ارشيف من :أخبار لبنانية
الدور "العثماني الجديد" للطورانية ـ الاسلامية الكاذبة
جورج حداد* موقع "انباء" الالكتروني
هذا بحث يتضمن رؤية استراتيجية لواقع منطقة أطلق عليها الكاتب اسم "مثلث الثروات الشرقي" الذي يمتد بين منطقة الشرق الاوسط (التي تضم بشكل خاص البلدان العربية)، حوض بحر قزوين، وآسيا الوسطى (اللذين يضمان افغانستان وايران والقوقاز والجمهوريات الاسلامية السوفياتية السابقة، وما يخططه له المشروع الاميركي الصهيوني للسيطرة على هذه المنطقة مباشرة أو عبر اناطة دور لتركيا الطورانية وإعادة بعث العثمانية من جديد حسب تعبير الكاتب. "الانتقاد"، إذ تورد وجهة النظر هذه نقلاً عن موقع "إنباء" الاخباري من دون أن تتبناها، ترحب بوجهات النظر الأخرى التي تتبنى وقائع قد غفلت عنها هذه الدراسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تكشف الوقائع يوما بعد يوم ان الهجمة العسكرية الشرسة التي شنتها الادارة الاميركية، تحت الشعار الطنان حول "مكافحة الارهاب"، والتي تبدت حتى الآن في الحرب على افغانستان والعراق، واحتلالهما، كان يجري التحضير لها منذ ما قبل أحداث 11 ايلول /سبتمبر2001. وقد تكشفت اهداف هذه الحملة في الحرب الاسرائيلية الوحشية التي شُـنت ضد لبنان في تموز 2006، بالحجة السخيفة حول تحرير جنديين اسرائيليين اسرتهما المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة حزب الله.
كما تكشفت في حرب الابادة اليومية التي تعرض ويتعرض لها الشعب الفلسطيني المظلوم، خصوصا بعد الانتصار الانتخابي لخيار استمرار المقاومة بقيادة حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في الارض المحتلة عام 2007، والتي اراد الرئيس محمود عباس (حفيد عباس افندي الذي كان يبيع الاراضي الفلسطينية لليهود في العهد التركي) إلغاءها، لصالح خياراته "السلمية" مع "اسرائيل". وذهبت بعض التحليلات الى حد التشكيك في ان احداث 11 ايلول/سبتمبر 2001 ذاتها كانت مفتعلة، بغرض اعطاء الادارة الاميركية الذرائع الكافية، امام الرأي العام العالمي، والاميركي خاصة، لتبرير شن الهجمة العسكرية على الشعوب العربية والاسلامية. وسواء كان هذا التشكيك محقا أم لا، فقد اصبح من المتوافق عليه، من قبل محللين من جميع الاتجاهات، ان الهدف الحقيقي الرئيسي لهذه الهجمة الاميركية ـ الصهيونية هو الهيمنة الدولية، وأن شعارات "مكافحة الارهاب" و"منع انتشار اسلحة الدمار الشامل" و"نشر الدمقراطية" لا تخرج عن دائرة الذرائعية والتضليل السياسي و"التمويه" الستراتيجي.
ما الذي دفع الادارة الاميركية، ومعها الصهيونية والطبقة الاميركية المتسلطة بأسرها، الى هذه المغامرة بقواها العسكرية، وبرصيدها وسمعتها السياسيين، مما وضعها في مواجهة خطرة مع الشعوب العربية والاسلامية ومع شعوب العالم بأسره؟
الجواب نجده في الوقائع ذاتها، التي تدفع الادارة الاميركية دفعا الى سلوك هذا الطريق الوعر، من ضمن منطق الهيمنة الدولية الذي اصبحت تتمحور حوله كل سياستها الداخلية والخارجية:
فبعد سقوط "الحاجز" الذي كان يمثله المعسكر السوفياتي السابق، بزعامة روسيا، فتحت الطريق على مصراعيها امام تحقيق ثلاث عمليات جيوستراتيجية كبرى:
الاولى ـ كسر الحواجز الايديولوجية المصطنعة بين روسيا والشعوب الاوروبية والاسيوية المحيطة بها، وفتح الطريق امام التطور القومي الشعبي الحر لروسيا، واقامة علاقات تعاون ندية مفتوحة بينها وبين الشعوب الاوروبية والاسيوية.
الثانية ـ الاتجاه نحو تحقيق شعار "الولايات المتحدة الاوروبية"، الذي طرح عشية الحرب العالمية الاولى، كرد على خط النزاع الاوروبي ـ الاوروبي الذي كانت تغذيه الصهيونية العالمية وتستغله من وراء الستار "الولايات المتحدة الاميركية"؛ ومن ثم توحيد اوروبا بشكل جديد (بما في ذلك روسيا، على قاعدة: ان اوروبا + روسيا تساوي كل شيء، اما اوروبا بدون روسيا فلا تساوي شيئا)، كشرط لتحقيق عصر نهضة جديد في اوروبا والعالم.
الثالثة ـ اتجاه لطي نهائي لصفحة المنحى العدائي في "العلاقات الضرورية" بين الضفتين الشرقية والغربية للبحر الابيض المتوسط، صفحة الغزوات والفتوحات والحروب والاستعمار؛ وفتح صفحة جديدة لتلك "العلاقات الضرورية" تقوم على الحرية والاحترام المتبادل والحوار الحضاري والتفاعل والتعاون والمزاحمة المشروعة بين شعوب هذه المنطقة، وتحويل حوض المتوسط الى بوتقة حضارية تؤسس لعصر انساني جديد ولـ"نظام عالمي جديد" حقيقي!
ومن الواضح تماما ان احتمال نجاح هذه العمليات المترابطة سيترتب عليه حتما تعطيل الدور الطفيلي للصهيونية العالمية، وعلى الاخص نزع دور الزعامة الدولية من اميركا، وخلق نمط علاقات دولية جديدة، بعيد عن الاستقطابات العدائية او الهيمنة الدولية الآحادية.
وأتت الهجمة الاميركية ـ الصهيونية بمثابة هجوم وقائي، او استباقي، حيال الاحتمالات التاريخية سالفة الذكر، اولا لتأكيد مركز الزعامة الدولية الاحادية لاميركا، وثانيا لقطع الطريق على النهضة الاوروبية الجديدة، وثالثا لمنع التقارب البنـّاء الروسي ـ الاسيوي، والروسي ـ الاوروبي، والاوروبي ـ العربي خاصة والمتوسطي عامة، ورابعا لفرض الهيمنة الدولية الشاملة للامبريالية الاميركية على العالم بأسره، بالارتباط الوثيق مع الصهيونية العالمية الطفيلية.
"مفتاح" الهيمنة على العالم
وتتكشف الاهداف البعيدة المدى للهجمة الاميركية ـ الصهيونية من طبيعة المنطقة التي استهدفتها هذه الهجمة. فإذا تجردنا عن الذرائع والاسباب والتداعيات السياسية ايا كانت، وبصرف النظر عن صحة او بطلان بعضها، نجد ان الهجمة الاميركية ـ الصهيونية استهدفت بالدرجة الاولى السيطرة على "مثلث الثروات الشرقي" الذي يمتد بين: منطقة الشرق الاوسط (التي تضم بشكل خاص البلدان العربية)، حوض بحر قزوين، وآسيا الوسطى (اللذين يضمان افغانستان وايران والقوقاز والجمهوريات الاسلامية السوفياتية السابقة).
فهذا المثلث، ولأسباب جيولوجية خارجة عن "الارادة البشرية"، وبالتالي عن الإرادة السياسية لأي طرف كان، هو الوعاء الأكبر، في الكوكب الأراضي، الذي يحتضن المخزون العالمي الرئيسي من احتياطات الثروات الطبيعية والطاقة والمعادن والخامات، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي. وهذا ما يعطي هذا المثلث، من الوجهة الاقتصادية ـ السياسية، أهمية استرايتيجية استثنائية (بالاضافة الى اهميته الستراتيجية السياسية ـ العسكرية الفريدة، الناجمة عن خصائصه الجيوـ ديموغرافية). إذ لا وجود للاقتصاد العالمي، صناعة وزراعة وسياحة واكتشافات واختبارات علمية وصناعة حربية، ولا سيما في المستقبل المنظور، بدون هذا المخزون. ومن ثم من السهولة بمكان الاستنتاج ان من يسيطر على مثلث الثروات الشرقي هذا، يستطيع السيطرة على العالم بأسره، بدون الحاجة للجوء الى الحرب.
وبكلمات اخرى: ان الشرط الاول والاساسي للسيطرة العالمية، هو السيطرة على مثلث الثروات الشرقي. وإن كل فحوى السياسة الاميركية برمتها اخذت، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تتمحور حول تحقيق هذا الهدف بالذات.
حالة الحرب الاميركية
من هنا نجد انه ليس فقط "الخطاب العسكري"، بل وكذلك بالاخص مجمل "الحراك العسكري والسياسي" الاميركي اصبح يتركز في هذا المثلث، وحوله، وباتجاهه. فحتى التسعينات من القرن الماضي، مثلا، كانت غالبية القوات الاميركية تتمركز في اوروبا الغربية، لمواجهة خطر "الشبح" السوفياتي المرعب. اما الان فإن غالبية الاسلحة والحشود الاميركية أصبحت اما متمركزة في المثلث الشرقي، او موجهة نحوه. بل واكثر من ذلك: في السابق، كانت القوات الاميركية "موجودة" في اوروبا الغربية، تحسبا للطوارئ، ولكنها كانت موجودة في "حالة سلم" واقعي، ولم توضع في حالة الاستنفار الفعلي الا ما ندر، في ظروف الازمات الطارئة، كأزمة المجر في 1956، وازمة بناء جدار برلين في 1961. اما الان، في الهجمة لاجل السيطرة على مثلث الثروات الشرقي، فهي ـ أي القوات الاميركية ـ ليست في حالة استنفار قصوى وحسب، كما هي الحال في مجمل قواعدها في جميع انحاء العالم، بل كانت ايضا في حالة حرب حقيقية، لا يستطيع احد التنبؤ بمضاعفاتها وتداعياتها القادمة، كما هو الوضع في العراق وافغانستان. وطبعا، ينبغي ان نضيف الى "حالة الحرب" الاميركية الخاصة "حالة الحرب" الاخرى التي تلتزم بها اميركا التزاما ستراتيجيا عضويا، هي "حالة الحرب" التي توجد فيها "اسرائيل" ايضا، التي ترتكب المجازر اليومية ضد الشعب الفلسطيني المظلوم، والتي هي "الحليف الستراتيجي الأول" لاميركا وجزء لا يتجزأ من "حالة الحرب الاميركية" في المنطقة. فبدون أميركا، ودعمها السياسي والاقتصادي والمالي والأمني والعسكري، لا تستطيع "اسرائيل" ان تصمد وان تستمر في الوجود يوما واحدا. وبالتالي فإن الحرب الاسرائيلية المتواصلة على الفلسطينيين والعرب هي اولا واخيراً حرب اميركية بامتياز.
