ارشيف من :ترجمات ودراسات

نهاية فكرة التطبيع في العلاقات بين "اسرائيل" والدول العربية

نهاية فكرة التطبيع في العلاقات بين "اسرائيل" والدول العربية
المصدر: "نظرة عليا ـ عوديد عيران"

"صعود أحزاب ذات ايديولوجيا اسلامية الى الحكم في شمال افريقيا وامكانية ان تكرر هذه الظاهرة نفسها في مصر، في السلطة الفلسطينية وربما ايضا في دول مجاورة اخرى، تضع علامة استفهام كبيرة على امكانية توفر تطبيع في علاقات اسرائيل مع العالم العربي.
فكرة التطبيع تلقت تعبيرا رسميا هاما في اتفاق السلام بين اسرائيل ومصر (1979) وفي الاتفاقات المختلفة التي رافقته. وعلى الرغم من أن قسما صغيرا من هذه الاتفاقات طبق فقط والسلام مع مصر حظي بلقب "السلام البارد" كانت في هذه الاتفاقات اهمية وخلقت نقطة اهتمام.
خمس مجموعات عمل تشكلت في أعقاب "مؤتمر مدريد" (1991)، وعنيت بمسائل المياه، جودة البيئة، التعاون الاقتصادي، اللاجئين
والرقابة على السلاح هي أيضا شكلت مدماكا هاما في تعزيز فكرة التطبيع بين اسرائيل وجيرانها. مجموعات العمل هذه، وكذا اتفاقات التطبيع مع مصر، وفرت أيضا دليلا على التعلق بين التقدم في المسيرة السياسية مع الفلسطينيين وبين التطبيع، وذلك لان الجمود في هذه المسيرة، الذي بدأ في 1996، أدى أيضا الى تجميد نشاط مجموعات العمل. كما إن البنود في اتفاقات السلام مع الاردن (1994) واتفاقات اوسلو (1993 ـ 1995)، التي عنيت باقامة العلاقات بين الشعوب ("people to people") عانت من مصير مشابه.
في الساحة الدولية أيضا نشأ ما لا يقل عن اطارين اعتمدا على "اتفاقات اوسلو" واتفاق سلام مع الاردن. في العام 1994 أقام الناتو إطار حوار في البحر المتوسط بين أعضاء الحلف وسبع دول (اثنتان، الاردن وموريتانيا، ليستا من البحر المتوسط ولكنهما اضيفتا الى هذا الاطار. والاخريات هن اسرائيل، المغرب، تونس، الجزائر ومصر). واقام الاتحاد الاوروبي في 1995 ما سمي بـ "مسيرة برشلونا" المبنية على فكرة التعاون السياسي ـ الأمني، الاقتصادي والثقافي بين أعضاء الاتحاد الاوروبي والجيران الجنوبيين لحوض البحر المتوسط. هذا الاطار عدل ووسع في 2004 مع ايجاد اطار "دول الجوار الاوروبي" (European Neighborhood Policy) وفي العام 2008، مع اقامة " الاتحاد من أجل البحر المتوسط". هذه الاطر سمحت للقاءات حضرها وزراء، موظفون، خبراء وممثلو المجتمع المدني من كل دول المنطقة، بما فيها اسرائيل (ليبيا لم تكن بينها).

ومع أن إطار الناتو والاطر الاخرى للاتحاد الاوروبي لم تعطِ نتائج ناجعة على المستوى المتعدد المجالات، فقد كان لها أهمية سياسية شديدة، وسمحت أيضا بالتقدم في المستوى الثنائي بعد أن تبنت المنظمتان، الناتو والاتحاد الاوروبي، فكرة التباين (differentiality) التي تسمح لكل دولة بالتقدم في علاقاتها مع هاتين المنظمتين حسب قدرتها ورغبتها من دون أن يلزم الامر بتقدم موازٍ مع دول اخرى تشارك في حوار البحر المتوسط أو في "مسيرة برشلونا".
من الصعب الافتراض بان هذه الاطر يمكن أن تواصل الوجود، حتى على المستوى الادنى، في أعقاب التغييرات التي بدأت في عدة دول عربية. مسألة اخرى ستتضح هي مفعول عنصر التطبيع في المعادلة القابعة في أساس المبادرة العربية ـ السعودية. ومع أن هذه مسألة نظرية، وذلك لانه في ظل غياب مسيرة سياسية اسرائيلية ـ فلسطينية كفيلة بتحقيق حل، ليس للمعادلة أي أمل في التحقق. من جهة اخرى، فان البرنامج الايديولوجي للحركات الاسلامية وتصريحات قادتها تضع في علامة استفهام استعدادهم للتسليم "بالوجود الصهيوني" حتى بعد أن يتحقق الحل الكامل للنزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني.


