ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريريّون لكتَّاب عوكر: مئة مرة ومرة «القاعدة» في لبنان

الحريريّون لكتَّاب عوكر: مئة مرة ومرة «القاعدة» في لبنان
جان عزيز ـ "الاخبار"

الجردة مصدرها، بكل بساطة، خزنة «ويكيليكس». ففيها 67 وثيقة تذكر «القاعدة» في لبنان، ويرد فيها اسم هذا التنظيم الإرهابي مقروناً باسم بلد الأرز مئة مرة ومرة. غير أن مفارقة تلك الخزنة، وأجمل ما فيها، أنها تظهر تناقض مسؤولي دولتنا مع أنفسهم.


مثلاً، رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي أعلن من بكركي، في 25 من الشهر الماضي، أنه «أكيد» من «أن أي لبناني أو أي بلدة لبنانية لا تقبل بإيواء الإرهاب، وجميعهم يتعاونون مع الدولة لمنع حصول إرهاب أو إيواء إرهابيين»، هو نفسه من كتب عنه جيفري فيلتمان، في 16 آب 2007، أنه أخبره قبل أشهر «أن القاعدة مصنّف على أنه العدو في نهر البارد». وهو نفسه من نقلت عنه ويكيليكس، رئيساً للجمهورية، قوله لمستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال جيم جونز، في 21 كانون الثاني 2010، أن «لبنان لاحَق وأوقف عدداً من إرهابيي القاعدة، وتعاون في تبادل المعلومات بشأن النشاط الإرهابي».


الكلام نفسه تنسبه ويكيليكس، وبقلم السفيرة ميشال سيسون، إلى سعد الدين الحريري نفسه، في لقائه مع جونز أيضاً. زعيم «المستقبل» الذي أعجب بنفسه لـ«قفشته التويترية» قبل أيام، حين أعلن لمتابعيه الإلكترونيين أن «هناك قاعدة واحدة هي شبيحة بشار الأسد»، هو نفسه زعيم «المستقبل» الذي نقلت عنه سيسون، في 15 كانون الثاني 2010، أنه قال للسيناتور جون ماكين إنه «قد يتجه نحو الروس للحصول على مروحيات دعم بدل طائرات ميغ 29 المعروضة، وإن قوات لبنانية مسلحة جيدة التجهيز يمكن استخدامها لقتال ثلاثة أنواع من الإرهابيين في لبنان: الأصوليين في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، قتلة رفيق الحريري والقاعدة». وهو الحريري نفسه الذي كتبت عنه سيسون، في 15 تشرين الأول 2008، مؤكدة أنه «طلب مساعدة الإدارة الأميركية لملاحقة معلومات عن عمر بكري، رجل دين مشتبه في أنه على ارتباطات مع القاعدة، ومتصل بالاستخبارات السورية»، فضلاً عن اعتباره «خطر صعود التطرف السنّي حاضراً دائماً»، كما كتبت عن لسانه سيسون، أيضاً، في 13 حزيران 2008.


المفارقة نفسها يمكن أن تشمل وليد جنبلاط. فزعيم المختارة الذي أعلن قبل أيام أنه «حبذا لو تتمتع بعض الجهات الرسمية بشيء من الحكمة والعقلانية والتروّي في معالجة مسائل أمنية حساسة كما حصل في ما أشيع عن مسمّى مطاط هو تنظيم القاعدة»، هو نفسه من كتب عنه فيلتمان، في 15 أيلول 2006، أنه ــــ أي وليد جنبلاط ــــ سرّب له، (نعم سرّب له)، تقريرين سريين مصدرهما استخبارات الجيش اللبناني، الأول يتحدث عن دخول كمية كبيرة من المتفجرات «رصد مصدرها من القاعدة، وقد تستخدم لتفجير مقر الأمم المتحدة أو اجتماع لقوى 14 آذار»، والتقرير الثاني عن «معلومات من داخل مخيم عين الحلوة تشير إلى أن سعد أسامة بن لادن (والدته نجوى) دخل الأراضي اللبنانية مستخدماً جواز سفر إيرانياً في تموز، وأنه دخل مخيم عين الحلوة والتقى مجموعة عصبة الأنصار التي يرأسها هيثم السعدي (أبو طارق) مع جمال سليمان وعدد من عناصر القاعدة، وتقرر خلال الاجتماع توجيه عناصرهم للقيام بعمليات إرهابية ضد اليونيفيل، خصوصاً الوحدات الإيطالية والفرنسية»، وأن «سعد حمل معه مبلغاً كبيراً من الدولارات لصرفه على العمليات. وغادر بعدها لبنان عائداً إلى طهران عبر سوريا».


