ارشيف من :أخبار لبنانية

"شعب يقتل الظلم ويغتال التعاسة"

"شعب يقتل الظلم ويغتال التعاسة"
 شهيرة سلّوم - "الأخبار"
نال الظُلم الذي وقع على انتفاضة شعب البحرين، بسبب لعنة الجغرافيا والدين، من أبطالها. فلم يملكوا القدرة على النضال من أمام الستار. ظلّوا يعملون في السرّ. وجوه غير مرئية، رغم وضوح مطالبهم. مع ذلك، برزت أسماء استطاعت من خلال قضيتها إيصال الصوت المخنوق لشعب أعزل. وكان اللافت في الانتفاضة دور المرأة البحرينية التي أصابها ما أصاب الرجل وأكثر من قمع وسجن وتعذيب وقتل. آيات وزينب ومريم ونفيسة وفاطمة قهرن بأجسادهن النحيلة الظلم

آيات القرمزي. فتاة عشرينية مفعمة بالحماسة. ألقت بحمد قصيدة، كانت الثانية لها في الدوار، عن مائدة حوار بينه وبين «إبليس»، وصرخت «نحن شعب يقتل الظلم ويغتال التعاسة».
يوم 14 شباط كانت خارج البلاد مع عائلتها، حيث تابعت الأخبار بلهفة. وفور عودتها، بعد 5 أيام، هرعت الى دوار اللؤلؤة. كانت تجلس بخجل في إحدى الزوايا وتتابع برنامج الفعالية. لم تكن تعرف أحداً من شباب «14 فبراير» أو المنظمين. تقول عن أيام الدوار «كنا نتنفس حرية. للمرة الأولى نشعر بأننا أحرار».