"الحرب الباردة" الجديدة
ولكن مع كل ما يظهر من العدوانية والعنجهية العسكرية الأميركية ـ الاسرائيلية، ومع كل الضجيج الذي اثاره ولا يزال يثيره الاحتلال الاميركي والاسرائيلي، والسياسة العدوانية الاميركية والاسرائيلية، ضد الشعوب العربية خاصة وشعوب المنطقة عامة، فمن الخطأ الاعتقاد ان الخيار العسكري هو الخيار الستراتيجي الوحيد امام اميركا. ونكتفي بأن نورد هنا سببين، يدفعان الادارة الاميركية للتفتيش عن خيار ستراتيجي آخر لتحقيق اهدافها الكبرى، غير الخيار العسكري المباشر:
السبب الاول ـ ان الادارة الاميركية، ومعها الطغمة الصهيونية العليا، "تقرآن" تاريخ المنطقة وبلدانها وشعوبها، بأفضل مما يقرأه غالبية "قادة" هذه البلدان والشعوب. ومن خلال "تجربة" الاستعمار الغربي للشرق، بما في ذلك "التجربة" المريرة لـ"اسرائيل" (التي، بالرغم من كل جبروتها وانتصاراتها العسكرية "الباهرة"، فهي لا تزال منذ اكثر من نصف قرن تصارع من اجل الاعتراف، مجرد الاعتراف، بوجودها)، فإن الادارة الاميركية والصهيونية تدركان تماما ان الخيار العسكري ليس هو الخيار الانجع لتحقيق اهداف الهيمنة على المنطقة، كمفتاح للهيمنة على العالم. فالخيار العسكري يمكن ان يكون "مدخلا مؤقتا" و"عاملا مساعدا" ليس الا في تحقيق الاهداف الاميركية والصهيونية.
السبب الثاني ـ انه من الخطأ الفادح الاعتقاد ان الادارة الاميركية لا تمتلك خيارات اخرى، غير الخيار العسكري المباشر. فاذا عدنا قليلا الى الوراء، نجد ان الدبلوماسية الاميركية خاصة والغربية عامة كانت قد راكمت، في "الحرب الباردة" بين المعسكرين الشرقي والغربي، "تجربة" غنية، قادتها الى "مراقبة" انهيار المنظومة السوفياتية، ومن ثم الاتحاد السوفياتي ذاته، بدون الاضطرار للجوء الى استخدام القوة العسكرية الاميركية والغربية بشكل مباشر. واستنادا الى هذه "التجربة"، فإن الادارة الاميركية والصهيونية العالمية هما مؤهلتان، ومدفوعتان بالضرورة، لدراسة اوضاع المنطقة وتاريخها، توصلا لايجاد الخيارات البديلة للسيطرة عليها، من ضمن معطياتها الاقليمية ذاتها.
واليوم، للتوصل الى هدف السيطرة على المثلث الشرقي، وعبره للهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية على العالم، فإن الادارة الاميركية لا تكتفي بالهجمة العسكرية، بل هي ـ بموازاة هذه الهجمة الساخنة، وبالتنسيق الكامل معها ـ تشن أيضا "حربا باردة" جديدة، تعتمد بالدرجة الاولى على الدبلوماسية السرية والسياسة الاقتصادية والاساليب والمؤامرات المخابراتية، الاعلامية والسياسية والمافياوية وما اشبه.
"المربع التركي"
وليس من الصدفة ان الساحة المباشرة حاليا لهذه "الحرب الباردة" الاميركية الجديدة هي المربع الستراتيجي الذي يمتد بين البلدان التالية: جيورجيا، في الشرق؛ وقبرص في الغرب؛ بلغاريا، في الشمال؛ وكردستان العراق، في الجنوب (ونسمح لانفسنا بتسمية كردستان العراق "بلدا"، حيث ان الستراتيجية الاميركية تتعامل معه على هذا الاساس، كجزء منفصل عن العراق، وهذا هو المغزى الحقيقي لطرح شعار "الفيدرالية" حاليا من قبل جماعة اميركا في العراق، سواء أعلنت "دولة كردية ـ عراقية" وربما "سورية ايضا!" منفصلة ام لا).
وفي قلب هذا المربع تقع تركيا ـ الدولة. كما ان العنصر التركي هو في حالة تداخل مع الاوضاع الداخلية لكل من بلغاريا وجيورجيا وكردستان العراق وقبرص ـ الزوايا الاربع لهذا المربع، وكذلك لكل البلدان الاخرى التي تقع ضمن المربع. ولهذا سنسميه مؤقتا، جدلا ومجازا، "المربع التركي".
المفارقة الستراتيجية
وأنه لمما يثير التساؤل حقا المقارنة بين الستراتيجية الاميركية المتبعة في كل من المنطقتين التاليتين:
ـ الخط الممتد من فلسطين المحتلة حتى افغانستان، مرورا بالعراق وايران، حيث تعتمد اميركا وشريكتها الستراتيجية "اسرائيل" خطة "القبضة الحديدية" المتمثلة في الحشد والتصعيد العسكريين.
ـ وعلى العكس من ذلك تماما، فإن الستراتيجية الاميركية في "المربع التركي"، هي خطة "القفاز المخملي" التهدوية والسياسية بالدرجة الاولى. وقد ظهر ذلك بقرائن عديدة، منها مساعدة تركيا، بالأساليب المخابراتية والسياسية (التي كان ابرزها "خطف" عبدالله اوجلان بعد "ابعاده" من سوريا)، على إخماد النزاع الداخلي مع اكراد"ها"، وتجنيب تركيا التورط العسكري في الاتون العراقي، والتدخل لحل النزاع التركي ـ اليوناني في قبرص وغير قبرص، واخيرا لا اخر استنفار وتجنيد كل الاحتياطي السياسي والمخابراتي الاميركي لمساعدة تركيا على الدخول في الاتحاد الاوروبي، للاضطلاع مستقبلا بدور "حصان طروادة الاميركي" داخل "الاتحاد".
وبطبيعة الحال ينبغي التساؤل عن اسباب هذا التناقض في الستراتيجية الاميركية المطبقة في هاتين المنطقتين ضمن "مثلث الثروات الشرقي". وبشكل اكثر دقة ينبغي التساؤل عن الاهداف التي ترمي اليها الادارة الاميركية من وراء خطة العمل "الهادئ" في هذا "المربع التركي".
قبل كل شيء ينبغي التأكيد ان الخط العسكري المتشدد الذي تنتهجه اميركا و"اسرائيل" في المنطقة الاولى لا يتعارض الا بالشكل مع الخط السياسي المرن والتآمري الذي تتبعه في المربع التركي. ولكن اهداف "الحرب الباردة" في "المربع التركي" هي اخطر وابعد مدى من اهداف الهجمة العسكرية الاميركية المباشرة. وفي محاولة استكشاف هذه الاهداف ينبغي علينا القاء نظرة مزدوجة:
اولا: نظرة تاريخية على العنصرية الطورانية (التي قامت على اساسها الامبراطورية العثمانية المتسترة زورا بـ"الاسلام!")، وعلاقتها العضوية، التاريخية، بالامبريالية الاميركية واليهودية (ومن ثم الصهيونية) العالمية.
وثانيا: نظرة جيوسياسية على موقع "المربع التركي" وتركيبته.
أـ العلاقة "التاريخية" الثلاثية: العثمانية ـ الاميركية ـ اليهودية
للاسف، انه لا يزال يوجد حتى الان انطباع خاطئ لدى الكثير من المفكرين والنشطاء السياسيين العرب، بأن العلاقة الاميركية ـ الصهيونية (بما فيها الاسرائيلية) مع تركيا هي علاقة طارئة او مستجدة، تعود ـ في ابعد حساب ـ الى ايام حركة "تركيا الفتاة" ومن ثم "التغريبية" الاتاتوركية. ويذهب بعض هؤلاء المفكرين والسياسيين الى ابداء شيء من "التعاطف الضمني" مع "اسلامية!" الامبراطورية العثمانية وحتى "وطنية" السلطان الجزار "السلطان الاحمر" عبدالحميد، الذي تأنف احط الوحوش المفترسة من ان يحسب عليها، بحجة انه "رفض بيع فلسطين" لليهود بناء للعرض المقدم من وايزمن وبن غوريون. وهذا ما يضعنا امام "طبعة قديمة" من الخيار المصطنع: "مع صدام حسين والدكتاتورية، ام مع الحرب والاحتلال الاميركي للعراق؟"، اي: "مع عبدالحميد و"الاسلام العثماني!"، ام مع "الاتراك الفتيان" والصهيونية والاستعمار"؟ ولكن من الطبيعي، او غير الطبيعي، ان اصحاب هذا المنطق الشكلي والخشبي لم ولا يرون العلاقة التاريخية العضوية بين العثمانية، من جهة، والاستعمار الغربي واليهودية، من جهة ثانية، اللذين ساهما في قيام الامبراطورية العثمانية واستغلاها حتى الرمق الاخير، ثم "انقلبا عليها" او الاصح "قلباها" وسارا في دفنها وربحا "جنازتها" و"جدداها"، حينما استنفدا كل اغراضهما منها. (وهو ما يصح، في الخطوط العريضة، على نظام صدام و"علاقته" مع الامبريالية الاميركية وكل جماعة الاميركان العرب).
