ارشيف من :أخبار لبنانية
هل لمواقف البطريرك علاقة بزيارتي فيلتمان وكونيللي.. و«الحوار»؟
في المرة الأولى التي تناول فيها البطريرك بشارة الراعي مسألة «السلاح غير الشرعي» استدعى الأمر توضيحاً من دوائر بكركي نقله عدد من المطارنة إلى الأمين العام لـ«حزب الله». في محيط المقر البطريركي ثمة من يردد على سبيل النكتة أن «وفداً جديداً يتحضر لزيارة الضاحية لتوضيح كلام البطريرك في قداس الميلاد». في المرتين لم يسمّ الراعي سلاح المقاومة كما لم يسمّ «حزب الله» إلا أن أحد المقربين منه لا يتردد بالإشارة إلى أن البطريرك تعمّد أن يكون كلامه مبهماً ويحتمل التأويل.
«14 آذار» حسمت النقاش: كلام البطريرك عن أن «على الدولة أن تُخضع كل المهام الدفاعية والأمنية لقرار السلطة السياسية دون سواها» لا يحتاج إلى تأويل وهو حكماً يطال سلاح «حزب الله».
الأصوات التي ربطت بين تغير لهجة الراعي وبين لقائه كلاً من مساعد وزير الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان ثم السفيرة الأميركية مورا كونيللي لم تخرج إلى الشمس على الرغم من تردادها في بعض بيوت الأكثرية، وتحديداً من المحسوبين على «أصدقاء بكركي». هؤلاء مصرّون على المحافظة على العلاقة المتينة مع البطريركية المارونية بعد سنوات من الجفاء. بالنسبة للمعارضة الوضع مختلف تماماً: كلام الميلاد تثبيت لمواقف بكركي التاريخية التي اتخذتها منذ اتفاق الطائف.
الإشادة النادرة بالراعي، لم تلغ التحفظ الذي يبديه أحد قيادات المعارضة على مواقفه. هو لا يطمئن لشخصية البطريرك التي «تنحو نحو البراغماتية»، وبالتالي فهو يرى أن البطريرك الذي «قال ما قاله اليوم قادر على قول عكسه غداً لكي يحافظ على انفتاحه». من هنا، يرى المصدر أن أفضل طريقة للتعامل مع ما يقوله الراعي يكون على القطعة، «فإذا أعلن موقفاً إيجابياً رحبنا وإذا فعل العكس، إما نكتفي بالسكوت أو نتحفظ بهدوء».
نواب «المستقبل» تعاملوا مع القرار بشكل أقل تعقيداً. يرى أحدهم أن الراعي أراد من خلال كلامه الأخير حسم كل محاولات تفسير مواقفه السابقة والتي قيل إنه ميز فيها بين سلاح «المقاومة» والسلاح الفلسطيني.
مقابل ترحيب المعارضة، حافظت قوى الأكثرية على «احترام الموقع». لم تنجر إلى التعليق على خطاب البطريرك علناً. ومع ذلك فإن دوائرها سارعت إلى البحث في ثنايا الخطاب عن مضمون يبرر للراعي مواقفه. وجدت أنه لم يتطرق إلى السلاح إلا من باب إدارته ومن دون تناول مصيره. بمعنى آخر هو لم يناقش أمر السلاح إلا ربطاً بالاستراتيجية الدفاعية، داعماً بذلك سليمان في مسعاه لإعادة طاولة الحوار إلى الانعقاد، بحسب رأي أحد المقربين من بكركي.
«ما قاله الراعي لا يجب أن يستفز أحداً»، يقول أحد نواب العاصمة المتحمسين لنزع السلاح من بيروت الكبرى، فهو يرى في كلامه طرحاً لعناوين تعاون وليس مواجهة، مشيراً إلى انه ينسق في ذلك مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بحثاً عن قواسم مشتركة توصل لاحقاً إلى مرحلة جمع السلاح الخفيف والمتوسط من بيروت الكبرى. نجاح هذه الخطوة سيسهل إمكانية الانتقال بعدها إلى طاولة الحوار لمناقشة الاستراتيجية الدفاعية، التي تحوّلت لتكون الهدف المشترك للقيادتين الدينية والسياسية للموارنة.
وبما أن الراعي لم يتناول مصير هذا السلاح أو نزعه، فإن نائباً أكثرياً يجد أن «كلامه لا يتعارض مع ما نقوله نحن»، مذكراً أن «حزب الله» مستعد للنقاش في أي أمر بعيداً من مسألة نزع السلاح. أما الحديث في وظيفة السلاح وعلاقته بالشرعية فذلك بند أول على جدول طاولة الحوار وبالتالي فالحديث عنه عبر المنابر لا يزعج الأكثرية.
لا تتردد هذه القوى في التأكيد على تفهم موقف الراعي، مذكرة أننا «لم ندّع يوماً أن موقف البطريرك هو نفسه موقف المقاومة أو موقف حلفائها، بل على العكس فنحن مقتنعون أن ما قاله الراعي لا يحيد عن مقاربته الموضوعية للأمور والتي تحاول وضع النقاط على الحروف». هذه المقاربة سبق وأكدها الراعي في فرنسا حيث اعتبر أن «من الخطأ حصر المشكلة بالسلاح وعلى الغرب أن يركز على الاحتلال قبل السلاح». وإذا كان الكلام حمّال أوجه فإن أحد وجوهه لا يخرج عن إطار المقاربة التي أطلقها عندما تسلم سدة البطريركية وأكد فيها عدم العدائية مع سلاح المقاومة.
كان لافتاً أن كل من أراد تفسير كلام البطريرك حرص على أن يميل الدفة نحوه، فتجنب ربط موقف الراعي بقرار فاتيكاني، انطلاقاً من أن حاضرة الفاتيكان ترفض الخوض في التفاصيل طالما أنها مقتنعة بأن الراعي هو الراعي الأمين لتوجهاتها في المنطقة والتي تعطي الأولوية القصوى لحماية مسيحيي الشرق، الذين لم يقتنع البطريرك بعد، بما قالته له كونيللي، من أن أميركا هي الضمانة لهم.
النقاش يدور حالياً حول روحية الخطاب، وإذا رأت الأكثرية أنه لا يخرج عن روحية طروحات الراعي منذ تسلم سدة البطريركية ورأت المعارضة بأنه عاد إلى روحية مواقف الكنيسة التاريخية، فإن الأكيد أن الصراع بين الطرفين صار صراعاً على الروح. وهو صراع لن يكون فيه منتصر طالما أن الراعي تحول إلى اعتماد الكلام الحمّال الأوجه، يردد أحد الحائرين في تفسير «ما في قلب الشاعر».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018