أول إطلالة لها بالدوار كانت من خلال إلقاء قصيدة ضمن فعالية لكلية البحرين للمعلمين بصفتها طالبة قبل فصلها. بعدها، انتشرت معلوماتها الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي. وصارت تستقبل يومياً العشرات من اتصالات التهديد والتحقير. فانهارت وتوجهت الى شباب الانتفاضة، وكانت فرصة كي تتقرب منهم أكثر. تقول «صراحة لم أكن أخاف من القتل، بل من الاعتداء على شرفي، فكنت اتلقى تهديدات باغتصابي».
في ليلة السابع عشر من آذار (فجر الهجوم الدامي)، كانت تخطط كي تمضي ليلتها في الدوار. تقول إنهم كانوا يشمّون رائحة الموت في كل مكان «حتى البرنامج كان عبارة عن التكبير والأدعية. كان هناك شعور غريب لدى الجميع، بأن نية خبيثة تكمن لنا. السماء كانت غريبة. والطائرة تحوم حولنا على مسافة قريبة». رغم تصميمها على المبيت هناك، عادت وتراجعت بعد رجاء والدتها. صحت في اليوم التالي على صوت التكبير في كل مكان ووصلها النبأ المشؤوم بالهجوم على الدوار.
أُصيب أهلها بالهلع. طلبوا منها أن تختبئ، لكنها رفضت. قالوا لها إنهم عاشوا فترة التسعينيات ويدركون قدرة هذا الحكم على البطش، فلم تقتنع، أجابتهم بأنها امرأة ولن يمسّوها. لكنها عادت ورضخت. أخذوها الى بيت قريبة لهم. وبعد أقل من أسبوع، هوجم منزل العائلة. هُدّدوا وأُذلّوا فوشوا بمكانها. أتت الشرطة لاعتقالها وزجّها في سجن تعرّضت فيه لأسوأ أنواع التعذيب على مدى 3 أشهر و 16 يوماً.
تقول «أيقنت منذ اللحظة الأولى أنني بين ناس لا يخشون الله. كان الشرطي يهينني، ويسألني كم مرة تمتعت في الدوّار». أُلقيت لمحقق أردني الجنسية . شخصية معروفة في مجال التعذيب. تقول إنه فور دخولها اليه أخبرها أنه لا يميز بين امرأة ورجل «ممكن امسح فيكي الأرض». اعترفت بكل شيء. سألوها «أبوك يعمل في قطاع الدولة، واخوانك درسوا على نفقة الدولة وانت أيضاً». استغربت «هذه ليست منّة. هذا حقنا».
بعدها تسلمت زمام التحقيق والتعذيب. رئيسة قسم المخدرات في إدارة التحقيقات، بحسب آيات. كانت تضربها بشكل عنيف على وجهها في البداية. علمت أنها من آل خليفة من إحدى الشرطيات. في حلقات التحقيق التالية مع نورا، تعرضت آيات للصعق الكهربائي على وجهها. وكانت تُهدّد بقطع لسانها. وفي إحدى جلسات التعذيب، فتحت نورا فم آيات وبصقت في داخله، ثم جلبت فرشاة المرحاض وأدخلتها في فمها.
أُجبرت على الإدلاء باعترافات عُرضت على تلفزيون البحرين اعتذرت خلالها من آل خليفة. تقول آيات إن الدعم الخارجي لقضيتها أسعفها. تشير الى أن نقطة ضعف السلطة هي تسليط الضوء على قضية شخص ما. آيات بلغت عامها العشرين. تخطط اليوم لمستقبلها. تفكر في السفر وتطمح إلى أن تدرس الحقوق.
شأن آيات، تدرك زينب الخواجة، أن ما أسعفها أيضاً تسليط الضوء على قضيتها. تقول زينب إن ما عانته لا يقاس بمعاناة الشعب البحريني الذي «يواصل صراخه في الظلام، ولا أحد يريد أن يسمعه». بما أنها ناشطة حقوقية عملت مع العديد من المنظمات الدولية الحقوقية، أبعدت السلطة جبروتها عنها. كانت تعمل قبل 14 شباط حول أبحاث من أجل المقاومة السلمية. ويوم سقوط حسني مبارك كان يوم ولادة حسابها على «تويتر» تحت اسم «العربية الغاضبة».
رُمي والدها وزوجها وصهرها في السجن. والدها القيادي البارز في المعارضة عبد الهادي خواجة، آخر كلماته عند اعتقاله كانت «لم أعد اقدر على التنفس» بسبب حدّة الضرب. بعدما استنفدت كل وسائل الاحتجاج، قرّرت الإضراب عن الطعام. وبعثت برسالة الى باراك أوباما تطلب منه وقف دعم الديكتاتور. في اليوم الخامس من إضرابها عن الطعام، بدأت تعاني من صعوبة في الكلام. لم تكن تنوي أن توقف إضرابها لكن ابنتها الرضيعة جود، التي تبلغ عامين الآن، أجبرتها على ذلك.
لم تكلّ زينب. واصلت تحرّكها. تؤكّد أن الثورة مستمرة «هناك مسيرات في أكثر من 26 قرية. تخرج في كل ليلة». خلال الشهر الماضي تعرّضت للاعتقال بطريقة مهينة، بعدما ضُربت وسُحلت على الأرض بسبب رفضها فض الاعتصام السلمي. طالبت المنظمات الحقوقية بالإفراج عنها، فرضخت الحكومة وأطلقت سراحها.
صحيح أن الانتفاضة في البحرين منسية، وأن شعبها يصرخ في الظلام، كما روى تقرير «الجزيرة»، لكن نضالها مستمر. في كل يوم مسيرات وتحدّ. شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» لم يعد متداولاً إعلامياً، لكنه يدوّي في أزقة القرى الصغيرة. تتقدّم نفيسة إحدى المسيرات وتهتف بالمحتجين «يسقط حمد» فيردّدون وراءها. تحاصرهم أفواج من شرطة مكافحة الشغب، ترميهم برصاصها وقنابلها الغازية، يختنقون لفترة قبل أن يلملموا جرحاهم ويستعيدوا أنفاسهم ويصرخوا من جديد «يسقط حمد». اللافت أن مسيرات القرى ليست موحّدة، لكنها تخرج بصورة متزامنة ومنظمة. وراء هذه المسيرات «شباب 14 فبراير». هؤلاء غير موجودين في المعادلة السياسية، لا أصواتهم ولا مطالبهم حاضرة. السياسيون يفاوضون على الإصلاحات وهم لن يرضوا بأقل من إسقاط النظام. ولن يكون هناك استقرار في الجزيرة ما دام غير منظور بمطالب القوة الحقيقية على الأرض.
خلف هؤلاء الشباب يقف آخرون، أجبرتهم قضيتهم على النضال من الخارج. علي أحدهم. شاب لا يتجاوز الـ28 عاماً. يعيش في منفاه القسري، لندن. اضافة الى كونه ابن أحد قادة المعارضة المعتقلين، اتُهم بالعديد من القضايا التي تدور حول «انشاء خلية ارهابية وتدريبها في إيران وسوريا بقصد قلب النظام». تلقى التهمة الأخيرة عبر الإعلام. لم يستغرب، وأخذ يعدُّ ساخراً سنيّ السجن التي حُكم بها. يرنّ هاتفه أثناء الحديث بنغمة «يسقط حمد»، فإذا هو نبأ سقوط قتيل جديد. يستشيط غضباً ويصرخ «إصلاحات! هذا نظام لا يصلح، عبثاً».

2011-12-31