وفي رأينا المتواضع انه توجد ضرورة قصوى لاعادة قراءة تاريخ نشوء و"صعود" الامبراطورية العثمانية، وعصبها النزعة الطورانية، على ضوء علاقتها العضوية بالطغمة المالية اليهودية والاستعمار الغربي، والعداء المشترك لهذه الاطراف الثلاثة ضد الامة العربية وما يمكن ان نسميه "الاسلام العربي" وحليفه التاريخي "الاسلام الايراني"، من جهة، وضد الروس واليونانيين والارمن والسلافيين والمسيحيين الشرقيين عموما، من جهة ثانية. وهذه مهمة تقع بالدرجة الاولى على عاتق المؤرخين العرب والمسلمين والمسيحيين والاوروبيين الشرقيين، المتنورين والصادقين.
ونعرض فيما يلي بعض "المفاتيح" او "النقاط المفصلية" التاريخية، المتعلقة بهذه المسألة المركبة:
1 ـ عشية ظهور الامبراطورية العثمانية، كان قد تم "حدث صغير" (بالقياس الى الاحداث التاريخية الكبرى) لم يحظ ولا يحظى الى الان بالاهتمام العربي والاسلامي والعالمي الكافي، ولكن تداعياته اللاحقة كان لها اثر كبير جدا على المجرى التاريخي العالمي، ولا تزال تفعل فعلها الى اليوم. وهذا الحدث هو انه في نهاية القرن العاشر قضى الروس على مملكة اليهود الخزر ـ ذوي الأصل الطوراني، التي كانت قائمة على بحر قزوين، وكانت، بالتعاون مع يهود الاندلس، تتولى التجارة بين بلدان اوروبا الشرقية واسيا الوسطى وما وراء القوقاز، ممن جهة، والخلافة العربية الاسلامية، من جهة ثانية. وبعد ان منعهم الروس من الاقامة في محيط بحر قزوين، انتشر اليهود الخزر (الاشكناز/الطورانيين، الآريين) في روسيا واوكرانيا وبولونيا وغيرها من البلدان الاوروبية الشرقية، فالوسطى، فالغربية، قبل حوالى 500 سنة من سقوط الاندلس وانتشار قسم من اليهود الاندلسيين العبرانيين (السفارديم = الساميين) وخاصة الاغنياء منهم في اوروبا، والتقاؤهم بابناء "دينهم" اليهود الخزر (الآريين) الذين كانوا قد انتشروا قبلهم.
2 ـ في اواسط القرن الحادي عشر وقع الانشقاق في الكنيسة المسيحية، وانقسمت الى شرقية (تضم بشكل رئيسي اليونانيين وشعوب شبه جزيرة البلقان والروس والاوكرانيين والارمن والشرق الادنى) وغربية (وتضم بشكل رئيسي اوروبا الغربية، ولاحقا اميركا الشمالية والجنوبية). وبمعزل عن الجانب الديني ـ اللاهوتي الذي نحترمه ولكن لا شأن لنا به هنا، فإن الكنيسة الشرقية كانت تمتاز بميزتين:
الاولى ـ انها، كمؤسسة، ليست كنيسة مركزية كوسموبوليتيا (دوليا)، بل كنيسة محلية ـ اقليمية ـ وطنية في كل بلد او وحدة كيانية سياسية.
والثانية ـ انها كانت اقرب الى انتهاج خط اقامة العلاقات الايجابية، غير القائمة على العداء، مع الشعوب الشرقية غير المسيحية وخاصة المسلمين العرب.
في حين ان الكنيسة الغربية (الكاثوليكية، ومن ثم البروتستانتية) فكانت، من جهة، مؤسسة مركزية كوسموبوليتيا (دوليا) يترأسها البابا، الذي كان في وقت من الاوقات هو الذي يعين الملوك والقياصرة والاباطرة انفسهم في مختلف البلدان المسيحية الغربية.
ومن جهة ثانية، كانت اقرب الى استمرار خط العداء للعرب والمسلمين.
وقد تجلى هذا الانقسام في الكنيسة المسيحية بشكل صارخ في فترة الحروب الصليبية، حيث ان الكنيسة الغربية كانت هي المبادرة الى شن تلك الحروب وتنظيمها، بالاشتراك مع ملوك اوروبا الغربية. في حين ان شعوب اوروبا الشرقية واليونان وروسيا والارمن وغيرهم من المسيحيين الشرقيين، ومنهم العرب، لم يشاركوا في تلك الحروب بل وقفوا ضدها. ويذكر ان الحملة الصليبية الرابعة قد وجهت بالتحديد ضد الامبراطورية البيزنطية (المسيحية الشرقية) حيث تم القضاء عليها من قبل الصليبيين، واقيمت في القسطنطينية مملكة لاتينية لمدة ستين سنة، الى ان استعادها الاغريق البيزنطيون من جديد.
3 ـ في نهاية القرن الحادي عشر بدأت الحروب الصليبية واستمرت اكثر من قرنين. وقد ادت الى النتائج التالية:
أ ـ انهاك البلاد العربية.
ب ـ انهاك اليونان وشعوب شبه جزيرة البلقان، المسيحية الشرقية.
ج ـ ترسيخ التعاطف ونزعة التقارب لدى هذه الشعوب مع العرب والمسلمين، الضحية الرئيسية للحروب الصليبية.
د ـ انتهت تلك الحروب بهزيمة الصليبيين، الا انها لم تضع حدا للنزعة الاستعمارية الغربية، بل قوتها. وانطلاقا من هذه النزعة، عشية الثورة الصناعية والقفزة الجديدة للرأسمالية بالاتجاه الاستعماري، قويت نزعة العداء الغربية للعرب، العقبة الرئيسية امام استعمار الشرق.
4 ـ عشية الحروب الصليبية واثناءها، كان يجري في الدولة العربية ـ الاسلامية نزاع على السلطة بين الولاة والحكام من اصل تركي (السلاجقة والزنكيين) وبين غيرهم من الحكام من اصل عربي وكردي وفارسي. وقد انتهى هذا الصراع بزوال عهد الحكام الاتراك، وسيطرة الفرس في مناطقهم، وسيطرة الايوبيين الاكراد في المناطق العربية (والكردية). والسلاطين الايوبيون، وفي الفترة الاخيرة: السلاطين المماليك، هم الذين قادوا الحروب ضد الصليبيين (والتتار). وفي هذا النزاع فإن العرب، وبصفة عامة، رجـّحوا كفة الحكام المسلمين غير الاتراك ضد الحكام الاتراك، الى ان عاد الاتراك، في عهد العثمانيين، فانتصروا على الاكراد والعرب. ولكن العثمانيين لم "يحكموا" في بلاد العرب والاكراد، كما كان الامر في السابق، على قاعدة "الحكم الاسلامي" الذي لم يكن يفرق بين قوميات الدولة، بل انهم فرضوا حكما استعماريا تركيا، يستخدم زورا الدين الاسلامي، فكانوا اشبه شيء بـ"صليبيين اسلاميين!".
5 ـ ان اليهود الخزر كان يجمعهم مع العثمانيين، اصلهم الطوراني المشترك، وقد استغلوا تماما هذه العلاقة، وخصوصا في مرحلة المملكة اليهودية الخزرية، حيث كان الخزر والعثمانيون يتعاونون في الغزو على بلغار الفولغا والروس ويسبون نساءهم ويبيعوهن كرقيق ابيض لليهود العبرانيين الذين يبيعوهن بدورهم الى القادة في الدولة العربية ـ الاسلامية. وبالمقابل، فإن العثمانيين استفادوا بشكل استثنائي من هذه القرابة العنصرية مع اليهود الخزر، وبالاستناد الى ذلك، وسعيا وراء اهدافهم الخاصة، والاهداف المشتركة للطرفين، فقد ساعد اليهود الخزر العثمانيين منذ البداية على الصعود كقوة سياسية ـ عسكرية جديدة، مناهضة للروس ولشعوب اوروبا الشرقية، من جهة، ومناهضة للمسلمين العرب، خاصة، من جهة ثانية. ومن ثم فان اليهود الخزر، بأموالهم وعلاقاتهم "الدولية"، ساعدوا على ولادة الامبراطورية العثمانية.
6 ـ لقد تلاقى حقد اليهود الخزر ضد الروس والمسيحية الشرقية مع عداء العثمانيين للعرب والمسلمين غير الاتراك، من جهة، ومع عداء المسيحية الغربية (الصليبية) ضد الاسلام والمسيحية الشرقية معا، من جهة ثانية. وادى ذلك لنشوء "جبهة ثلاثية": يهودية خزرية ـ عثمانية ـ "صليبية" غربية، ضد الروس والمسيحية الشرقية والعرب خصوصا والمسلمين غير الاتراك عموما. والاساس، او الحلقة المركزية الجامعة في هذه "الجبهة" كان اليهود الخزر. وكان قيام وتوسع الامبراطورية العثمانية ابرز نتاجات هذه "الجبهة"، التي عملت اولا على مساعدة العثمانيين من وراء الستار وامامه لضرب "الحلقة الاضعف" اي شعوب اوروبا الشرقية وشبه جزيرة البلقان، التي قدمتها اوروبا الغربية لقمة سائغة للامبراطورية العثمانية. وبعد ان اشتد ساعد هذه الامبراطورية الغاشمة بعد فتح القسطنطينية، عملت "الجبهة الثلاثية" على دفعها ضد الاكراد والفرس (معركة جالديران 1514) ومن ثم ضد الهدف الرئيسي: الشرق العربي (معركة مرج دابق 1516)، الذي تم اخضاعه للاستعمار التركي، بأبشع انواع الاستعمار واكثره تخلفا. ومن ثم، بعد ان توطدت اركان السلطنة العثمانية، عملت "الجبهة الثلاثية" على دفع العثمانيين ضد الروس.