وفيما كان جنبلاط يسرّب هذه المعلومات «الهادفة» إلى فيلتمان، كان نائبه الأقرب، يومها، مروان حمادة، يحذر السفير الأميركي نفسه، في 11 أيلول من السنة نفسها، من «خطر أن يخسر سعد (الدين الحريري) المكوّنات السنيّة في شمال لبنان، لمصلحة تطرّف مثل القاعدة، أو لمصلحة سوريا، أو لمصلحة الاثنين معاً».
حريريون كثيرون نسجوا على المنوال نفسه مع مسؤولي عوكر؛ مصطفى علوش نقلت عنه سيسون في 16 أيار 2008: «علينا ألا ننسى القاعدة، فهم يريدون حصتهم أيضاً» من أي اتفاق سوري ــــ إسرائيلي، كما كان يحاول إقناع السفيرة الأميركية، فيما كان مصباح الأحدب يتساءل أمامها في اليوم نفسه: «من سيدافع عن طرابلس، الجيش أم القاعدة؟». أما ميشال معوض فكان أكثر وضوحاً، إذ نقلت عنه أن «السنّة في طرابلس أدركوا خلال الاشتباكات أن السعودية وسعد (الدين الحريري) لا يمكنهما حمايتهم. إنها استراتيجية طويلة الأمد تتخطّى انتخابات 2009، لأنه إذا لم يحصل ذلك، فسيصبح أيمن ظواهري القاعدة في طرابلس».


أما اللافت أكثر فكلام بعض الوزراء المعنيين اليوم عن أنه لا معلومات لدى أجهزتهم عن موضوع «القاعدة»، فيما سجلت ويكيليكس لكتابات عوكر أن النائب أحمد فتفت نفسه، يوم كان وزيراً للداخلية بالوكالة، أخبر فيلتمان «على انفراد»، في 15 حزيران 2006، «أنه في كانون الثاني 2006 أوقفت السلطات الأمنية اللبنانية 11 عنصراً من تنظيم القاعدة المزعوم، وهو أول توقيف من نوعه في لبنان، وأن بينهم سعوديين وفلسطينيين وبضعة لبنانيين، وأنهم أوقفوا في شمال لبنان».


كذلك فإن اللواء أشرف ريفي كان قد سبق وزيره إلى إبلاغ فيلتمان في 1 أيار من العام نفسه عن الموضوع، «مشدداً على الجهود اللبنانية لمحاربة الإرهاب، ومنها توقيف قوى الأمن الداخلي لخلية القاعدة في بيروت». ويقول فيلتمان إن ريفي «اعترف بأن لدى لبنان مشكلة مع الإرهاب، لكنه لاحظ أن قوى الأمن الداخلي نجحت في كانون الثاني في ضرب خلية قاعدة في بيروت»، قبل أن يضيف ريفي قنبلته الكبرى، بالإشارة إلى أن «أحد عناصره، كما يقول، مساعد لأبي مصعب الزرقاوي».


ولا تنتهي رسائل عوكر عن «القاعدة» في لبنان. الياس المر، وحده، يملأ صفحات طويلة منها، منذ عام 2003 وفنسنت باتل، مروراً بفيلتمان وسيسون، وصولاً إلى كلام له في الموضوع إلى الأدميرال ويليام فالون قائد القيادة الأميركية الوسطى، حتى عام 2010، تاريخ توقف مراسلات الكنز الأميركي الدبلوماسي، فضلاً عن الكلام الدقيق والموثّق لقيادة الجيش وقيادة قوات اليونيفيل، أمام المسؤولين الأميركيين، عن «القاعدة» والاشتباه في تورطه في عمليات في الجنوب، تفجيراً وإطلاق صواريخ.


حتى فيلتمان نفسه كتب الكثير من التقارير عن وجود «القاعدة» في لبنان، إلى درجة أنه ذهب إلى نبيه بري في 16 كانون الأول 2006، بكلام المتذاكي، محذراً رئيس المجلس النيابي من أن «القاعدة قلق متنام، وفيما يمكن عملياته أن تستهدف السفارة الأميركية في لبنان، يمكن أيضاً أن تستهدف زعيماً شيعياً مثل بري، خصوصاً أن الشيعة اليوم يبدون كأنهم يهاجمون السياسيين السنّة في لبنان ومؤسساتهم»!
مئة مرة ومرة «قاعدة» في 67 وثيقة أميركية رسمية، ونتلهّى بكلام عن «تلطيخ سمعة البلد»...

2012-01-05