ارشيف من :ترجمات ودراسات

تفجيرات دمشق والأصابع الدولية

تفجيرات دمشق والأصابع الدولية
حسين مرتضى-"الوطن" السورية

من الصعب على المراقب لطبيعة ويوميات الأحداث الأمنية في سورية، ألا يشعر بمدى خطورة الأحداث والممارسات العملية للأجهزة الاستخباراتية المرتبطة بالغرب على الأرض السورية، وأن يستشعر بأثر تلك الأجهزة هي التي تلتصق وتدير تلك الأحداث الأمنية، من خلال الأساليب التي تتبعها المنظومة الأمنية لقوى الاستكبار العالمي، في التعاطي مع الملفات الحساسة والشائكة، وبالذات عندما ندرس التفجيرات التي وقعت في دمشق واستهدفت المنشآت العامة في قلب العاصمة السورية.

إن التطورات المتلاحقة التي عصفت بالساحة السورية الداخلية، وما لحقها من عملية إجهاد على المستوى الخارجي، وأزمات سياسية ترافقت مع ضغط إقليمي ودولي، تحت ذريعة الأحداث التي شهدتها بعض المناطق السورية، استغلت من أجهزة الاستخبارات الغربية وحلفائها للحصول على المزيد من المكاسب على الأرض، فاستهداف مقر أمن الدولة وفرع أمن المنطقة يوم الجمعة صباحاً، لم يكن يشكل إلا حلقة من حلقات استهداف قلب العاصمة دمشق لمنح المراقبين انطباعاً أن من قام بالعمل قادر على اختراق العاصمة دمشق، لكن لم يخطر في بال من خطط للعملية الإرهابية، أن المقرات المستهدفة تطل على ساحات رئيسية في دمشق، ما يعني أن الوصول إليها لا يحتاج إلى عناء ودهاء، بل إن الطرق المؤدية إليها تعج بالحركة المرورية ولا تهدأ بها حركة السير أبداً.

ما هو واضح ومؤكد أن المرحلة التي تعيشها سورية، تعيد إلى الأذهان مرحلة الثمانينيات، وعمليات الاغتيال لرموز ثقافية وعلمية ودينية، والتفجيرات المتلاحقة والمتعددة التي ضربت دمشق، والتفجير الذي تعرضت له العاصمة السورية دمشق يذكرنا بتفجير بئر العبد في الضاحية الجنوبية من بيروت، يوم 8 آذار 1985 والذي كان يهدف إلى اغتيال العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل اللـه، والذي أدى إلى استشهاد وجرح مئات المواطنين، تلك العملية كانت من تخطيط وتنفيذ المخابرات الأميركية «CIA»، وإن التشابه بين التفجيرين من حيث حجم العبوة المستخدمة والمزروعة في السيارات والتي بلغ وزنها 300 كيلو غرام من المتفجرات، إضافة إلى استخدام القطع الحديدية «كرات فولاذية ومسامير» في العبوات لتحصد عدداً كبيراً من الأرواح والإصابات، والمواد الحارقة التي أدت إلى حرق جثامين الشهداء والجرحى، والدقة المتناهية في التنفيذ، ولكن ما كان مفاجئاً حينها في تفجير بئر العبد أن تكون السعودية هي المموّل لهذا العمل، والغريب أن أجهزة المخابرات لدول الغرب وحلفائها من تنظيمات متطرفة وأجهزة أمن الكيان الإسرائيلي، لم تتعلّم من الدروس التي عاشتها، أن هذا الأسلوب لن يؤتي أكله، ولن تكون له نتائج إلا زيادة الحقد والغضب على مثلث الشر في هذا العالم.

وبالتدقيق بطريقة التفجير الذي استهدف المقار الأمنية في مدينة دمشق، لا بد من ملاحظة بعض النقاط ومن أهمها الفارق بين الانفجار الأول والانفجار الثاني، كان دقيقة واحدة، مع التطابق الكامل بالطريقة والأسلوب بين الانفجارين، إضافة إلى وجود عناصر دعم لوجستي بدأ عملها من تأمين الحصول على السيارتين، وإعداد الشحنة المتفجرة، والحصول على المواد المستخدمة في التفجير، والمكان الآمن الذي صنعت فيه العبوة، ولغمت به السيارتان، هذه المراحل تحتاج إلى شبكة كاملة تعمل على إنجاح هذا العمل، من تهريب المواد المتفجرة إلى تأمين الملاذ الآمن للسيارات ومعمل تصنيع العبوات وتفخيخ السيارات.

وفي التنفيذ نجد أن وجود عناصر قامت بدخول الشارع عكس اتجاه السير، وبسرعة كبيرة وإطلاق النار على الحراسات في المقار الأمنية التي استهدفها
الانفجار، ووجود قناص قام بقنص أحد رجال الحراسات، واللافت للنظر أن السيارة التي انفجرت أمام باب الحراسات لأحد المقار الأمنية لم يتم تفجيره من داخل السيارة، بل من سيارة الأجرة التي كانت ترافق الانتحاريين، حيث عثر على جهاز التفجير وهو جهاز تحكم عن بعد، في يد سائق سيارة الأجرة، بمعنى أن هناك عناصر قامت بتنفيذ العملية وهناك عناصر كان مهمتها الإمداد والإسناد. وتشير المعلومات الأولية إلى أن التفجير الإرهابي الذي تعرّضت له مؤسستان أمنيتان لم يحقق الهدف الذي سعى إليه. فقد كانت خطة الإرهابيين تقضي بالدخول إلى داخل المؤسستين بعد تفجير البوابة الرئيسية لكل منهما، حيث تمّ ضرب البوابة بقواذف لكن عناصر المتابعة والحراسة استطاعوا إفشال ذلك، من خلال الرد على العناصر الإرهابية التي قامت بعد إدراكها بفشل مهمتها، بالقيام بعملية التفجير على البوابة، دون تحقيق إمكانية الوصول إلى الداخل، وبالتالي فإن الخسائر كانت بالحد الأدنى سواء من الشهداء أم من الأضرار المادية.

وعند دراسة وتفكيك الرسائل الدموية للتفجير الإرهابي المزدوج في دمشق، وما هي طبيعة الحدث المرتقب، نلاحظ تزامنه مع قيام دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماعها الأخير بتوجيه إنذار ضد سورية وإيران، والتوترات السياسية والأمنية في العراق، تقديم روسيا مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي، وإصرارها على مراجعة وتقويم مشروعات القرارات الدولية المقدمة بواسطة أطراف مثلث الشر واشنطن- لندن- باريس ضد دمشق، ولا يمكن أن نتجاهل أيضاً اجتماع عدد من المسؤولين القطريين مع مسؤولين من كيان الاحتلال الإسرائيلي في قطر مطلع هذا الشهر، ولا يمكن أن ننسى الانتقام الأميركي من محور المقاومة التي تمثل فيه سورية الركن الأهم، بعد اقتناعها بفشل مؤامرتها وعدم جدوى تغيير الإستراتيجيات الهجومية، لإسقاط محور الممانعة والمقاومة من خلال إسقاط القيادة السورية، التي باتت محصنة بشكل يستعصي على السقوط، لأنها العنصر الأساسي في معادلة إقليمية ودولية ثابتة ستقودها بالتحالف مع القوى الشريفة في العالم، إلى نظام عالمي لن تكون فيه أميركا القطب الواحد. ‏
2011-12-29