7 ـ ان اليهود الخزر قد راقبوا الحروب الصليبية، وراقبوا احوال وتنظيم وفعاليات الكنيسة الغربية التي شنت تلك الحروب. ومما يدل عليه مسلكهم اللاحق، فإنهم ـ اي اليهود الخزر، وفي الصراع من اجل استعادة مملكتهم ـ قد توصلوا الى الاستنتاجات التالية:
أ ـ ضرورة تحويل اليهودية الى مؤسسة مركزية كوسموبوليتية (على غرار مؤسسة الكنيسة الغربية)، مع فارق جوهري هو ان "كوسموبوليتية" الكنيسة الغربية لا تنسلخ انسلاخا مسبقا عن "وطنية" كل بلد يدين بها، بل تسير بموازاتها، ذلك انه، في التركيبة المسيحية الغربية، فإن الالتزام بالقيادة البابوية "الاجنبية" كان يتماهى مع الارادة "الوطنية" للشعب المعني الملتزم بتلك القيادة من خلال التزامه بعقيدة الكنيسة الغربية. ولهذا فإن المؤسسة الكنيسية الغربية لم تكن مؤسسة سرية على شعبها، او شعوبها، بل بالعكس. ولكن هذا "التماهي" بين "كوسموبوليتية" و"وطنية" الكنيسة الغربية كان ولا يزال يحتمل الاهتزاز، في حال وجود تعارض قومي "واسع الشعبية" بين اتجاهين سياسيين لدى شعبين او بلدين متعاديين هما في الوقت نفسه "مسيحيين غربيين" (وقد رأينا صورة عن هذا الاهتزاز، بعد الحرب العالمية الاولى، في الموقف المترجرج للكنيسة الكاثوليكية من النازية والفاشية، التي كانت تستقطب غالبية شعبية في المانيا وايطاليا واسبانيا، على خلاف فرنسا وغيرها من البلدان "الكاثوليكية" الاخرى).
اما اليهودية (هنا الخزرية)، وباعتبار انها ليست دين اكثرية الشعب الذي تقيم بين ظهرانيه، بل دين اقلية اتنية ـ طبقية، فإن مؤسستها "الكوسموبوليتية" اليهودية كانت في قطيعة وتضاد مسبقين، اوليين او مبدئيين، مع "وطنية" كل بلد توجد او تمتد فيه. فاليهودي كان من المحتم ان يكون اما "وطنيا" معاديا للكوسموبوليتية اليهودية (الصهيونية، لاحقا)، واما كوسموبوليتيا يهوديا (صهيونيا، لاحقا)، معاديا للبلد الذي ينتمي اليه اسميا ويعاديه فعليا. ولم يكن من صالح الكوسموبوليتية اليهودية (لاحقا: الصهيونية) ان تكشف عن وجهها تماما على هذا الصعيد، ولهذا اتسمت المنظمة الكوسموبوليتية اليهودية بطابع سري للغاية، حتى على اليهود العاديين انفسهم.
ب ـ ان المؤمنين اليهود كانوا يعيـّدون بعضهم بعضا، ومنذ السبي القديم، بعبارة "في السنة القادمة في القدس". ومع الزمن، اكتسبت هذ العبارة معنى دينيا غير سياسي، مثلما يعيـّد المسلمون بعضهم بعضا بعبارة "ان شاء الله السنة القادمة في مكة" او ما اشبه. ولكن بعد الاحداث التاريخية، ونتائجها، التي سلف وذكرناها، فمن المؤكد، وهذا ما تدل عليه الاحداث اللاحقة، ان اليهود الخزر (الذين كانوا متجهين نحو تنظيم "كوسموبوليتهم" الخاصة على غرار "الكوسموبوليتية" الكنيسية الغربية) قد تساءلوا: ولماذا لا تكون لهم هم ايضا "صليبيتهم" اليهودية الخاصة؟ ومثلما ان الصليبية، في نزعتها الاستعمارية للاستيلاء على الشرق، استعارت القاموس الديني ورفعت شعار "تخليص قبر السيد المسيح والاراضي المقدسة من "الكفار" المسلمين"، فإن اليهود الخزر بدأوا يعطون لعبارة "في العام القادم في القدس" معنى آخر، اي معنى قوميا، سياسيا ـ عسكريا، مغلفا بغلاف ديني، هدفه الظاهر الاقرب "تخليص اورشليم" و"ارض الميعاد" و"اعادة بناء هيكل سليمان"، وهدفه الحقيقي الابعد: الاستيلاء على الشرق واستعماره، كمقدمة شرطية للاستيلاء على الكرة الارضية واستعمارها، بقوة الرأسمال الاحتكاري الدولي الذي يتحكم به الرأسمال اليهودي. لكن، وبحكم ادراك "الكوسموبوليتية" اليهودية لأقلويتها، فإن نزعتها، ومن ثم تنظيمها، الاستعماري ـ التسلطي "الصليبي اليهودي"، كان اكثر خبثا ومكيافيلية من الصليبية المسيحية. فالصليبية المسيحية، نظرا لكبر جمهورها "المسيحي"، كانت تقاتل اساسا بجمهورها ذاته. اما "الصليبية اليهودية"، فأتجهت اكثر فأكثر للعب على التناقضات الدولية، والقتال ضد اعدائها بجماهير اعدائها انفسهم، اي بجمهور هو اساسا غير الجمهور اليهودي، في كل مرحلة من المراحل.
8 ـ ان اي تحليل لاحداث تلك المرحلة يكشف لنا ان الامبراطورية العثمانية قد وُجهت بشكل مدروس لابتلاع اسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان واوروبا الشرقية، ومن ثم البلاد العربية، وكذلك لشن الحروب على روسيا. وهو ما يلتقي تماما مع مصلحة واهداف اليهود الخزر، ومع مصلحة واهداف اوروبا الغربية "الصليبية". وبذلك حققت اوروبا الغربية: التخلص من المسيحية الشرقية الرابضة على حدودها (مع الاحتفاظ باياديها "بريئة" من دم هذه الشعوب المسيحية، اذ ان العثمانيين هم الذين قاموا بهذه المهمة القذرة التي انتهت خلال الحرب العالمية الاولى وفي اعقابها مباشرة بالمجازر ضد الارمن وبقايا اليونانيين في القسطنطينية).
9 ـ ان الامة العربية تمثل تاريخيا العصب الرئيسي للاسلام، كبوتقة انسانية، سياسية ـ اجتماعية ـ حضارية. وفي العصور الوسطى، وبنتيجة تسلط الحكام "المسلمين!" غير العرب، والحروب الصليبية والتتارية، اصاب الضعف المجتمع العربي. وكمحصلة "منطقية" لذلك ظهرت، من الهوامش الطفيلية للبوتقة الاسلامية، قوة "ثالثة" ("اسلامية" غير عربية) لم يكن يحسب لها حساب، استطاعت، بدعم وتواطؤ اليهود الخزر و"الصليبية" الغربية، استغلال الضعف العربي لتأسيس امبراطورية "اسلامية!"، منطلقها الاساسي العداء للعرب، هي الامبراطورية العثمانية. وقد انطلقت تلك القوة من بعض القبائل الطورانية الهمجية المقاتلة، التي كانت تعتاش في البدء على الغزو والسلب والنهب وقطع الطرقات، ثم عمدت قياداتها العشائرية، ذات الطابع الاقطاعي ـ العسكري، الى إدخالها في وقت متأخر في الاسلام السلطوي، وتحديدا في الخدمات العسكرية للامبراطورية العربية ـ الاسلامية، وذلك لا جهادا في سبيل الرسالة الاسلامية، بل فقط وفقط سعيا وراء المغانم، التي كانت تتحصل عليها تلك القبائل بنتيجة موضعتها على الحدود بين الدولة البيزنطية والدولة العربية ـ الاسلامية. ولكن حينما عزّت تلك المغانم، واخذت تقل بفعل التلاشي التدريجي للعداء، ومن ثم بداية التقارب، بين البيزنطيين وبين العرب والمسلمين، وخاصة خلال الحروب الصليبية وبعدها، انكفأت تلك القبائل العثمانية نحو "الداخل الاسلامي"، وأخذت تعتاش على التناقضات داخل الامبراطورية العربية ـ الاسلامية ذاتها، وتستغل نقاط ضعفها، الى ان تسنى لها تمزيقها اربا وافتراسها والسيطرة عليها.
10 ـ لقد ادى سقوط القسطنطينية في ايدي العثمانيين، الى نتيجتين سلبيتين كبيرتين بالنسبة للعرب:
الاولى ـ تحفيز مصطنع لموجة صليبية غربية جديدة، ضد العرب، ولكن بحجة خطر "اسلامية!" العثمانيين!. حيث انه بدلا من ان توجه هذه الموجة ضد العثمانيين في ما سمي الاستانة، وُجهت ضد العرب وقضت على منارتهم الحضارية في الاندلس. اي ان الهمجية العثمانية (ومن ورائها اليهود الخزر والصليبية الغربية) قضت على المنارة الحضارية التي كانتها القسطنطينية (المسيحية الشرقية)، وبحجة الخطر "الاسلامي!!!" (عمليا العثماني) فإن الصليبية الغربية نهضت من جديد وقضت على المنارة الحضارية (العربية) التي كانتها الاندلس.
والثانية ـ اشتداد ساعد العثمانيين، العدو القادم، المرشح لان يقضي على كل التقدم الحضاري للدولة العربية ـ الاسلامية، ويقوض دورها العالمي، ويعيد العرب الى ما قبل الاسلام، ويحولهم من جديد الى شراذم وحطام شعوب ممزقة، منهوبة، مـُذَلـّة، فقيرة ومتخلفة يرثى لها.
11 ـ لقد سار اليهود الخزر في ركاب "ابناء عمومتهم" العثمانيين، وكانوا في اساس اقامة "الباب العالي" في القسطنطينية السابقة. وبعد سقوط الاندلس وفرار اليهود منها، الى جانب كل العرب، وعودة غالبية اليهود الاندلسيين العاديين الى المغرب العربي، عمل اليهود الخزر على استقطاب قسم كبير من اليهود الاندلسيين، ولا سيما الاغنياء ورجال الدين والمثقفين، الى الامبراطورية العثمانية، التي تحولت الى مركز دولي للطغمة اليهودية العليا، بديلا عن الاندلس، حيث شهد اليهود ما يسميه تاريخهم "عصرهم الذهبي".
