ارشيف من :أخبار لبنانية

هل يطلق رحيل "بيلمار الثالث" عهد "بيلمار الرابع"؟

هل يطلق رحيل "بيلمار الثالث" عهد "بيلمار الرابع"؟


نبيل هيثم ـ صحيفة "السفير" 

ماذا يعني خروج مدعي عام المحكمة الدولية دانيال بيلمار من مشهد المحكمة، وما هي تداعيات ذلك، وما هو مصير القرارات الظنية التي سبق ووعد بها بيلمار نفسه بعد إصداره القرار الاتهامي الاول، وهل يصدرها أم يتركها زاداً للآتي من بعده، وهل سيتمكن هذا الآتي من ملء فراغ بيلمار الذي أمكن له في السنوات الثلاث الأخيرة ان يختصر تلك المحكمة بشخصه، ويشكل عصبها، ورمز قراراتها الاتهامية، والمساجل الأول في السياسة دفاعاً عنها؟

يقول معنيون بمسار التحقيق الدولي إن خروج بيلمار من مشهد المحكمة واياً تكن الاسباب، سواء اكانت مرضية او غير مرضية، معناه تعرض الركيزة الاهم في المحكمة الى التصدّع، فبيلمار اشبه ما يكون بالقلب الذي يضخ الدم للمحكمة، والرئة التي يمدها بالاوكسيجين والعقل الذي يضخ الرؤيا والتفكير.

بناء عليه، فإن من سيحل مكانه قد لا يستطيع ان ينتج شخصية تتجاوز شخصية بيلمار، لأسباب عدة، اهمها ان بيلمار نفسه، هو أحد الطباخين الاساسيين للاتهام، خاصة انه قدم للبنانيين ثلاث نسخات عن نفسه، بدأت ب«بيلمار الاول» في الفترة التي عين فيها رئيسا للجنة التحقيق خلفا لسيرج براميرتز، ثم «بيلمار الثاني»، حينما استهل ولايته كمدع عام للمحكمة الدولية باخلاء سبيل الضباط الاربعة، وصولاً الى «بيلمار الثالث» الذي اظهر الوجه الحقيقي للاستهداف الذي تجلى باتهام افراد من «حزب الله» باغتيال الرئيس رفيق الحريري.

ولعل الهوية الحقيقية للرجل تتضح جلية من خلال فريق معاونيه ممن سبق للامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله ان قدم نبذات وافية حول هوياتهم وارتباطهم بالمخابرات البريطانية او بوكالة الاستخبارات الاميركية («سي آي إيه»).

يستنتج المعنيون، أن من سيأتي مكان بيلمار، واياً كانت شخصيته وشكله ومهما كان اسمه او هويته او جنسيته، فسيكون بمثابة «بيلمار الرابع» انما باسم جديد، وسيباشر عمله من حيث انتهى القاضي الكندي، وإن بوتيرة بطيئة في المرحلة الراهنة، في انتظار لحظة لبنانية او اقليمية مؤاتية، خاصة أنّ نجم المحكمة الدولية في هذه الفترة قد خفت في ظل تقدم وهج الاحداث الجارية في سوريا، والتي تلبي الهدف الاستهدافي المرسوم للمحكمة، علماً ان هذه الأحداث تجاوزت بمفاعيلها اضعاف ما قد يصدر عن هذه المحكمة أقله بالنسبة الى سوريا التي تستهدف بكيانها وبالعقوبات وبالحصار.

وتكاد تبدو القراءة ذاتها من المنظار القضائي، حيث يقول أحد كبار القضاة اللبنانيين المعنيين مباشرة بملف المحكمة، ان رحيل بيلمار لأي سبب كان، قد لا يترك أثراً كبيراً على مسار التحقيق والمحكمة والادعاء العام، وعلى الرغم مما يمثله هذا الرجل من ركيزة اساسية على صعيد المحكمة والدور الذي اداه بأمانة لرعاة المحكمة على الاقل في الامم المتحدة.

يستند القاضي المذكور في استنتاجه هذا الى الوجهة السياسية التي يسلكها التحقيق الدولي منذ انطلاقه من ايام رئيس لجنة تقصي الحقائق في جريمة الحريري الايرلندي بيتر فيتزجيرالد ولغاية بيلمار.

وفي رأي القاضي المذكور، ان كل الاحتمالات واردة في ما خص بديل بيلمار، وبالتالي لن تكون هناك اية صعوبة في اختيار الخلف، وليس مستبعداً ان يقع الاختيار على واحد من معاوني بيلمار، الذين اسندت اليهم مهمة طبخ الملف والاتهامات، وهذا الخيار هو الاقرب الى المنطق، الا ان تعيين المدعي العام الجديد للمحكمة ينطوي على نية معيّنة، فإذا ما تمّ تسريع هذا التعيين، فمعنى ذلك وجود نية بالمضي بالوتيرة البيلمارية ذاتها لإصدار قرارات اتهامية في المدى المنظور، اقله تلك التي وعد بها بيلمار، واما اذا برز نوع من التريث في هذا التعيين، فمعنى ذلك اننا دخلنا في احتمال تأخير إصدار القرارات في انتظار تبلور الصورة النهائية للمشهد السوري.

والبديهي ان يكون الامين العام للامم المتحدة بان كي مون قد اجرى مقابلات ودرس ملفات البدلاء منذ اشهر، عندما تبلغ رغبة بيلمار بالاستقالة، وبقي ذلك طي الكتمان.

ولا يسقط القاضي اللبناني من ذهنه احتمال ان يتم تعيين خليفة بيلمار خلال فترة قريبة، والغاية منها ليس لتسريع الملف او اصدار قرارات اتهامية، بل لإفساح المجال امام بديل بيلمار لإنتاج شخصيته، ولعل البداية في هذا الاتجاه ستكون من خلال مبادرته الى طلب دراسة الملف وهذا يتطلب وقتاً ليس بقصير، وينطوي هذا الإجراء على محاولة لإضفاء نوع من مصداقية افتقدتها المحكمة والتحقيق.

على ان الامتحان الحقيقي للآتي بعد بيلمار، يكمن في كيفية تعاطيه مع طلب اللواء جميل السيد تسليمه افادات شهود الزور لمحاكمتهم، خاصة أن المحكمة الدولية نفسها قضت منذ نحو ثمانية اشهر بتسليم السيد الافادات والمستندات والوثائق المتصلة بشهود الزور، وحتى الآن لم يتسلم السيد شيئاً، وعرقل بيلمار هذا التسليم بحجج عدة وآخرها الخشية من تعريض سلامتهم للخطر، علماً ان المحكمة أكدت قبل ايام عدم صلاحيتها بملاحقة هؤلاء بل إن الصلاحية هنا من اختصاص القضاء اللبناني. وربطاً بذلك فإن في انتظار الآتي بدل بيلمار امتحان فوري وبطلب وحيد: نطلب تسليم الوثائق الى اللواء جميل السيد.. وعلى اساس الجواب يبنى على الشيء مقتضاه.
 
 

2011-12-22