأوسط لا تشكّل عنصراً في المعادلة وفق هذا التحليل.
مقابل ذلك، لم تنسَ الدول العربية أن إيران تدّعي أن البحرين هي المقاطعة الـ 14 التابعة لها، وكانت شاهدة على التدخل الإيراني في التمرد الشيعي الذي يحصل فيها. المملكة العربية السعودية قلقة من الدعم الإيراني للغليان الشيعي في قسمها الشرقي الغني بالنفط وفي دولة اليمن المجاورة. هذا وتتطلّع كافة الدول العربية بقلق إلى ما سيحصل في اللحظة التي تسحب فيها الولايات المتحدة قواتها من العراق الشهر الجاري وتحوّل حكومة المالكي العراق إلى دولة تابعة لإيران.
إن انتشار المفهوم المحرّف، الذي وفقه إسرائيل هي المفتاح لإيقاف البرنامج النووي الإيراني، أمر خطير جداً. يبحث كثيرون في الغرب عن أعذار للحؤول دون المواجهة مع التحدّي الإيراني. إنهم يعتقدون أن فرض حظر كامل على النفط الإيراني يمكنه أن يؤثّر على سعر النفط العالمي وأن يجعل الانتعاش الاقتصادي الغربي يواجه تحديات كبيرة جداً.
سيكون من السهل لدى دول كثيرة الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات أكثر من التركيز على إيران وحدها. لهذا السبب من المهم أن ندحض الرأي الذي يربط بين إسرائيل والبرنامج النووي الإيراني من بدايته، بين أن يظهر في الوسائل الإعلامية العالمية وبين أن يُطرح للاستفتاء الشعبي الذي وُضع من قبل معهد البحوث في واشنطن".
(*) السفير السابق لاسرائيل في الامم المتحدة
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018