وقد اضطلع اليهود بالذات، الخزر ـ الطورانيون/"الاشكناز"/الآريون، والعبرانيون ـ الساميون ـ "الاسبانيون"/"السفارديم"، ـ اضطلعوا بدور "الخـَزَنـَة" و"العقول المدبرة"، وفي المحصلة دور "المفاتيح" الفعلية، السرية وغير السرية، المالية والادارية والسياسية، لـ"الباب العالي" للسلطنة العثمانية، منذ ولادتها وحتى آخر يوم في حياتها. وقد اوجدوا، انطلاقا من الاستانة، شبكة مالية ـ تجارية يهودية مختلطة، خزرية (اشكناز) ـ عبرية (اندلسية/ سفارديم)، انتشرت في مختلف البلدان الاوروبية الشرقية والغربية وما يسمى اليوم، بالقاموس الاميركي، الشرق الاوسط، والقوقاز وآسيا الصغرى وما وراءها، وذلك
هذا بحث يتضمن رؤية استراتيجية لواقع منطقة أطلق عليها الكاتب اسم "مثلث الثروات الشرقي" الذي يمتد بين منطقة الشرق الاوسط (التي تضم بشكل خاص البلدان العربية)، حوض بحر قزوين، وآسيا الوسطى (اللذين يضمان افغانستان وايران والقوقاز والجمهوريات الاسلامية السوفياتية السابقة، وما يخططه له المشروع الاميركي الصهيوني للسيطرة على هذه المنطقة مباشرة أو عبر اناطة دور لتركيا الطورانية وإعادة بعث العثمانية من جديد حسب تعبير الكاتب. "الانتقاد"، إذ تورد وجهة النظر هذه نقلاً عن موقع "إنباء" الاخباري من دون أن تتبناها، ترحب بوجهات النظر الأخرى التي تتبنى وقائع قد غفلت عنها هذه الدراسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تكشف الوقائع يوما بعد يوم ان الهجمة العسكرية الشرسة التي شنتها الادارة الاميركية، تحت الشعار الطنان حول "مكافحة الارهاب"، والتي تبدت حتى الآن في الحرب على افغانستان والعراق، واحتلالهما، كان يجري التحضير لها منذ ما قبل أحداث 11 ايلول /سبتمبر2001. وقد تكشفت اهداف هذه الحملة في الحرب الاسرائيلية الوحشية التي شُـنت ضد لبنان في تموز 2006، بالحجة السخيفة حول تحرير جنديين اسرائيليين اسرتهما المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة حزب الله.
كما تكشفت في حرب الابادة اليومية التي تعرض ويتعرض لها الشعب الفلسطيني المظلوم، خصوصا بعد الانتصار الانتخابي لخيار استمرار المقاومة بقيادة حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في الارض المحتلة عام 2007، والتي اراد الرئيس محمود عباس (حفيد عباس افندي الذي كان يبيع الاراضي الفلسطينية لليهود في العهد التركي) إلغاءها، لصالح خياراته "السلمية" مع "اسرائيل". وذهبت بعض التحليلات الى حد التشكيك في ان احداث 11 ايلول/سبتمبر 2001 ذاتها كانت مفتعلة، بغرض اعطاء الادارة الاميركية الذرائع الكافية، امام الرأي العام العالمي، والاميركي خاصة، لتبرير شن الهجمة العسكرية على الشعوب العربية والاسلامية. وسواء كان هذا التشكيك محقا أم لا، فقد اصبح من المتوافق عليه، من قبل محللين من جميع الاتجاهات، ان الهدف الحقيقي الرئيسي لهذه الهجمة الاميركية ـ الصهيونية هو الهيمنة الدولية، وأن شعارات "مكافحة الارهاب" و"منع انتشار اسلحة الدمار الشامل" و"نشر الدمقراطية" لا تخرج عن دائرة الذرائعية والتضليل السياسي و"التمويه" الستراتيجي.
ما الذي دفع الادارة الاميركية، ومعها الصهيونية والطبقة الاميركية المتسلطة بأسرها، الى هذه المغامرة بقواها العسكرية، وبرصيدها وسمعتها السياسيين، مما وضعها في مواجهة خطرة مع الشعوب العربية والاسلامية ومع شعوب العالم بأسره؟
الجواب نجده في الوقائع ذاتها، التي تدفع الادارة الاميركية دفعا الى سلوك هذا الطريق الوعر، من ضمن منطق الهيمنة الدولية الذي اصبحت تتمحور حوله كل سياستها الداخلية والخارجية:
فبعد سقوط "الحاجز" الذي كان يمثله المعسكر السوفياتي السابق، بزعامة روسيا، فتحت الطريق على مصراعيها امام تحقيق ثلاث عمليات جيوستراتيجية كبرى:
الاولى ـ كسر الحواجز الايديولوجية المصطنعة بين روسيا والشعوب الاوروبية والاسيوية المحيطة بها، وفتح الطريق امام التطور القومي الشعبي الحر لروسيا، واقامة علاقات تعاون ندية مفتوحة بينها وبين الشعوب الاوروبية والاسيوية.
الثانية ـ الاتجاه نحو تحقيق شعار "الولايات المتحدة الاوروبية"، الذي طرح عشية الحرب العالمية الاولى، كرد على خط النزاع الاوروبي ـ الاوروبي الذي كانت تغذيه الصهيونية العالمية وتستغله من وراء الستار "الولايات المتحدة الاميركية"؛ ومن ثم توحيد اوروبا بشكل جديد (بما في ذلك روسيا، على قاعدة: ان اوروبا + روسيا تساوي كل شيء، اما اوروبا بدون روسيا فلا تساوي شيئا)، كشرط لتحقيق عصر نهضة جديد في اوروبا والعالم.
الثالثة ـ اتجاه لطي نهائي لصفحة المنحى العدائي في "العلاقات الضرورية" بين الضفتين الشرقية والغربية للبحر الابيض المتوسط، صفحة الغزوات والفتوحات والحروب والاستعمار؛ وفتح صفحة جديدة لتلك "العلاقات الضرورية" تقوم على الحرية والاحترام المتبادل والحوار الحضاري والتفاعل والتعاون والمزاحمة المشروعة بين شعوب هذه المنطقة، وتحويل حوض المتوسط الى بوتقة حضارية تؤسس لعصر انساني جديد ولـ"نظام عالمي جديد" حقيقي!
ومن الواضح تماما ان احتمال نجاح هذه العمليات المترابطة سيترتب عليه حتما تعطيل الدور الطفيلي للصهيونية العالمية، وعلى الاخص نزع دور الزعامة الدولية من اميركا، وخلق نمط علاقات دولية جديدة، بعيد عن الاستقطابات العدائية او الهيمنة الدولية الآحادية.
وأتت الهجمة الاميركية ـ الصهيونية بمثابة هجوم وقائي، او استباقي، حيال الاحتمالات التاريخية سالفة الذكر، اولا لتأكيد مركز الزعامة الدولية الاحادية لاميركا، وثانيا لقطع الطريق على النهضة الاوروبية الجديدة، وثالثا لمنع التقارب البنـّاء الروسي ـ الاسيوي، والروسي ـ الاوروبي، والاوروبي ـ العربي خاصة والمتوسطي عامة، ورابعا لفرض الهيمنة الدولية الشاملة للامبريالية الاميركية على العالم بأسره، بالارتباط الوثيق مع الصهيونية العالمية الطفيلية.
"مفتاح" الهيمنة على العالم
وتتكشف الاهداف البعيدة المدى للهجمة الاميركية ـ الصهيونية من طبيعة المنطقة التي استهدفتها هذه الهجمة. فإذا تجردنا عن الذرائع والاسباب والتداعيات السياسية ايا كانت، وبصرف النظر عن صحة او بطلان بعضها، نجد ان الهجمة الاميركية ـ الصهيونية استهدفت بالدرجة الاولى السيطرة على "مثلث الثروات الشرقي" الذي يمتد بين: منطقة الشرق الاوسط (التي تضم بشكل خاص البلدان العربية)، حوض بحر قزوين، وآسيا الوسطى (اللذين يضمان افغانستان وايران والقوقاز والجمهوريات الاسلامية السوفياتية السابقة).
فهذا المثلث، ولأسباب جيولوجية خارجة عن "الارادة البشرية"، وبالتالي عن الإرادة السياسية لأي طرف كان، هو الوعاء الأكبر، في الكوكب الأراضي، الذي يحتضن المخزون العالمي الرئيسي من احتياطات الثروات الطبيعية والطاقة والمعادن والخامات، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي. وهذا ما يعطي هذا المثلث، من الوجهة الاقتصادية ـ السياسية، أهمية استرايتيجية استثنائية (بالاضافة الى اهميته الستراتيجية السياسية ـ العسكرية الفريدة، الناجمة عن خصائصه الجيوـ ديموغرافية). إذ لا وجود للاقتصاد العالمي، صناعة وزراعة وسياحة واكتشافات واختبارات علمية وصناعة حربية، ولا سيما في المستقبل المنظور، بدون هذا المخزون. ومن ثم من السهولة بمكان الاستنتاج ان من يسيطر على مثلث الثروات الشرقي هذا، يستطيع السيطرة على العالم بأسره، بدون الحاجة للجوء الى الحرب.
وبكلمات اخرى: ان الشرط الاول والاساسي للسيطرة العالمية، هو السيطرة على مثلث الثروات الشرقي. وإن كل فحوى السياسة الاميركية برمتها اخذت، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تتمحور حول تحقيق هذا الهدف بالذات.
حالة الحرب الاميركية
من هنا نجد انه ليس فقط "الخطاب العسكري"، بل وكذلك بالاخص مجمل "الحراك العسكري والسياسي" الاميركي اصبح يتركز في هذا المثلث، وحوله، وباتجاهه. فحتى التسعينات من القرن الماضي، مثلا، كانت غالبية القوات الاميركية تتمركز في اوروبا الغربية، لمواجهة خطر "الشبح" السوفياتي المرعب. اما الان فإن غالبية الاسلحة والحشود الاميركية أصبحت اما متمركزة في المثلث الشرقي، او موجهة نحوه. بل واكثر من ذلك: في السابق، كانت القوات الاميركية "موجودة" في اوروبا الغربية، تحسبا للطوارئ، ولكنها كانت موجودة في "حالة سلم" واقعي، ولم توضع في حالة الاستنفار الفعلي الا ما ندر، في ظروف الازمات الطارئة، كأزمة المجر في 1956، وازمة بناء جدار برلين في 1961. اما الان، في الهجمة لاجل السيطرة على مثلث الثروات الشرقي، فهي ـ أي القوات الاميركية ـ ليست في حالة استنفار قصوى وحسب، كما هي الحال في مجمل قواعدها في جميع انحاء العالم، بل كانت ايضا في حالة حرب حقيقية، لا يستطيع احد التنبؤ بمضاعفاتها وتداعياتها القادمة، كما هو الوضع في العراق وافغانستان. وطبعا، ينبغي ان نضيف الى "حالة الحرب" الاميركية الخاصة "حالة الحرب" الاخرى التي تلتزم بها اميركا التزاما ستراتيجيا عضويا، هي "حالة الحرب" التي توجد فيها "اسرائيل" ايضا، التي ترتكب المجازر اليومية ضد الشعب الفلسطيني المظلوم، والتي هي "الحليف الستراتيجي الأول" لاميركا وجزء لا يتجزأ من "حالة الحرب الاميركية" في المنطقة. فبدون أميركا، ودعمها السياسي والاقتصادي والمالي والأمني والعسكري، لا تستطيع "اسرائيل" ان تصمد وان تستمر في الوجود يوما واحدا. وبالتالي فإن الحرب الاسرائيلية المتواصلة على الفلسطينيين والعرب هي اولا واخيراً حرب اميركية بامتياز.
