ارشيف من :أخبار لبنانية

«لقاء حريصا» مطلع العام: بكركي تستكمل عدتها

«لقاء حريصا» مطلع العام: بكركي تستكمل عدتها
جان عزيز - صحيفة الاخبار

لا يزال الوضع المسيحي مختبر التفاعل السياسي شبه الوحيد لبنانياً. ففي ظل اصطفافات مع تمايزات نسبية ضئيلة، سنيّاً وشيعياً ودرزياً، يبدو المسيحيون «واحة الفوضى» اليتيمة لبنانياً، أو «ساحة الديموقراطية المثلى»، بحسب الجهة التي يقف عليها صاحب التوصيف أو التقويم. غير أن الواقع، مهما كان تشخيصه، لا يتّسم بالسويّة اللازمة للوصول إلى مؤديات إيجابية.

ويبرز الحدث السوري مؤشراً أساسياً لهذا الالتباس المسيحي الحاصل في المقاربة وحتى الإحساس. فالشارع السنّي على سبيل المثال، يعيش حالةَ تطابق في الترحيب والاستبشار بالأزمة السورية، بين أكثرية قاعدته وقيادته القائمة عليها وعليه، فيما يعيش الشارع الشيعي حالة مماثلة من التطابق القيادي ـــــ القواعدي، لكن مناقضة على مستوى الشعور والموقف. فالحذر و«النقزة» ممّا يحصل في دمشق قائمان لدى غالبية الشيعة، كما لدى قيادتهم، بينما الضياع الدرزي المقابل يوحّد هرم «الموحّدين» في ناسهم ومسؤوليهم.

وحدها البيئة المسيحية تعيش انقساماً متقاطعاً حيال الحدث السوري. نصفها على الأقل مماثل للوضع الشيعي تخوّفاً ممّا يحصل، وهو النصف المتآلف حول ميشال عون، فيما نصفها الآخر في التباس من نوع آخر: قياديو مسيحيي 14 آذار يتماهون مع القيادة الحريرية، أما قاعدتهم فمراوحة في بلبلتها بين حذر الشيعة وضياع الدروز. غير أن المتابعين بعمق للحالة المسيحية في لبنان يؤكدون أن رد فعلها هذا حيال الوضع في سوريا، جزء من أزمة مسيحية تتمثّل جذورها في غياب المشروع، وضحالة الخطاب. فالمسيحيون يعتقدون بنحو عام أن كل الجماعات اللبنانية تملك مشاريعها الخاصة.

يظنون أن المشروع السُّني واضح، منذ الطائف المنقلِب: مارونية سياسية مستنسخة بأرجحية سُنية، باتت تملك في نظرها كل مقدّرات إعادة تكرار التجربة المارونية، داخلياً وخارجياً. ويظنون أيضاً أن المشروع الشيعي جلي كذلك: الاستمرار في الوضع الراهن ومراكمة عناصر القوة والرهان على عامل الوقت، بانتظار لحظة تغيير هادئ أو صاخب، تصحّح معادلات النظام والسلطة والحكم، بحسب أحجام القوى الحقيقية والقدرات الذاتية.

ويظن المسيحيون أيضاً أن المشروع الدرزي جاهز أيضاً: مراوحة في إدارة «الإمارة» حتى جلاء الوضع في سوريا، بعدها إذا حكم العرعور هناك، تكون المختارة رابطة مع «ممثله الشرعي في بيروت». وإذا ذهبت دمشق في الزمن السحيق إلى أيام غورو، تكون «وحدة الجبل» حلماً تاريخياً حاضراً للتحقّق.
ويتابع البوح المسيحي المحظور علناً، إنه وسط تلك المشاريع شبه المنجزة، لا مشروع مسيحياً. لا بل ثمّة بلبلة فكرية كبرى. لا قدرة على تحديد مفاهيم السيادة أو الدولة أو الهوية أو المواطنة أو العلمانية أو الطائفية أو الميثاقية... أو أي مفهوم مؤسّس للشأن العام. هكذا يرى المسيحيون أن خطاب مسيحيي 14 آذار، رغم كل بهرجته السيادية والحريّاتيّة والاستقلالية، يظلّ يصبّ لدى بيت الحريري. أما خطاب ميشال عون، فقد اختار التركيز الآن على الشق الاقتصادي والاجتماعي، في مقاربة اشتراكية بالمعنى الأوروبي، على قاعدة أنه حسم الشق الكياني والميثاقي، بمعادلتي «التفاهم» في الداخل كأساس للتوازن، و«المشرقيّة» في الخارج، كضمانة للتعاون. غير أن التطورات الأخيرة، من دمشق إلى زيادة الأجور، جاءت لتلقي ظلالاً ثقيلة على هذين الأساسين، بما أقفل حلقة الخطابات المسيحية المأزومة والمشروع المفقود.

وسط هذا المشهد تحرك «البكركويون»، لتكوين أداة الصرح السياسية الخاصة. فبعد أسابيع من عمليات التصحيح للمحاولة الأولى لتوليد «حزب البطريرك»، ثمّة انطلاقة جديدة، قيل إن بكركي رعتها مباشرة، لا بل طلبتها واستدرجتها إلى الضوء. فلقاء الوزراء والنواب وكبار الموظفين المسيحيين السابقين كاد ينجز ورقة تأسيسية، وحدد موعداً أوّلياً لإعلانها، في حريصا مطلع السنة الجديدة، لإطلاق ما قد يكون «لقاء حريصا».

يبقى السؤال: مَن يبلور مشروعاً لإنسان لا يكون من «الرعايا» وخطاباً لوطن لا يظل افتراضياً؟
2011-12-13