ارشيف من :أخبار لبنانية
عودة فورد إلى دمشق مهمات جديدة أم ماذا؟
د. محمد البطل ـ "البعث"
إذا كانت مغادرة السفير الأمريكي روبرت فورد سورية قد طرحت العديد من الاستفسارات فإن عودته مؤخراً إلى دمشق تطرح تساؤلات حول هذه الخطوة والأهداف المتوخاة منها، والمهام «الجديدة» الملقاة على عاتقه أيضاً، هذا في الوقت الذي تزامنت مغادرته وعودته مع خطوات مشابهة للعديد من السفراء الغربيين.
ينظر إلى المغادرة الأحادية الجانب للسفراء، أو ممثلي الحكومات والمؤسسات الإقليمية والدولية العاملين في الدول الأخرى، أو استدعائهم من قبل حكوماتهم، أو هيئاتهم، بوصفها تعبيراً احتجاجياً لهذه الجهات، تجاه مواقف أو سياسات الدول العاملين فيها، وقد اتخذت ولا تزال هذه الخطوة صيغاً وأشكالاً متعددة: «تخفيض مستوى التمثيل، استدعاء للتشاور، غياب مؤقت، أو شبه دائم،..إلخ»، ورغم أن مستوى التمثيل الدبلوماسي الأمريكي في سورية، ظل لسنوات عديدة دون مستوى السفير ، فإن تعيين السفير فورد ممثلاً للولايات المتحدة الأمريكية، قد صنف آنذاك بأنه رفع مستوى التمثيل، وخطوة أمريكية لـ «تطوير» العلاقات مع سورية، (نشير هنا إلى أن تعيين فورد قد تم بقرار رئاسي، خلال عطلة الكونغرس، أي أنه مخول للعمل سفيراً لمدة عام فقط، وفق القوانين الأمريكية، ما لم يوافق الكونغرس ولجانه المختصة على هذا القرار الرئاسي!). وعلى الرغم من أن فورد أقام مبكراً العديد من العلاقات مع رموز «معارضة» سورية، إلا أن زيارته لمدينة حماة في الثامن من شهر تموز الماضي، في ظل الأحداث التي شهدتها وما تزال سورية، ودعوته العلنية إلى استمرار التظاهرات حتى تحقيق أهدافها، مثلت تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية السورية، ونشاطاً منحازاً وعدائياً يتناقض مع اتفاقية جنيف الناظمة لعلاقات الدول وسفرائها، وأتبع فورد هذه الزيارة، رغم تبلغه احتجاجاً رسمياً سورياً، حول زيارته تلك بجولة إلى منطقة الميدان الدمشقية في الحادي والعشرين من شهر تشرين الأول الماضي، قبل يوم من مغادرته إلى بلاده، دعا خلالها إلى التظاهر والاحتجاج أيضاً.
وعند مثوله أمام الهيئات البرلمانية الأمريكية المختصة: «الأمن، الخارجية ..إلخ» أشار إلى أن مهمته الرئيسية في سورية تتلخص في اللقاء مع قيادات «المعارضة» وتوجيهها، وتوحيد صفوفها لإنجاز مهمتها!.ومع عودته إلى دمشق قبل أيام قليلة، أعلن جيفري فيلتمان، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، أن عودة فورد: «ليشرف على جمع المعلومات، ويساعدنا في فهم ما يحصل!!».
وتزامنت هذه العودة مع لقاء فيلتمان بقوى 14 آذار اللبنانية، في دارة سعد الحريري، وتوضيحه لزعماء وممثلي هذا التيار طبيعة الوضع في سورية، وتالياً مهمات هذه القوى تجاه ما يحاك لسورية، كذلك مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى العراق المعترض على قرارات مجلس الجامعة العربية تجاه سورية، في محاولة أمريكية لحل تبعات الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، والبحث في مواقف العراق من التطورات الجارية في المنطقة وبخاصة سورية، إضافة إلى لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، قبل أيام قليلة مع ممثلي ما يسمى بـ«المجلس الوطني» ونصائحها حول ضرورة وحدة «المعارضة» السورية، استكمالاً لجهود وفود الإدارة الأمريكية الأخرى إلى المنطقة وجوارها.
غادر فورد سورية في خطوة احتجاجية، دون جدوى أو أثر لهذا الضغط الأمريكي على سياسة دمشق، وعاد إلى سورية بعد أسابيع من مغادرته دون أن تحقق هذه المغادرة أهدافها، ولن تحقق عودته، ببرنامجها الأمريكي المعلن، أهدافها أيضاً، وقد سبقت خطوته الاحتجاجية هذه مغادرة بعض السفراء الأوروبيين، وتزامنت عودته، أو سبقتها بقليل، أو أعقبتها مباشرة عودة سفراء أوروبيين إلى دمشق.
سورية لم تغير سياستها الوطنية ونهجها وتوجهها، كذلك محاولاتها الهادفة إلى تجاوز الأحداث الجارية فيها، والوصول إلى حل وطني سوري أولاً، يتلخص في الحوار الوطني الشامل، وحل الصعوبات التي تواجهها البلاد باعتماد الإصلاح طريقاً أساسياً، ورفض التدخل الخارجي أياً يكن مصدره. يذهب فورد ويعود معه، أو قبله وبعده، سفراء دول تتعاطى مع لافتات الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية..إلخ، بانتقائية فاقعة، خدمة لمواقفها وسياساتها ومصالحها وتحالفاتها أولاً وأخيراً. أما سورية، قيادة وشعباً وقوى وطنية وجيشاً، فقد كانت ولا تزال حريصة على مواقفها الواضحة من الأحداث الجارية، وكيفية معالجتها بما يخدم الإصلاح والديمقراطية ومعالجة قضايا الفساد والرشوة وسوء الإدارة وغيرها من المسائل الهامة شعبياً ووطنياً، بعيداً عن التدخلات الخارجية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018