"الحرب الباردة" الجديدة
| كانت غالبية القوات الاميركية تتمركز في اوروبا الغربية، لمواجهة خطر
"الشبح" السوفياتي المرعب. اما الان فإن غالبية الاسلحة والحشود الاميركية
أصبحت اما متمركزة في المثلث الشرقي، او موجهة نحوه |
السبب الاول ـ ان الادارة الاميركية، ومعها الطغمة الصهيونية العليا، "تقرآن" تاريخ المنطقة وبلدانها وشعوبها، بأفضل مما يقرأه غالبية "قادة" هذه البلدان والشعوب. ومن خلال "تجربة" الاستعمار الغربي للشرق، بما في ذلك "التجربة" المريرة لـ"اسرائيل" (التي، بالرغم من كل جبروتها وانتصاراتها العسكرية "الباهرة"، فهي لا تزال منذ اكثر من نصف قرن تصارع من اجل الاعتراف، مجرد الاعتراف، بوجودها)، فإن الادارة الاميركية والصهيونية تدركان تماما ان الخيار العسكري ليس هو الخيار الانجع لتحقيق اهداف الهيمنة على المنطقة، كمفتاح للهيمنة على العالم. فالخيار العسكري يمكن ان يكون "مدخلا مؤقتا" و"عاملا مساعدا" ليس الا في تحقيق الاهداف الاميركية والصهيونية.
السبب الثاني ـ انه من الخطأ الفادح الاعتقاد ان الادارة الاميركية لا تمتلك خيارات اخرى، غير الخيار العسكري المباشر. فاذا عدنا قليلا الى الوراء، نجد ان الدبلوماسية الاميركية خاصة والغربية عامة كانت قد راكمت، في "الحرب الباردة" بين المعسكرين الشرقي والغربي، "تجربة" غنية، قادتها الى "مراقبة" انهيار المنظومة السوفياتية، ومن ثم الاتحاد السوفياتي ذاته، بدون الاضطرار للجوء الى استخدام القوة العسكرية الاميركية والغربية بشكل مباشر. واستنادا الى هذه "التجربة"، فإن الادارة الاميركية والصهيونية العالمية هما مؤهلتان، ومدفوعتان بالضرورة، لدراسة اوضاع المنطقة وتاريخها، توصلا لايجاد الخيارات البديلة للسيطرة عليها، من ضمن معطياتها الاقليمية ذاتها.
واليوم، للتوصل الى هدف السيطرة على المثلث الشرقي، وعبره للهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية على العالم، فإن الادارة الاميركية لا تكتفي بالهجمة العسكرية، بل هي ـ بموازاة هذه الهجمة الساخنة، وبالتنسيق الكامل معها ـ تشن أيضا "حربا باردة" جديدة، تعتمد بالدرجة الاولى على الدبلوماسية السرية والسياسة الاقتصادية والاساليب والمؤامرات المخابراتية، الاعلامية والسياسية والمافياوية وما اشبه.
"المربع التركي"
وليس من الصدفة ان الساحة المباشرة حاليا لهذه "الحرب الباردة" الاميركية الجديدة هي المربع الستراتيجي الذي يمتد بين البلدان التالية: جيورجيا، في الشرق؛ وقبرص في الغرب؛ بلغاريا، في الشمال؛ وكردستان العراق، في الجنوب (ونسمح لانفسنا بتسمية كردستان العراق "بلدا"، حيث ان الستراتيجية الاميركية تتعامل معه على هذا الاساس، كجزء منفصل عن العراق، وهذا هو المغزى الحقيقي لطرح شعار "الفيدرالية" حاليا من قبل جماعة اميركا في العراق، سواء أعلنت "دولة كردية ـ عراقية" وربما "سورية ايضا!" منفصلة ام لا).
وفي قلب هذا المربع تقع تركيا ـ الدولة. كما ان العنصر التركي هو في حالة تداخل مع الاوضاع الداخلية لكل من بلغاريا وجيورجيا وكردستان العراق وقبرص ـ الزوايا الاربع لهذا المربع، وكذلك لكل البلدان الاخرى التي تقع ضمن المربع. ولهذا سنسميه مؤقتا، جدلا ومجازا، "المربع التركي".
المفارقة الستراتيجية
وأنه لمما يثير التساؤل حقا المقارنة بين الستراتيجية الاميركية المتبعة في كل من المنطقتين التاليتين:
ـ الخط الممتد من فلسطين المحتلة حتى افغانستان، مرورا بالعراق وايران، حيث تعتمد اميركا وشريكتها الستراتيجية "اسرائيل" خطة "القبضة الحديدية" المتمثلة في الحشد والتصعيد العسكريين.
ـ وعلى العكس من ذلك تماما، فإن الستراتيجية الاميركية في "المربع التركي"، هي خطة "القفاز المخملي" التهدوية والسياسية بالدرجة الاولى. وقد ظهر ذلك بقرائن عديدة، منها مساعدة تركيا، بالأساليب المخابراتية والسياسية (التي كان ابرزها "خطف" عبدالله اوجلان بعد "ابعاده" من سوريا)، على إخماد النزاع الداخلي مع اكراد"ها"، وتجنيب تركيا التورط العسكري في الاتون العراقي، والتدخل لحل النزاع التركي ـ اليوناني في قبرص وغير قبرص، واخيرا لا اخر استنفار وتجنيد كل الاحتياطي السياسي والمخابراتي الاميركي لمساعدة تركيا على الدخول في الاتحاد الاوروبي، للاضطلاع مستقبلا بدور "حصان طروادة الاميركي" داخل "الاتحاد".
وبطبيعة الحال ينبغي التساؤل عن اسباب هذا التناقض في الستراتيجية الاميركية المطبقة في هاتين المنطقتين ضمن "مثلث الثروات الشرقي". وبشكل اكثر دقة ينبغي التساؤل عن الاهداف التي ترمي اليها الادارة الاميركية من وراء خطة العمل "الهادئ" في هذا "المربع التركي".
قبل كل شيء ينبغي التأكيد ان الخط العسكري المتشدد الذي تنتهجه اميركا و"اسرائيل" في المنطقة الاولى لا يتعارض الا بالشكل مع الخط السياسي المرن والتآمري الذي تتبعه في المربع التركي. ولكن اهداف "الحرب الباردة" في "المربع التركي" هي اخطر وابعد مدى من اهداف الهجمة العسكرية الاميركية المباشرة. وفي محاولة استكشاف هذه الاهداف ينبغي علينا القاء نظرة مزدوجة:
اولا: نظرة تاريخية على العنصرية الطورانية (التي قامت على اساسها الامبراطورية العثمانية المتسترة زورا بـ"الاسلام!")، وعلاقتها العضوية، التاريخية، بالامبريالية الاميركية واليهودية (ومن ثم الصهيونية) العالمية.
وثانيا: نظرة جيوسياسية على موقع "المربع التركي" وتركيبته.
أـ العلاقة "التاريخية" الثلاثية: العثمانية ـ الاميركية ـ اليهودية
للاسف، انه لا يزال يوجد حتى الان انطباع خاطئ لدى الكثير من المفكرين والنشطاء السياسيين العرب، بأن العلاقة الاميركية ـ الصهيونية (بما فيها الاسرائيلية) مع تركيا هي علاقة طارئة او مستجدة، تعود ـ في ابعد حساب ـ الى ايام حركة "تركيا الفتاة" ومن ثم "التغريبية" الاتاتوركية. ويذهب بعض هؤلاء المفكرين والسياسيين الى ابداء شيء من "التعاطف الضمني" مع "اسلامية!" الامبراطورية العثمانية وحتى "وطنية" السلطان الجزار "السلطان الاحمر" عبدالحميد، الذي تأنف احط الوحوش المفترسة من ان يحسب عليها، بحجة انه "رفض بيع فلسطين" لليهود بناء للعرض المقدم من وايزمن وبن غوريون. وهذا ما يضعنا امام "طبعة قديمة" من الخيار المصطنع: "مع صدام حسين والدكتاتورية، ام مع الحرب والاحتلال الاميركي للعراق؟"، اي: "مع عبدالحميد و"الاسلام العثماني!"، ام مع "الاتراك الفتيان" والصهيونية والاستعمار"؟ ولكن من الطبيعي، او غير الطبيعي، ان اصحاب هذا المنطق الشكلي والخشبي لم ولا يرون العلاقة التاريخية العضوية بين العثمانية، من جهة، والاستعمار الغربي واليهودية، من جهة ثانية، اللذين ساهما في قيام الامبراطورية العثمانية واستغلاها حتى الرمق الاخير، ثم "انقلبا عليها" او الاصح "قلباها" وسارا في دفنها وربحا "جنازتها" و"جدداها"، حينما استنفدا كل اغراضهما منها. (وهو ما يصح، في الخطوط العريضة، على نظام صدام و"علاقته" مع الامبريالية الاميركية وكل جماعة الاميركان العرب).