تطور علاقات اسرائيل مع الاتحاد الاوروبي ومع الناتو منوط بقدر كبير بحل النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، حتى ولو جزئيا، ولكن يمكن لاسرائيل أن تستخدم الضعف المتوقع في الاطارين الآنفي الذكر لغرض تحقيق مصالحها في العلاقات مع الناتو ومع الاتحاد الاوروبي. فهاتان المنظمتان، ستحاولان، على نحو شبه مؤكد، الحفاظ على علاقاتهما الثنائية مع الدول العربية، ويحتمل أن ترغب هذه ايضا في مواصلة علاقاتها مع هاتين المنظمتين. الدول العربية والاتحاد الاوروبي على حد سواء من شأنهم ان يواجهوا المصاعب، لسببن: 1. اذا ما تم تبني تشريع في الدول التي لديها تعاون مع اوروبا والناتو، يقوم على أساس الشريعة، فانه سيصطدم بالرغبة في اقامة وتقدم العلاقات الثنائية؛ 2. اسرائيل تشارك في الجانب المتعدد المجالات للنشاط في اطار الناتو والاتحاد الاوروبي. وحتى قبل أن يثور "الربيع العربي" أبدت بعض الدول العربية اهتماما قليلا في الجانب المتعدد المجالات، وفي اسرائيل أيضا تبدد سحر اللقاءات التي حضرها ممثلون لبنانيون أو سوريون وتعزز التفضيل للتعاون الثنائي. يمكن الافتراض ان في المستقبل القريب ستضعف، وربما تختفي تماما رغبة الدول العربية للمشاركة في أطر تعمل فيها اسرائيل ايضا، واسرائيل يمكنها أن تستغل ذلك كي تصعّد التعاون مع الناتو والاتحاد الاوروبي ورفع مستوى علاقاتها معهما.

في هذا السياق تجدر الاشارة الى أنه يحتمل في كل ما يتعلق بالاتحاد الاوروبي سيكون بوسع اسرائيل أن تجد شريكا مفاجئا في صورة تركيا. منذ اليوم تتصاعد الاصوات في تركيا التي تعبر عن الشك في جدوى انضمامها كعضو كامل في هذه المنظمة. وسواء إسرائيل أم تركيا كفيلتان بأن تجدا نفسيهما تبحثان عن نموذج لـ "اعضاء دون"، بمعنى، مستوى علاقات منخفض عن العضوية الكاملة ولكنه مستوى يمنح فضائل عديدة، سواء لهما أم للاتحاد الاوروبي.
ما ذكر اعلاه لا يعفي اسرائيل من البحث عن حل، حتى ولو جزئيا، للنزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، وذلك لان هذه مصلحته وهي غير منوطة بالتطبيع. يحتمل أن تكون هناك أيضا حاجة الى البحث عن تعريف عملي اكثر وطموح أقل للتطبيع. فالانظمة الجديدة في الدول العربية ستضطر الى التصدي لمسائل اقتصادية عسيرة ومظاهر التعاون حتى لو لم تكن مباشرة أو تتضمن اتصالات بين الشعوب كفيلة بأن تكون مقبولة من جانبها. على الرغم من الانفجارات التسعة في انبوب الغاز في سيناء، فإن لاسرائيل ومصر على حد سواء مصلحة في استمرار توريد الغاز والتعاون في مجال الطاقة. كما إن احتياجات المياه في المنطقة ستلزم بالتعاون الاقليمي. وحتى في دولة يسيطر فيها الاخوان المسلمون لا يمكنها أن تتجاهل الحاجة للتصدي للتحديات الاقتصادية أو حقيقة أن التعاون، حتى وإن كان غير مباشر، مع اسرائيل، كفيل بأن يعطي منافع اقتصادية.

وبالتالي يجب فحص المصاعب التي ستنشأ كنتيجة لصعود قوى سياسية في البلدان العربية لا تقبل فكرة تطبيع العلاقات مع اسرائيل، ولكن ينبغي أيضا فحص الامكانيات التي يخلقها هذا الوضع".

2011-12-13