هناك ضرورة قصوى لاعادة قراءة تاريخ نشوء و"صعود" الامبراطورية العثمانية، وعصبها النزعة الطورانية، على ضوء علاقتها العضوية بالطغمة المالية اليهودية والاستعمار الغربي، والعداء المشترك للامة العربية وما يمكن ان نسميه "الاسلام العربي" |
ونعرض فيما يلي بعض "المفاتيح" او "النقاط المفصلية" التاريخية، المتعلقة بهذه المسألة المركبة:
1 ـ عشية ظهور الامبراطورية العثمانية، كان قد تم "حدث صغير" (بالقياس الى الاحداث التاريخية الكبرى) لم يحظ ولا يحظى الى الان بالاهتمام العربي والاسلامي والعالمي الكافي، ولكن تداعياته اللاحقة كان لها اثر كبير جدا على المجرى التاريخي العالمي، ولا تزال تفعل فعلها الى اليوم. وهذا الحدث هو انه في نهاية القرن العاشر قضى الروس على مملكة اليهود الخزر ـ ذوي الأصل الطوراني، التي كانت قائمة على بحر قزوين، وكانت، بالتعاون مع يهود الاندلس، تتولى التجارة بين بلدان اوروبا الشرقية واسيا الوسطى وما وراء القوقاز، ممن جهة، والخلافة العربية الاسلامية، من جهة ثانية. وبعد ان منعهم الروس من الاقامة في محيط بحر قزوين، انتشر اليهود الخزر (الاشكناز/الطورانيين، الآريين) في روسيا واوكرانيا وبولونيا وغيرها من البلدان الاوروبية الشرقية، فالوسطى، فالغربية، قبل حوالى 500 سنة من سقوط الاندلس وانتشار قسم من اليهود الاندلسيين العبرانيين (السفارديم = الساميين) وخاصة الاغنياء منهم في اوروبا، والتقاؤهم بابناء "دينهم" اليهود الخزر (الآريين) الذين كانوا قد انتشروا قبلهم.
2 ـ في اواسط القرن الحادي عشر وقع الانشقاق في الكنيسة المسيحية، وانقسمت الى شرقية (تضم بشكل رئيسي اليونانيين وشعوب شبه جزيرة البلقان والروس والاوكرانيين والارمن والشرق الادنى) وغربية (وتضم بشكل رئيسي اوروبا الغربية، ولاحقا اميركا الشمالية والجنوبية). وبمعزل عن الجانب الديني ـ اللاهوتي الذي نحترمه ولكن لا شأن لنا به هنا، فإن الكنيسة الشرقية كانت تمتاز بميزتين:
الاولى ـ انها، كمؤسسة، ليست كنيسة مركزية كوسموبوليتيا (دوليا)، بل كنيسة محلية ـ اقليمية ـ وطنية في كل بلد او وحدة كيانية سياسية.
والثانية ـ انها كانت اقرب الى انتهاج خط اقامة العلاقات الايجابية، غير القائمة على العداء، مع الشعوب الشرقية غير المسيحية وخاصة المسلمين العرب.
في حين ان الكنيسة الغربية (الكاثوليكية، ومن ثم البروتستانتية) فكانت، من جهة، مؤسسة مركزية كوسموبوليتيا (دوليا) يترأسها البابا، الذي كان في وقت من الاوقات هو الذي يعين الملوك والقياصرة والاباطرة انفسهم في مختلف البلدان المسيحية الغربية.
ومن جهة ثانية، كانت اقرب الى استمرار خط العداء للعرب والمسلمين.
وقد تجلى هذا الانقسام في الكنيسة المسيحية بشكل صارخ في فترة الحروب الصليبية، حيث ان الكنيسة الغربية كانت هي المبادرة الى شن تلك الحروب وتنظيمها، بالاشتراك مع ملوك اوروبا الغربية. في حين ان شعوب اوروبا الشرقية واليونان وروسيا والارمن وغيرهم من المسيحيين الشرقيين، ومنهم العرب، لم يشاركوا في تلك الحروب بل وقفوا ضدها. ويذكر ان الحملة الصليبية الرابعة قد وجهت بالتحديد ضد الامبراطورية البيزنطية (المسيحية الشرقية) حيث تم القضاء عليها من قبل الصليبيين، واقيمت في القسطنطينية مملكة لاتينية لمدة ستين سنة، الى ان استعادها الاغريق البيزنطيون من جديد.
3 ـ في نهاية القرن الحادي عشر بدأت الحروب الصليبية واستمرت اكثر من قرنين. وقد ادت الى النتائج التالية:
أ ـ انهاك البلاد العربية.
ب ـ انهاك اليونان وشعوب شبه جزيرة البلقان، المسيحية الشرقية.
ج ـ ترسيخ التعاطف ونزعة التقارب لدى هذه الشعوب مع العرب والمسلمين، الضحية الرئيسية للحروب الصليبية.
د ـ انتهت تلك الحروب بهزيمة الصليبيين، الا انها لم تضع حدا للنزعة الاستعمارية الغربية، بل قوتها. وانطلاقا من هذه النزعة، عشية الثورة الصناعية والقفزة الجديدة للرأسمالية بالاتجاه الاستعماري، قويت نزعة العداء الغربية للعرب، العقبة الرئيسية امام استعمار الشرق.
4 ـ عشية الحروب الصليبية واثناءها، كان يجري في الدولة العربية ـ الاسلامية نزاع على السلطة بين الولاة والحكام من اصل تركي (السلاجقة والزنكيين) وبين غيرهم من الحكام من اصل عربي وكردي وفارسي. وقد انتهى هذا الصراع بزوال عهد الحكام الاتراك، وسيطرة الفرس في مناطقهم، وسيطرة الايوبيين الاكراد في المناطق العربية (والكردية). والسلاطين الايوبيون، وفي الفترة الاخيرة: السلاطين المماليك، هم الذين قادوا الحروب ضد الصليبيين (والتتار). وفي هذا النزاع فإن العرب، وبصفة عامة، رجـّحوا كفة الحكام المسلمين غير الاتراك ضد الحكام الاتراك، الى ان عاد الاتراك، في عهد العثمانيين، فانتصروا على الاكراد والعرب. ولكن العثمانيين لم "يحكموا" في بلاد العرب والاكراد، كما كان الامر في السابق، على قاعدة "الحكم الاسلامي" الذي لم يكن يفرق بين قوميات الدولة، بل انهم فرضوا حكما استعماريا تركيا، يستخدم زورا الدين الاسلامي، فكانوا اشبه شيء بـ"صليبيين اسلاميين!".
5 ـ ان اليهود الخزر كان يجمعهم مع العثمانيين، اصلهم الطوراني المشترك، وقد استغلوا تماما هذه العلاقة، وخصوصا في مرحلة المملكة اليهودية الخزرية، حيث كان الخزر والعثمانيون يتعاونون في الغزو على بلغار الفولغا والروس ويسبون نساءهم ويبيعوهن كرقيق ابيض لليهود العبرانيين الذين يبيعوهن بدورهم الى القادة في الدولة العربية ـ الاسلامية. وبالمقابل، فإن العثمانيين استفادوا بشكل استثنائي من هذه القرابة العنصرية مع اليهود الخزر، وبالاستناد الى ذلك، وسعيا وراء اهدافهم الخاصة، والاهداف المشتركة للطرفين، فقد ساعد اليهود الخزر العثمانيين منذ البداية على الصعود كقوة سياسية ـ عسكرية جديدة، مناهضة للروس ولشعوب اوروبا الشرقية، من جهة، ومناهضة للمسلمين العرب، خاصة، من جهة ثانية. ومن ثم فان اليهود الخزر، بأموالهم وعلاقاتهم "الدولية"، ساعدوا على ولادة الامبراطورية العثمانية.
6 ـ لقد تلاقى حقد اليهود الخزر ضد الروس والمسيحية الشرقية مع عداء العثمانيين للعرب والمسلمين غير الاتراك، من جهة، ومع عداء المسيحية الغربية (الصليبية) ضد الاسلام والمسيحية الشرقية معا، من جهة ثانية. وادى ذلك لنشوء "جبهة ثلاثية": يهودية خزرية ـ عثمانية ـ "صليبية" غربية، ضد الروس والمسيحية الشرقية والعرب خصوصا والمسلمين غير الاتراك عموما. والاساس، او الحلقة المركزية الجامعة في هذه "الجبهة" كان اليهود الخزر. وكان قيام وتوسع الامبراطورية العثمانية ابرز نتاجات هذه "الجبهة"، التي عملت اولا على مساعدة العثمانيين من وراء الستار وامامه لضرب "الحلقة الاضعف" اي شعوب اوروبا الشرقية وشبه جزيرة البلقان، التي قدمتها اوروبا الغربية لقمة سائغة للامبراطورية العثمانية. وبعد ان اشتد ساعد هذه الامبراطورية الغاشمة بعد فتح القسطنطينية، عملت "الجبهة الثلاثية" على دفعها ضد الاكراد والفرس (معركة جالديران 1514) ومن ثم ضد الهدف الرئيسي: الشرق العربي (معركة مرج دابق 1516)، الذي تم اخضاعه للاستعمار التركي، بأبشع انواع الاستعمار واكثره تخلفا. ومن ثم، بعد ان توطدت اركان السلطنة العثمانية، عملت "الجبهة الثلاثية" على دفع العثمانيين ضد الروس.
7 ـ ان اليهود الخزر قد راقبوا الحروب الصليبية، وراقبوا احوال وتنظيم وفعاليات الكنيسة الغربية التي شنت تلك الحروب. ومما يدل عليه مسلكهم اللاحق، فإنهم ـ اي اليهود الخزر، وفي الصراع من اجل استعادة مملكتهم ـ قد توصلوا الى الاستنتاجات التالية:
أ ـ ضرورة تحويل اليهودية الى مؤسسة مركزية كوسموبوليتية (على غرار مؤسسة الكنيسة الغربية)، مع فارق جوهري هو ان "كوسموبوليتية" الكنيسة الغربية لا تنسلخ انسلاخا مسبقا عن "وطنية" كل بلد يدين بها، بل تسير بموازاتها، ذلك انه، في التركيبة المسيحية الغربية، فإن الالتزام بالقيادة البابوية "الاجنبية" كان يتماهى مع الارادة "الوطنية" للشعب المعني الملتزم بتلك القيادة من خلال التزامه بعقيدة الكنيسة الغربية. ولهذا فإن المؤسسة الكنيسية الغربية لم تكن مؤسسة سرية على شعبها، او شعوبها، بل بالعكس. ولكن هذا "التماهي" بين "كوسموبوليتية" و"وطنية" الكنيسة الغربية كان ولا يزال يحتمل الاهتزاز، في حال وجود تعارض قومي "واسع الشعبية" بين اتجاهين سياسيين لدى شعبين او بلدين متعاديين هما في الوقت نفسه "مسيحيين غربيين" (وقد رأينا صورة عن هذا الاهتزاز، بعد الحرب العالمية الاولى، في الموقف المترجرج للكنيسة الكاثوليكية من النازية والفاشية، التي كانت تستقطب غالبية شعبية في المانيا وايطاليا واسبانيا، على خلاف فرنسا وغيرها من البلدان "الكاثوليكية" الاخرى).
اما اليهودية (هنا الخزرية)، وباعتبار انها ليست دين اكثرية الشعب الذي تقيم بين ظهرانيه، بل دين اقلية اتنية ـ طبقية، فإن مؤسستها "الكوسموبوليتية" اليهودية كانت في قطيعة وتضاد مسبقين، اوليين او مبدئيين، مع "وطنية" كل بلد توجد او تمتد فيه. فاليهودي كان من المحتم ان يكون اما "وطنيا" معاديا للكوسموبوليتية اليهودية (الصهيونية، لاحقا)، واما كوسموبوليتيا يهوديا (صهيونيا، لاحقا)، معاديا للبلد الذي ينتمي اليه اسميا ويعاديه فعليا. ولم يكن من صالح الكوسموبوليتية اليهودية (لاحقا: الصهيونية) ان تكشف عن وجهها تماما على هذا الصعيد، ولهذا اتسمت المنظمة الكوسموبوليتية اليهودية بطابع سري للغاية، حتى على اليهود العاديين انفسهم.
الصليبية اليهودية"، اتجهت اكثر فأكثر للعب على التناقضات الدولية، والقتال ضد اعدائها بجماهير اعدائها انفسهم، أي بجمهور هو اساسا غير الجمهور اليهودي |
ب ـ ان المؤمنين اليهود كانوا يعيـّدون بعضهم بعضا، ومنذ السبي القديم، بعبارة "في السنة القادمة في القدس". ومع الزمن، اكتسبت هذ العبارة معنى دينيا غير سياسي، مثلما يعيـّد المسلمون بعضهم بعضا بعبارة "ان شاء الله السنة القادمة في مكة" او ما اشبه. ولكن بعد الاحداث التاريخية، ونتائجها، التي سلف وذكرناها، فمن المؤكد، وهذا ما تدل عليه الاحداث اللاحقة، ان اليهود الخزر (الذين كانوا متجهين نحو تنظيم "كوسموبوليتهم" الخاصة على غرار "الكوسموبوليتية" الكنيسية الغربية) قد تساءلوا: ولماذا لا تكون لهم هم ايضا "صليبيتهم" اليهودية الخاصة؟ ومثلما ان الصليبية، في نزعتها الاستعمارية للاستيلاء على الشرق، استعارت القاموس الديني ورفعت شعار "تخليص قبر السيد المسيح والاراضي المقدسة من "الكفار" المسلمين"، فإن اليهود الخزر بدأوا يعطون لعبارة "في العام القادم في القدس" معنى آخر، اي معنى قوميا، سياسيا ـ عسكريا، مغلفا بغلاف ديني، هدفه الظاهر الاقرب "تخليص اورشليم" و"ارض الميعاد" و"اعادة بناء هيكل سليمان"، وهدفه الحقيقي الابعد: الاستيلاء على الشرق واستعماره، كمقدمة شرطية للاستيلاء على الكرة الارضية واستعمارها، بقوة الرأسمال الاحتكاري الدولي الذي يتحكم به الرأسمال اليهودي. لكن، وبحكم ادراك "الكوسموبوليتية" اليهودية لأقلويتها، فإن نزعتها، ومن ثم تنظيمها، الاستعماري ـ التسلطي "الصليبي اليهودي"، كان اكثر خبثا ومكيافيلية من الصليبية المسيحية. فالصليبية المسيحية، نظرا لكبر جمهورها "المسيحي"، كانت تقاتل اساسا بجمهورها ذاته. اما "الصليبية اليهودية"، فأتجهت اكثر فأكثر للعب على التناقضات الدولية، والقتال ضد اعدائها بجماهير اعدائها انفسهم، اي بجمهور هو اساسا غير الجمهور اليهودي، في كل مرحلة من المراحل.
8 ـ ان اي تحليل لاحداث تلك المرحلة يكشف لنا ان الامبراطورية العثمانية قد وُجهت بشكل مدروس لابتلاع اسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان واوروبا الشرقية، ومن ثم البلاد العربية، وكذلك لشن الحروب على روسيا. وهو ما يلتقي تماما مع مصلحة واهداف اليهود الخزر، ومع مصلحة واهداف اوروبا الغربية "الصليبية". وبذلك حققت اوروبا الغربية: التخلص من المسيحية الشرقية الرابضة على حدودها (مع الاحتفاظ باياديها "بريئة" من دم هذه الشعوب المسيحية، اذ ان العثمانيين هم الذين قاموا بهذه المهمة القذرة التي انتهت خلال الحرب العالمية الاولى وفي اعقابها مباشرة بالمجازر ضد الارمن وبقايا اليونانيين في القسطنطينية).
9 ـ ان الامة العربية تمثل تاريخيا العصب الرئيسي للاسلام، كبوتقة انسانية، سياسية ـ اجتماعية ـ حضارية. وفي العصور الوسطى، وبنتيجة تسلط الحكام "المسلمين!" غير العرب، والحروب الصليبية والتتارية، اصاب الضعف المجتمع العربي. وكمحصلة "منطقية" لذلك ظهرت، من الهوامش الطفيلية للبوتقة الاسلامية، قوة "ثالثة" ("اسلامية" غير عربية) لم يكن يحسب لها حساب، استطاعت، بدعم وتواطؤ اليهود الخزر و"الصليبية" الغربية، استغلال الضعف العربي لتأسيس امبراطورية "اسلامية!"، منطلقها الاساسي العداء للعرب، هي الامبراطورية العثمانية. وقد انطلقت تلك القوة من بعض القبائل الطورانية الهمجية المقاتلة، التي كانت تعتاش في البدء على الغزو والسلب والنهب وقطع الطرقات، ثم عمدت قياداتها العشائرية، ذات الطابع الاقطاعي ـ العسكري، الى إدخالها في وقت متأخر في الاسلام السلطوي، وتحديدا في الخدمات العسكرية للامبراطورية العربية ـ الاسلامية، وذلك لا جهادا في سبيل الرسالة الاسلامية، بل فقط وفقط سعيا وراء المغانم، التي كانت تتحصل عليها تلك القبائل بنتيجة موضعتها على الحدود بين الدولة البيزنطية والدولة العربية ـ الاسلامية. ولكن حينما عزّت تلك المغانم، واخذت تقل بفعل التلاشي التدريجي للعداء، ومن ثم بداية التقارب، بين البيزنطيين وبين العرب والمسلمين، وخاصة خلال الحروب الصليبية وبعدها، انكفأت تلك القبائل العثمانية نحو "الداخل الاسلامي"، وأخذت تعتاش على التناقضات داخل الامبراطورية العربية ـ الاسلامية ذاتها، وتستغل نقاط ضعفها، الى ان تسنى لها تمزيقها اربا وافتراسها والسيطرة عليها.
10 ـ لقد ادى سقوط القسطنطينية في ايدي العثمانيين، الى نتيجتين سلبيتين كبيرتين بالنسبة للعرب:
الاولى ـ تحفيز مصطنع لموجة صليبية غربية جديدة، ضد العرب، ولكن بحجة خطر "اسلامية!" العثمانيين!. حيث انه بدلا من ان توجه هذه الموجة ضد العثمانيين في ما سمي الاستانة، وُجهت ضد العرب وقضت على منارتهم الحضارية في الاندلس. اي ان الهمجية العثمانية (ومن ورائها اليهود الخزر والصليبية الغربية) قضت على المنارة الحضارية التي كانتها القسطنطينية (المسيحية الشرقية)، وبحجة الخطر "الاسلامي!!!" (عمليا العثماني) فإن الصليبية الغربية نهضت من جديد وقضت على المنارة الحضارية (العربية) التي كانتها الاندلس.
والثانية ـ اشتداد ساعد العثمانيين، العدو القادم، المرشح لان يقضي على كل التقدم الحضاري للدولة العربية ـ الاسلامية، ويقوض دورها العالمي، ويعيد العرب الى ما قبل الاسلام، ويحولهم من جديد الى شراذم وحطام شعوب ممزقة، منهوبة، مـُذَلـّة، فقيرة ومتخلفة يرثى لها.
11 ـ لقد سار اليهود الخزر في ركاب "ابناء عمومتهم" العثمانيين، وكانوا في اساس اقامة "الباب العالي" في القسطنطينية السابقة. وبعد سقوط الاندلس وفرار اليهود منها، الى جانب كل العرب، وعودة غالبية اليهود الاندلسيين العاديين الى المغرب العربي، عمل اليهود الخزر على استقطاب قسم كبير من اليهود الاندلسيين، ولا سيما الاغنياء ورجال الدين والمثقفين، الى الامبراطورية العثمانية، التي تحولت الى مركز دولي للطغمة اليهودية العليا، بديلا عن الاندلس، حيث شهد اليهود ما يسميه تاريخهم "عصرهم الذهبي".
وقد اضطلع اليهود بالذات، الخزر ـ الطورانيون/"الاشكناز"/الآريون، والعبرانيون ـ الساميون ـ "الاسبانيون"/"السفارديم"، ـ اضطلعوا بدور "الخـَزَنـَة" و"العقول المدبرة"، وفي المحصلة دور "المفاتيح" الفعلية، السرية وغير السرية، المالية والادارية والسياسية، لـ"الباب العالي" للسلطنة العثمانية، منذ ولادتها وحتى آخر يوم في حياتها. وقد اوجدوا، انطلاقا من الاستانة، شبكة مالية ـ تجارية يهودية مختلطة، خزرية (اشكناز) ـ عبرية (اندلسية/ سفارديم)، انتشرت في مختلف البلدان الاوروبية الشرقية والغربية وما يسمى اليوم، بالقاموس الاميركي، الشرق الاوسط، والقوقاز وآسيا الصغرى وما وراءها، وذلك
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018